قانون «تنظيم مرفق المياه» الجديد وتسليع المياه

وافق مجلس النواب منذ أيام على مشروع قانون تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي، والذي يسمح للقطاع الخاص بالمشاركة في إدارة وتقديم خدمات مياه الشرب والصرف، ومنحه عقود امتياز وشراكات وتراخيص لتشييد البنية التحتية وإدارتها وتحصيل الفواتير، يثير القانون الجديد مخاوف من رفع أسعار المياه على المواطنين، أو انقطاعها بسبب تبنيه لنظام العدادات مسبقة الدفع، ووضع الربح فوق اعتبارات الصحة العامة والعدالة الاجتماعية، وتسليع مورد حيوي واستراتيجي، مما يعزز المخاوف من تراجع جودة المياه أو حصول تفاوت في مستوى الخدمة بين المناطق، وتكريس احتكار للمياه.
يثير مشروع القانون الجديد قلقًا بالغًا في تكريس اللاعدالة خاصة عندما نضعه في سياقه التاريخي من خصخصة للمياه في مصر وتأثيرها على جودة وعدالة الخدمة، واقتصاديًا من ناحية أمولة البنية التحتية للدولة، عن طريق هيكلة المرافق بتفكيكها لقطاعات منفصلة ثم طرحها على شراكات بين القطاع الخاص والعام والأعمال وهيئات الدولة ومؤسساتها،لتناسب مع السياسات القائمة على الديون.
انعدام العدالة في التوزيع والتسليع ارتبط بإنشاء شركة مياه القاهرة عام 1865، يشرح الباحث شهاب فخري إسماعيل، في كتاب «نشتري كل شيء» تاريخ إنشاء الشركة، عندما أعطى الخديوي إسماعيل، حق الامتياز أو الاحتكار للشركة لمدة قرن، وكانت الشراكة بين مؤسسها جان أنطوان كوردييه، رجل الأعمال الفرنسي، ونوبار باشا وزير الأشغال العامة حينها، قبلها كان توزيع المياه يعتمد على شبكة من السقائين، وصهاريج للتخزين، والأسبلة (مباني لتوزيع المياه)، ثم أصبحت الشركة المتحكم الوحيد في القطاع الحيوي وأسعاره، ووفرت الشركة نظام بيع مياه بالاشتراك للطبقات الأغنى ونظام بيع بالمتر من حنفيات عمومية للفقراء، وقدرت نصيب الفرد بـ 180 لتر للمجموعة الأولى مقابل ثلاثة أو أربعة لترات للمجموعة الثانية، وبرروا ذلك بأن -المعدمين- ليسوا فقط غير قادرين على شراء الماء بل هم أيضًا ليسوا بحاجة إليها.
في بداية الألفينات حُوِّلت مرافق المياه والكهرباء إلى شركات قابضة، وفي ظل سياسات النيوليبرالية، وأصبحت الشركات مُلزمة بتغطية نفقاتها وتحقيق أرباح، مما أدى بالشركتين لرفع تعريفات الخدمة وإعطاء الأولوية لتحصيل الفواتير، هذا النهج تشير إليه الباحثة دينا خليل في دراستها حول ارتفاع أسعار المياه في مصر، هذا التغير بنهج «التشبه بالخصخصة»، حيث كانت التغيرات جزئًا من التغييرات الهيكلية المدفوعة من البنك الدولي، فالخدمات العامة عوضًا عن تقديمها كحقوقًا للمواطنين أصبح من أولوياتها تعظيم الاستثمار، و تشير خليل إلى عدم المساواة حاليًا في توزيع المياه، حيث يصل نصيب الفرد في مدينة جديدة مثل الشيخ زايد إلى 16 ضعف بالنسبة إلى نصيب الفرد في محافظة المنيا على سبيل المثال، بالإضافة إلى العديد من المناطق التي لا تصل إليها شبكات المياة الرسمية.
الغضب الشعبي ضد خدمة أساسية كالمياه متوقع، وحدث مؤخرًا، ففي ديسمبر 2024 تظاهر أهالي محافظة أسوان احتجاجًا على انقطاع المياه، وقبلها بثلاثة أشهر شهدت المحافظة كارثة من تلوث المياه مما أدى إلى وقوع وفيات من الأهالي، ويبدو أن القانون يتوقع هذا الغضب، حيث أضاف مادة عن عقوبة نشر أخبار -كاذبة- عن المياه بغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه، هذه السياسات تنطوي على مخاطر تتعلق بتقليص الحق في الحصول على الخدمات الأساسية، ومنها توفير المياه دون التقيد بمدى القدرة المالية على الحصول عليها وعدالة توزيعها، خاصة في ظل ارتفاع معدلات التضخم.





