"الزهرية" بالزمالك أحدث فصولها:
النظام يواصل التجريف الممنهج للمساحات الخضراء.. فلندافع عن حق الجماهير في حدائق يتنفسون فيها دون تفرقة

في السنوات الأخيرة، تتعرض العديد من الحدائق العامة والتاريخية في مصر إلى موجة متسارعة من «التطوير» الذي يثير جدلاً واسعًا بين مؤيديه ومعارضيه. فبينما ترى الجهات الرسمية أن هذه المشروعات تهدف إلى «تحديث المظهر الحضاري»، يرى آخرون أنها عملية تجريف ممنهجة للمساحات الخضراء والذاكرة العمرانية، واستبدال للحق العام بالمنفعة الاستثمارية.
أحدث حلقات هذا الجدل تدور حول حديقة الزهرية بالزمالك، إحدى أقدم الحدائق التراثية في القاهرة، التي تعود إلى القرن التاسع عشر في عهد الخديوي إسماعيل، وكانت جزءًا من مشروعه لتجميل العاصمة في امتداداتها الجديدة واستقدام الخبرات البستانية الأوروبية. اليوم تتزامن مشاريع النهر الأخضر والحدائق المسلعة في المجتمعات المسورة مع تدمير الحدائق العامة التي يسهل دخولها لأغلبية الناس.
وفقًا لتقارير صحفية منشورة في موقع باب مصر (babmsr.com)، يجري العمل حاليًا على مشروع لتطوير حديقة الزهرية عبر إنشاء مرافق ترفيهية جديدة ومسارات للمشي وإضاءة ليلية ومطاعم ومناطق تجارية.
غير أن هذه التعديلات تثير مخاوف واسعة من أن تؤدي إلى تدمير الطابع التاريخي والبيئي للحديقة، التي تحتوي على أشجار عمرها أكثر من مئة عام، بحسب الشرق الأوسط (aawsat.com).
الحديقة التي كانت تُعدّ متنفسًا طبيعيًا لأهالي القاهرة والزائرين أصبحت اليوم مهددة بفقدان وظيفتها الأصلية كمكان عام مفتوح للجميع. فما يُسمّى بالتطوير قد يعني في الواقع خصخصة تدريجية للفضاء العام، حيث يُعاد تصميم المكان ليخدم فئة محددة من الزوار القادرين على الدفع، لا عموم المواطنين. تخدم الدولة استثماراتها على حساب أماكن للسكان للتنفس وللأطفال للعب.
بحسب تقرير لموقع المنصة (manassa.news)، فإن مشروع الزهرية يخالف مواد الدستور المصري (45 و46 و50) التي تلزم الدولة بالحفاظ على المساحات الخضراء والتراث البيئي والثقافي. كما لم يُعلن عن إجراء تقييم أثر بيئي واضح قبل البدء في التنفيذ، رغم أن هذا الإجراء إلزامي وفقًا للمعايير البيئية الدولية.
هذا النمط من «التطوير» ليس جديدًا. فقد شهدت مصر خلال الأعوام الأخيرة إزالة أجزاء من حدائق تاريخية في القاهرة مثل الأزبكية وأم كلثوم بالمنيل والجيزة النباتية (الأورمان) وحديقة الحيوان، وكلها كانت تمثل ذاكرة عمرانية وبيئية للقاهرة. حديقة أم كلثوم بالمنيل التي طالما وفرت مساحة لعائلات مرضى القصر العيني القادمين من المحافظات تم إغلاقها وإزالتها تماماً لإنشاء “مدينة طبية.” وفي الاسكندرية تكررت قصة التدمير، مع تجريف الأشجار في حدائق أنطونيادس والمنتزه وتحويل حديقة الخالدين إلى مقاه ومحال ومطاعم استغلالًا لموقعها على البحر.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الحد الأدنى الموصى به من المساحات الخضراء هو تسعة أمتار مربعة للفرد، بينما تعاني القاهرة من أقل من مترين للفرد بحسب تقديرات محلية. هذا يعني أن أي تقليص في الحدائق العامة هو تدهور مباشر في جودة الحياة الحضرية.
يعبّر كثير من سكان الزمالك والمهتمين بالتراث عبر منصات التواصل الاجتماعي عن مخاوفهم من أن تتحول الحديقة إلى «منتج استثماري» لا يعبّر عن طبيعتها الأصلية. العريضة التي أُطلقت عبر موقع Change.org طالبت الحكومة بإيقاف المشروع وإشراك المجتمع المدني في أي خطط تطوير مستقبلية، مؤكدة أن الزهرية ليست مجرد أرض، بل «تاريخ، وهواء، وذاكرة حيّة».
الحدائق العامة ليست رفاهية، بل ضرورة بيئية واجتماعية. هي المكان الوحيد الذي يمكن فيه للناس أن يتنفسوا خارج ضغط المدينة، أن يلتقوا من دون حواجز طبقية أو اقتصادية. عندما تتحول هذه المساحات إلى استثمارات مغلقة أو مواقع تجارية، فإننا نفقد شيئًا أكبر من الأشجار: نفقد الحق في المدينة.
ليس هناك من يعارض مبدأ التطوير في حد ذاته، فصيانة الحدائق وتحديثها ضرورة حقيقية. لكن التطوير يجب أن يعني تحسين الخدمة العامة، لا تحويلها إلى مشروع ربحي. التحدي اليوم هو إيجاد توازن بين تنمية المدينة والحفاظ على وظيفتها الاجتماعية.
فالقاهرة ليست بحاجة إلى مزيد من الكافيهات والمطاعم داخل حدائقها، بقدر ما تحتاج إلى مساحات خضراء آمنة ومفتوحة ومجانية.
قضية حديقة الزهرية تكشف عن معضلة أوسع تواجه المدن المصرية: كيف نحافظ على الفضاءات العامة في وجه موجة الخصخصة والعمران التجاري؟ إن الدفاع عن الحدائق ليس دفاعًا عن أشجار فقط، بل عن حق الناس في أن يعيشوا في مدن عادلة، يتنفسون فيها، ويتشاركون المكان من دون تفرقة.





