الإيجار القديم: من أزمة سكن إلى معركة طبقية

منذ أكثر من نصف قرن ظل قانون الإيجار القديم أحد أعمدة الحياة اليومية لملايين المصريين، حيث وفر لهم الحد الأدنى من الأمان السكني في مواجهة جشع السوق العقاري. لكن مع القانون الجديد رقم 164 لسنة 2025، تنقلب المعادلة رأسًا على عقب، إذ يُعاد إنتاج الأزمة نفسها ولكن في ثوب أكثر قسوة، تحت ذريعة “التوازن” بين المالك والمستأجر.
الحكومة أعلنت أن المستأجرين أمامهم مهلة ثلاثة أشهر فقط – من أكتوبر حتى ديسمبر 2025 – للتقديم على ما تسميه “البدائل”، عبر المنصة الإلكترونية أو مكاتب البريد. هذه البدائل تتراوح بين الإيجار التمليكي أو الشراء بالتقسيط عبر التمويل العقاري. لكن هذه ليست حلولًا بقدر ما هي آليات جديدة لإخضاع الناس لمنطق السوق. فمن يعجز عن التقديم أو لا تتوافر له الأوراق أو لا يقبل الشروط سيجد نفسه مهددًا بالطرد بعد انتهاء الفترة الانتقالية.
الوعود الرسمية تقول: “لن نترك أحدًا في الشارع”. لكن كيف يمكن لأسرة دخلها خمسة آلاف جنيه شهريًا أن تتحمل قسطًا يقارب أربعة آلاف؟ وكيف يمكن لعجوز عاش أربعين عامًا في شقة إيجار قديم أن يدخل فجأة في دوامة التمويل العقاري، بإجراءاته المعقدة وشروطه القاسية؟ هنا يظهر التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي. المسألة ليست في وجود بدائل على الورق، بل في مدى القدرة على تحمّل تكلفتها.
الأمر يتجاوز ذلك، إذ اعتمد وزير الإسكان أسعار الوحدات السكنية البديلة لتتراوح بين سبعة آلاف وخمسة وعشرين ألف جنيه للمتر، وفق المدينة والموقع. وبناءً على ذلك تبدأ أسعار الشقق في مشروعات مثل “أهالينا 3” و”أهالينا 4” من 1.65 مليون إلى 2.25 مليون جنيه. هذه الأرقام تعني ببساطة أن البدائل المقترحة خارج نطاق قدرة الغالبية الساحقة من المصريين. ما يحدث هو تحميل الفقراء عبء أزمة لم يصنعوها، بينما تجني طبقة ضيقة من الملاك والمستثمرين أرباحًا جديدة.
وحتى هذه البدائل التي تدّعي الدولة توفيرها تظل مشكوكًا فيها. فهل تستطيع الحكومة بالفعل أن توفر 1.4 مليون وحدة سكنية للمتضررين من القانون، في حين أن إجمالي ما أنجزته من وحدات منذ 2013 لا يتجاوز 1.3 مليون، منها 300 ألف وحدة هادفة للربح؟ بل إن ما طُرح حتى الآن لا يزيد عن 238 ألف وحدة موزعة على محافظات عدة. هذه الأرقام تكشف أن الحديث عن “توفير بدائل” لكل المتضررين أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.
الجانب الأخطر أن القانون الجديد يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمسكن وفق منطق السوق فقط. فالبيت لم يعد حقًا اجتماعيًا بل سلعة، من يستطيع أن يدفع يملك، ومن لا يملك يُطرد. وهو ما يعني أن مئات الآلاف من الأسر ستجد نفسها على الهامش، بلا حماية ولا ضمان. من منظور ماركسي، هذه ليست مجرد أزمة إدارية أو قانونية، بل حلقة جديدة في الصراع الطبقي: الملاك والبرجوازية العقارية في كفة، والجماهير الشعبية في كفة أخرى.
المدينة نفسها تتحول إلى انعكاس لهذا الصراع. الأحياء القديمة التي سكنتها الطبقات الشعبية لعقود يجري تفريغها تدريجيًا، بينما تتوسع على أطرافها مشروعات عقارية فاخرة لا يملك الفقراء حتى حق المرور بجانبها. منطق “التطوير” و “التنظيم” يخفي وراءه حقيقة أوضح: إزاحة الفقراء لصالح رأس المال، وإعادة تشكيل الفضاء العمراني بما يخدم الأقلية المالكة.
القانون يستند إلى حكم المحكمة الدستورية العليا الذي قضى بعدم دستورية تثبيت الإيجارات. لكن استخدام هذا الحكم لإطلاق يد السوق يطرح سؤالًا جوهريًا: هل القضاء أنصف المالك بالفعل أم أنه مهّد لطرد المستأجرين؟ النصوص تبدو متوازنة، لكن في التطبيق يتحول التوازن إلى انحياز صريح. البنود التي تسمح بالإخلاء المبكر إذا كان لدى المستأجر وحدة أخرى أو إذا ترك العقار فارغًا، ستصبح في الواقع ذريعة للتخلص من المستأجرين بطرق ملتوية.
في مواجهة هذا كله، بدأت بعض الأحزاب اليسارية وحركات المستأجرين ترفع صوتها بالرفض، مؤكدة أن القانون يهدد أكثر من 1.6 مليون أسرة. هناك من يطالب بالتأجيل، وهناك من يدعو لإلغاء القانون برمته. ويذهب آخرون إلى المطالبة ببرنامج بديل يقوم على توسيع الإسكان الاجتماعي المدعوم بالكامل، وفرض ضرائب على أرباح الشركات العقارية، وإعادة تعريف السكن باعتباره خدمة اجتماعية لا سلعة.
الحقيقة أن أزمة السكن في مصر لن تُحل عبر ترقيعات قانونية تخضع لمنطق السوق. ماركس كتب منذ القرن التاسع عشر أن المسألة السكنية لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن الملكية الخاصة للأرض والعقار. ما لم يُطرح بديل جذري يعيد النظر في هذه الملكية، ستظل الأزمات تتكرر بأشكال مختلفة.
الحل يكمن في سياسات يسارية واضحة: تأميم الأراضي غير المستغلة والوحدات المغلقة، فرض ضرائب تصاعدية على الثروة العقارية، توجيه موارد الدولة لبناء مساكن شعبية حقيقية، وإلزام كبار الملاك بتخصيص نسبة من وحداتهم للإيجار الاجتماعي. بل وأكثر من ذلك، يحتاج ساكنو الإيجارات القديمة إلى تنظيم أنفسهم، مثلما تنظم الجماهير نفسها في العالم كله ضد هجمات الليبرالية المتوحشة، للمقاومة، في أشكال تنظيمية مختلفة مثل المجالس الشعبية للسكن، وروابط المستأجرين،في كل شارع وحي ومحافظة التي تدافع عن حقهم وتضغط على الدولة لإجبارها على احترام هذا الحق، فالاعتماد على الطعون التي ستقدم للمحكمة الدستورية وهم اخر، فالقضاء بات كما نعرف جميعا تابعا للسلطة السياسية وينفذ أوامرها، بل أن القانون ذاته لم يصدر الا بعد حكم للمحكمة الدستورية عام 2024 يفتح الطريق لتعديل القانون، بعد أن عبر السيسي عام 2023 عن رغبته في تحرير الشقق من ساكنيها.
ورغم التدخلات الفجة في الانتخابات التشريعية، وغياب إجراءات النزاهة والشفافية فلا يجب ان نقف متفرجين على السلطة وهي تعد البرلمان على مقاسها، بل يجب الالتفاف حول المرشحين لمجلس النواب المعارضين لقانون الإيجارات والعمل على اسقاط المرشحين الداعمين للقانون.
القانون رقم 164 لسنة 2025 إذن ليس نهاية أزمة الإيجار القديم، بل بداية فصل جديد أكثر قسوة. هو ليس إصلاحًا، بل إعادة إنتاج للأزمة نفسها: ديون، أقساط، إخلاءات، وتفريغ للأحياء من سكانها. أما الحديث عن “التوازن بين المالك والمستأجر” فليس إلا غطاءً لغرض أعمق: إطلاق يد رأس المال في التحكم بالمجال العمراني.
السكن ليس سلعة، بل حق أساسي من حقوق الإنسان. وكل قانون لا ينطلق من هذه الحقيقة، لن يكون سوى أداة جديدة لتعميق الاستغلال وتعزيز سلطة الطبقة المالكة. إن الدفاع عن هذا الحق لا ينفصل عن النضال ضد مجمل النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي حوّل المدينة إلى سوق، وحوّل البشر إلى مستهلكين، وحوّل البيت – مأوى الحياة – إلى مجرد فرصة للربح.
الشقق لساكنيها
تسقط تعديلات قانون الإيجارات القديمة





