بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف يختلق النظام أوهام الإنجازات بينما يقتلنا على الطرق؟

يتباهى السيسي وحكومته وخاصة وزير نقله بمشاريع الطرق التي نفذوها. لكن ما وجه “الإنجاز” فيها وسط أعداد القتلى المتزايدة على الطرق.

تمتلئ التصريحات والأخبار الحكومية بمديح “المشاريع القومية للطرق.” آلاف من الكيلومترات الجديدة التي تقدم كأنها إنجاز في حد ذاتها. إلى جانب تقارير عن صعود ترتيب مصر في مؤشر جودة الطرق. على الجانب الأخر يتزايد الاحتجاج الشعبي بسبب الأحداث المروعة لمقتولين على الطرق الجديدة. أدى العام الماضي إلى مظاهرة طريق المطرية التي قمعتها الشرطة بسرعة شديدة واعتقلت المتظاهرين. وآخرها الحادث المروع الذي قُتلت فيه العاملات الزراعيات على الطريق الدائري الإقليمي. قُتلوا وليسوا متوفين أو ضحايا “حادث” لأن التصادم على الطرق مسؤولية مباشرة للنظام، وتخطيطه مُتوقع منه هذه النتائج الدموية.

تصف النشرة السنوية لنتائج حوادث السيارات والقطارات من إحصائيات جهاز التعبئة والإحصاء إلى حد ما حجم المأساة. زادت أعداد إجمالي مصابين الطرق ب132% بين 2014 و2022 ، وزادت نسبة المصابين لعدد السكان ب94%. وزاد عدد المقتولين ب24% وزادت نسبتهم للسكان ب4%. ياله من إنجاز!

فمن الواضح أن أعدادنا من القتلى والمصابين ليست في حسبان الإنجاز ولكن للنظام حسابات أخرى. يوضح الباحث معتز محروس في مشاركته في كتاب “في عرض الطريق” أن مؤشر جودة الطرق التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي والذي يتباهى به النظام، يعتمد في تقييمه على سؤال واحد ل100 من رجال الأعمال في كل بلد، يقيمون الطرق من واحد إلى سبعة! يعني هذا أن استشهاد النظام على جودة الطرق يرجع إلى 100 رجل أعمال غالباً لم يستقلوا وسيلة نقل عام في حياتهم ولا حتى يقودون سياراتهم الخاصة ويقررون لنا ما هي الطرق الأجود. كل هذا في بلد لا يزيد عدد الأسر المالكة لسيارة خاصة في الحضر فيها عن 9% (طبقاً لكتاب Understanding Cairo لديفيد سيمز). أما عن تلوث الهواء فالنظام يقتلنا بشكل أبطأ بأمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي وسرطان الرئة. تشير تحقيقات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن متوسط التركيز السنوي للجسيمات الدقيقة PM 2.5 يصل إلى بين 16 و29 ضعف التوصيات العالمية.

تروج الدولة في التزاماتها لتغير المناخ لمشاريع الطرق أنها صديقة للبيئة بحساب أنها تقلل الازدحام. ولكن زيادة الطرق لا تحل مشكلة الازدحام بل يحلها تحسين المواصلات العامة وتخطيط المدن لخدمتها. زيادة الطرق تشجع السيارات الخاصة والتي تزيد بدورها الازدحام في دائرة مفرغة. فالسيارات الخاصة تأخذ مساحة أكبر لكل شخص على الطريق سواء أثناء سيرها أو ركنها. بدلا من تحسين المواصلات العامة بزيادة راحتها وزمن تقاطرها والاعتماد عليها. ولا يبرهن على ذلك أبحاث التخطيط الحضري فقط ولكن رجال النظام أنفسهم. في مقابلة عام 2014 قبل الانفجار في مشاريع الطرق أشار الدكتور أسامة عقيل، مخطط العديد من هذه المشاريع، إلى نفس هذه القاعدة في علم التخطيط. وأشار إلى أن حل الازدحام يكمن في المواصلات العامة وليس في زيادة الطرق. أما بعد عمله كمخطط لهذه المشاريع يتحدث الآن عن أهمية الطرق الجديدة لاستيعاب مشاريع العاصمة الجديدة شرق القاهرة. بناء المدن الجديدة في حد ذاته يزيد الاعتمادية على السيارات الخاصة. فأي وسيلة مواصلات تستطيع تحمل المسافات الطويلة والكثافات الضئيلة في العاصمة الإدارية الجديدة ذات الطرق بعرض 15 حارة. قارن هذا بقلب المدينة حيث يسهل التنقل مشيا في أحياء تحتوي أضعاف أعداد السكان والخدمات على نفس المساحة.

لا يكترث النظام في تقييمه لجودة الطرق على حياتنا الرخيصة له. وتستمر مشاريع الطرق في قتلنا كل يوم. وتغير الطرق شكل مدننا وطرق حياتنا. يساهم تخطيط الطرق الواسعة في السيطرة على المدينة عسكريا، وهو هاجس السيسي منذ الثورة. فمن كان يعتصم أمام المصالح الحكومية في وسط البلد سيصعب عليه الوصول للعاصمة الجديدة. نحن نموت خدمة لمشاريع طرق السيسي، التي تربح بشكل أساسي من الإيجارات للإعلانات والمحلات والمقاهي ومحطات البنزين. نموت لتحيا Circle K!

لكن القصة ليست جديدة. يزخر تاريخ التخطيط عالميا بنضالات ضد الطرق السريعة. العديد من الحملات نشأت للاحتجاج على قتل الطبقة العاملة لخدمة المستثمرين والدولة. وأمثلة هدم الطرق السريعة والكباري وافساح الطريق للمواصلات والمشاة الذين يعتمد عليهما الأغلبية كثيرة. ونظام السيسي المعتمد على الطرق السريعة في اقتصاده وقمعه لابد أن يفزع من الغضب والاحتجاجات المتصاعدة على المقتولين على طرقه.