بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قسوة قانون الإيجارات الجديد وتجاهله لنماذج تحديد القيمة الإيجارية عالميًا

بينما أقر البرلمان المصري قانون الإيجار القديم، يواجه ملايين المستأجرين خطر فقدان منازلهم. يقترح مشروع القانون الحالي إنهاء العقود القديمة خلال سبعة سنوات للسكني وخمسة للتجاري، دون تعويض حقيقي أو بدائل سكنية ومع التحرير الكامل لسعر الإيجار ليتحكم فيه السوق. ولكن هل من العدل تحميل الأسر الفقيرة ثمن سياسات عمرها عقود؟ وما البدائل الأقل قسوة؟

نموذج ألمانيا: إعادة شراء المساكن
في السنوات الأخيرة، قامت الحكومات المحلية الألمانية بخطوات كبيرة لإعادة شراء المساكن التي تم خصخصتها سابقًا، بهدف ضمان استدامة الإيجارات الميسرة للمواطنين. كان من أوائل الأمثلة إعادة شراء تاريخية في برلين عام 2019 حيث اشترت شركة السكن الحكومية Gewobag حوالي 5,964 شقة من شركة ADO Properties الخاصة مقابل 920 مليون يورو. كانت هذه الشقق قد خُصخصت في أوائل الألفينات. ومع تصاعد الإيجارات، تدخلت الحكومة. كان متوسط الإيجار في هذه الوحدات 5.10 يورو/م²، بينما ارتفعت الإيجارات السوقية في المناطق ذاتها (شباندو، راينيكن دورف) إلى أكثر من 7 يورو/م². كمثال آخر عام 2024 اشترت شركة Howoge الحكومية 4,500 شقة من Vonovia الخاصة مقابل 700 مليون يورو. وكان متوسط الإيجار في الشقق التي تم شراؤها بلغ 7.04 يورو/م². وفي المقابل، بلغت الإيجارات المعروضة في برلين نحو 16 يورو/م².

تضغط الحملات الشعبية في اتجاه المزيد من هذه الصفقات. لعل أشهرها حملة تأميم شركة دويتشه فونين (2021–2023). بعد الاستفتاء الذي جرى في برلين عام 2021، حيث أيد 59.1٪ من الناخبين مصادرة أملاك شركات الإيجار الكبرى، بدأت مفاوضات سياسية أدت إلى صفقات شراء إضافية. في عام 2021، اشترت شركات الإسكان الحكومية في برلين (Howoge، Degewo، Gesobau) ما مجموعه 14,750 شقة من Deutsche Wohnen وVonovia مقابل 2.46 مليار يورو—أي بمعدل 166,779 يورو للشقة. العديد من هذه الوحدات كانت بإيجارات أقل من 7 يورو/م²، في حين ارتفعت الإيجارات السوقية إلى 14–16 يورو/م².
في كل هذه الحالات، لم تقم الدولة الألمانية بإلغاء العقود أو طرد الملاك. بل استخدمت الأموال العامة لتعويضهم، ولتحويل هذه الوحدات إلى ملكية عامة، وضبط أسعار الإيجار. وهذا يعكس الرؤية حتى في ظل الاقتصاد النيوليبرالي التي تعتبر السكن سلعة وفي الوقت نفسه مرفقًا عامًا.

نموذج كوريا – ربط الإيجار بالأجر
في كوريا، هناك ثلاثة أنظمة للإيجار. في النظام الأول، الذي يمثل 23٪ من المساكن الكورية، تكون مدة العقد سنتين ويتم تجديده تلقائيًا بعد سنتين بزيادة 5٪ لمدة سنتين أخريين كالتزام قانوني، أو يتم تمديده مدى الحياة باتفاق متبادل مع زيادة 5٪ كل سنتين. وينطبق هذا على المستأجرين العاديين، سواء كانوا كوريين أو أجانب، الذين يتقاضون راتباً أعلى من الحد الأدنى للأجور البالغ 2 مليون وان، والذي يُفرض على جميع الشركات الخاصة والعامة. يتم دفع وديعة للتأمين من أول 2 مليون وان دون حد أقصى، اعتماداً على موقع الشقة والمدينة والمنطقة، ولكن يتم رد هذا المبلغ بالكامل ما لم يكن هناك ضرر بالشقة، وفي هذه الحالة يتم خصمه من الوديعة وإعادته إلى المستأجر. وهذا لا يقارن بممارسة “خلو الرجل” للملاك في مصر، حيث تعادل الوديعة ربع سعر الشقة ولا يتم ردها.
بالنسبة لأولئك الذين يكسبون الحد الأدنى للأجور فقط أو الذين يتلقون معاشًا تقاعديًا، تدعمهم الدولة بمبلغ 300 ألف من أصل 700 ألف من الإيجار. أما أولئك الذين لا يحصلون على معاش تقاعدي كافٍ، أو المصابون بفيروس كوفيد-19، أو الذين حصلوا على حق اللجوء، فتدفع الدولة إيجارهم وتأمينهم الصحي الشامل في جميع المستشفيات والعيادات الحكومية والخاصة على حد سواء، وتدفع لهم أموالاً لتغطية نفقات المعيشة والغذاء والملابس، بالإضافة إلى خصم يصل إلى 70٪ على فواتير المياه والغاز والكهرباء.

النظام الثاني مخصص للأثرياء أو الطبقة المتوسطة العليا ويسمى ”Jonseng“. يتضمن دفعة أولى كبيرة تعادل 50 مليون أو 100 مليون، على سبيل المثال، ولا يتم دفع إيجار شهري. ثم، بعد انتهاء العقد كل سنتين وتجديده، يجب على المستأجر دفع زيادة بنسبة 5٪ على التأمين. يستفيد المالك من ذلك، ويتم إرجاع نسبة 5٪ كل سنتين مع باقي مبلغ التأمين، أو عندما يتفق المالكون، بعد 4 أو 10 أو 50 عامًا، على سبيل المثال، يتم إرجاع المال بالكامل إلى المستأجر، بما في ذلك الزيادة بنسبة 5٪ كل سنتين بالنسبة لأولئك الذين يسألون عن الفائدة التي تعود على المالك، يمكنه إما إيداع المال في البنك وكسب فائدة، أو جمع هذا المبلغ واستخدامه لشراء أسهم أو عقارات أو أي عمل تجاري، وبعد انتهاء فترة العقد المتفق عليها، سيكون لديه أرباح أكبر من الإيجار.

النظام الثالث، الخاص بالشباب، هو الحصول على قرض ميسر من البنوك التي ترعاها الدولة لمدة تتراوح بين 30 و50 عامًا لشراء شقة، مع دفع قسط فائدة شهري لا يتجاوز 200 ألف، وهو ما يعادل 10٪. هذا يبلغ 2 مليون فقط، وهو الحد الأدنى للأجور وأدنى راتب يعيش عليه العمال الفقراء، سواء كانوا أجانب أو مواطنين كوريين. ويزداد كل عام من خلال المناقشات بين الحكومة ورجال الأعمال والنقابات العمالية. وهو راتب لـ 8 ساعات فقط في اليوم، 5 أيام في الأسبوع.

لذلك، يجب أخذ الأجور والحقوق في الاعتبار عند مقارنة أسعار الشقق والإيجارات في مصر مع البلدان الأخرى حول العالم. فالأجور ليست هي نفسها، والحقوق لا تحظى بنفس القدر من الحماية، والقوانين التي تحمي الحقوق ليست متناسبة. كل هذا في إطار رأسمالي يحمي الملكية الخاصة ولكنه أقل قسوة من قانون الإيجار الجديد. لا يفوت النظام المصري أي فرصة لتسليع الإسكان وحرمان المواطنين منه كخدمة عامة.

نموذج فيينا – تدخل المدينة في الإيجار الخاص والاجتماعي
تتميز المدينة بقلة أسعار إيجارها الملحوظ عن عواصم أوروبية أخرى مماثلة في الأجور. حيث يعيش أغلب سكان مدينة فيينا في مساكن مؤجرة، أكثر من نصفها في إسكان اجتماعي مملوك من المدينة أو تعاونيات، ما يحدد قيمة الإيجار على مستوى أرخص من السوق. وتفرض المدينة أيضا حدود للقيمة الإيجارية على الإيجارات الخاصة وفي المقابل تقوم باستمرار بترميم وتجديد العقارات القديمة. وحتى وقت قريب كانت كل عقود الإيجار غير محدودة المدة ويمكن توريثها. ثم أتيحت الإيجارات لمدة ثلاث سنوات بشرط تقليل قيمة الإيجار 20%. كما يوجد في المدينة عقوداً للإيجار القديم مطبق عليها حد أعلى للإيجار لعقود مدى الحياة ويمكن توريثها للأولاد أو الإخوة. ورغم وقف العمل بهذا النظام في التسعينات إلا أنه لم يُطرد المستأجرون ولم تُحرر قيمة إيجارهم كلية: وكذلك في الولايات المتحدة حيث طُبق نظام تثبيت القيمة الإيجارية، لم يتم طرد مستأجري الإيجار القديم وإلغاء عقودهم.

تحديد القيمة الإيجارية منتشر لحماية المستأجرين والأغرب هو تحرير القيمة بشكل تام وإنهاء عقود السكن بشكل جماعي وقريب كما ينظم القانون الجائر الحالي. قد نشهد الفترة القادمة بعد ما أقر القانون العديد من النزاعات بين المالكين والمستأجرين والإخلائات والقضايا. وقد نشهد حالات إفقار وتشريد للمستأجرين غير القادرين على الحصول على سكن. ولابد أن نستعد لدعم نضالاتهم والتضامن معهم.

لا لقانون طرد المستأجرين