بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عبدالرحيم علي يتجاهل “حد السيسي للأجور”.. والإدارة الذاتية هي الحل

بدا العجز في احتواء النظام أزماته واضحا في عدم قدرته على إجبار صبيانه على تنفيذ تعليماته بتطبيق الحد الأدنى للأجور، الذي قرره رأس النظام عبدالفتاح السيسي، والذي يبدأ ب7000 جنيها ليصل إلى 13500 جنيها، حسب الدرجة الوظيفية، وهو الأمر الذي شاهدناه في أزمة صحفيي البوابة نيوز، الذي يمتلكها ويرأس مجلس إدارتها الصحفي المقرب من وزارة الداخلية عبدالرحيم علي، قبل أن يستقيل من مجلس الإدارة، بعد اعتصام الصحفيين، تهربا من مسئولياته.

علي الذي هرب من المسئولية تعمد ضرب الحائط بتعليمات السيسي، أو استغل قربه من السلطة في مصر، لا يهم فالنتيجة واحدة ولن يخرج السبب عن أي من الاحتمالين، جاء رده على استغاثة الصحفيين، في بيان لهم، بالسيسي شخصيا، بإعلانه اعتزامه تصفية المؤسسة نهائيا، معتمدا على دعاية هشة من عدد من الصحفيين الموالين له والمقربين أيضا من وزارة الداخلية، بأن السبب في التصفية هو الاعتصام، الذي تضامنت معه نقابة الصحفيين، ومن ثم ستؤول المسئولية إلى النقابة وسيبرأ منها علي.

أمام هذه الطريقة من التخلي عن المسئوليات، والتي مارسها النظام نفسه قبل ذلك مرات عديدة في التخلي عن مسئولياته، بخطابه الدائم عن ضرورة السكوت عن الحقوق حتى يستطيع توفير الفتات، وجد الصحفيون أنفسهم أمام طرح نضالي محوري، هل يتركوا مصيرهم في يد إدارة تمارس العقاب الجماعي على صحفييها للمطالبة بحقوقهم، أم يمدّون أيديهم، كما فعل آلاف العمال قبلهم، إلى زمام الإدارة ويعيدون تشغيل المؤسسة بأنفسهم، دفاعاً عن مستقبلهم ومستقبل الصحافة.

لا يظهر خيار الإدارة الذاتية كفكرة حالمة، بل كأداة نضالية مجرّبة في تاريخ النضال العمالي، وكإمكانية واقعية حين يتحول العاملين من موضوع للتسريح إلى قوة فاعلة تحفظ مؤسستهم، فقد أنتجت الحركة العمالية خبرتها عن الإدارة الذاتية في الماضي، وآن الأوان لإحياء الصحفيين لها في مواجهة إدارات الصحف المتعنتة.

الأزمة الحقيقية ليست في الموارد، بل في من يمتلك الحق في اتخاذ القرار، والواقع أن العاملين، لا الإدارة، هم الذين يصنعون العمل اليومي ويمسكون التفاصيل الفنية والتحريرية. وفي اللحظة التي تنهار فيها القيادة، يصبح العاملين القوة الوحيدة القادرة على حماية المؤسسة، باعتبارهم منتجين يملكون المعرفة والقدرة.

في مطلع الألفية، قدّم عمال مصنع المصابيح الكهربائية بالعاشر من رمضان نموذجًا مبكرًا للإدارة الذاتية، فصاحب المصنع هو رجل الأعمال رامي لكح، استولى على قروض بنكية قُدِّرت بنحو 132 مليون جنيه بضمان المصنع، ثم قرر الهروب للخارج، تاركًا المصنع متوقفًا عن العمل ومئات العمال بلا أجور ولا تأمينات ولا أفق.

بعد عامين تقريبًا من التوقف، قرر العمال ألا ينتظروا “عودة البيه” أو رحمة الحكومة. انتخبوا من بينهم لجنة تشغيل، من عمال ومهندسين وقيادات نقابية، وقرّروا أن يتعاملوا مع الـ55 ألف جنيه التي حصلوا عليها كـ”رشوة تهدئة” من الدولة ليس كبدل بطالة قصير المدى، بل كرأسمال أولي لشراء خامات وتشغيل الماكينات. وبالفعل أعادوا تشغيل خطوط الإنتاج، وأثبتوا عمليًا أن العمال قادرون على إدارة المصنع وتحقيق أرباح، وأن المصنع الذي كان مهددًا بالتحول إلى مجرد “ثروة عقارية” يمكن أن يظل مصنعًا حيًّا يعيل مئات الأسر.

لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. حاولت هيئة التأمينات ومكتب تأمينات العاشر تحميل صالح نسيم، رئيس اللجنة النقابية، مسؤولية ديون التأمينات التي راكمها لكح، ورفعت ضده قضية بتهمة «تبديد اشتراكات العمال»، ليصدر ضده حكم أول درجة بالحبس ثلاث سنوات مع الشغل، في محاولة واضحة لتحويل العامل الممثل لزملائه إلى كبش فداء بديل عن رجل الأعمال الهارب. و بعد حملة تضامن واسعة انتزع العمال حكم البراءة، وأثبت العمال أنهم قادرون على الإدارة والإنتاج حين ينسحب الرأسمالي، وأن المصنع الذي أرادوه جثة تحوّل إلى سلاح ضغط أجبر الدولة على التراجع عن التصفية.

أيضا تجربة عمال طنطا للكتان والزيوت التي لم تصل لإدارة ذاتية كاملة، لكنها كانت نموذج ممتاز لكيفية تحول اللجنة العمالية إلى عقل جماعي للمؤسسة، ففي 2009 قاد العمال إضراباً طويلاً بسبب تأخر الرواتب، تراجع ظروف العمل، وإهمال الإدارة المقصود. لم يكتفوا العمال بالاحتجاج، بل بدأوا في بناء لجنة عمالية تتابع الإنتاج والمخزون وطبيعة التشغيل، وتقدمت برؤية بديلة تستعيد الشركة من الانهيار، وبنى العمال لجنة تمثلهم، أحصوا المخزون، تابعوا التشغيل، وقدموا رؤية مكتوبة لتطوير الشركة وإنقاذها من التجريف.

بيعت الشركة في عهد مبارك بثمن بخس لمستثمر سعودي، وبعد معارك طويلة في المحاكم حصل العمال على أحكام نهائية بعودة المصنع إلى القطاع العام وعودتهم إلى أعمالهم، لكن الحكومات المتعاقبة تجاهلت الأحكام، فلجأ العمال إلى سلاحهم الأقوى وهو الاعتصام.

في يناير 2014، وباعتصام ليلي واحد في مقر الاتحاد العام لعمال مصر، أجبروا الحكومة على ضخ أموال لتشغيل المصنع وعودة العمال، لكن التنفيذ ظل ناقصًا.

عندها أعلن العمال، صراحة، أنهم سيشغّلون المصنع بأيديهم، بعد اعتصام دام خمسة وثلاثين يومًا. رفعوا شعار «هنشغلها بإيدينا»، لا من باب التحدي الخطابي، بل لأنهم لم يعودوا يثقون في وعود الدولة. أرادوا أن يحافظوا على شركتهم، على عملهم، وعلى معنى الكرامة في مواجهة نظام لا يرى في المصانع سوى أراضٍ للبيع.

هذه معركة بين نمطين للإنتاج: نمط الخصخصة ونهب القطاع العام وتشريد العمال، ونمط المشاركة العمالية في الإدارة والدفاع عن المصانع كملكية اجتماعية. في مواجهة دولة تستند إلى قوانين الإرهاب والتظاهر وتجريم الإضراب ودستور منحاز لرجال الأعمال، طرح العمال نموذجًا آخر يقوم على المشاركة والرقابة الجماعية والحق في العمل.

أدرك العمال انهم أصحاب المصلحة الأولى، وأن المؤسسة ليست “ملكية خاصة”، بل تجمع بشري ينتج ثروة. هذه التجربة تكسر أسطورة أن الإدارة وظيفة فوقية لا يمكن لغير المتنفذين القيام بها. كان ذلك فعلاً تنظيمياً وجماعياً يؤكد أن الإدارة عملية اجتماعية يمكن أن يتحول فيها العاملين إلى أصحاب القرار و المصلحه الاولى. وهذا الجوهر هو ما يجعل تجربة طنطا جزءاً من تاريخ الإدارة الذاتية وإن لم تُعلَن باسمها.

هذه التجارب ليست سوى انعكاس لما هو أقرب إلى منطق الحياة، فالعاملون هم الذين يشغّلون المؤسسات، والمالكون لا يملكون إلا القرار السياسي بالإغلاق.

الصحفيون ليسوا حالة شاذة، غرفة الأخبار ليست مصنعاً ميكانيكياً، لكنها مصنع من نوع مختلف، يتمثل في إنتاج يومي، خطوط تحرير، توزيع، جمهور، موارد، وإدارة مالية. ومن يكتب ويحرّر ويخطط ويتابع العمل هم الصحفيون، تماماً كما يعمل العمال على خطوط الإنتاج في المصانع. الصحيفة ليست ملكاً مجرداً، بل منظومة ينتجها مئات البشر. لذلك، حين تنسحب الإدارة أو تهدّد بالإغلاق، لا يعني ذلك أن المؤسسة لم تعد قابلة للحياة، بل يعني فقط أن المالك قرر التضحية بها لأسباب تخصه، لا تخص العاملين ولا تخص الجمهور.

الإدارة الذاتية في السياق الصحفي تحمل وجهاً إضافياً من المعنى. فهي ليست مجرد حماية للعمل وللرواتب، بل حماية لمهنة تُنتج معرفة وتؤثر في الوعي العام. ما الذي يعنيه أن تصبح الصحيفة ملكاً للعاملين فيها؟ يعني ببساطة استقلالاً حقيقياً عن رأس المال، لا استقلالاً مزعوماً. يعني أن الخط التحريري يصبح نتاج نقاش جماعي لا إملاءات فوقية. ويعني أن الصحافة نفسها تتحرر من كونها أداة سلطة إلى كونها خدمة عامة. في عالم تتعرض فيه الصحف للإغلاق، السيطرة، الإفساد الإعلامي، أو الابتلاع السياسي، تصبح الإدارة الذاتية مشروعاً لإنقاذ الصحافة من الموت البطيء.

مؤكد ان الطريق مليئ بالعواقب. هناك العقبات القانونية، الضغوط الأمنية، حملات التشويه الإعلامي، تعقيدات التمويل، الخوف من المجهول، وانقسام العاملين أحياناً. ومع ذلك، فإن التجارب السابقة تنقل رسالة واضحة: العقبات ليست قدراً، بل أدوات قمع يمكن تجاوزها بالتنظيم. حين تولى عمال المصابيح إدارة المصنع، لم يكن لديهم سند قانوني أو دعم حكومي، بل كان سندهم هو وحدتهم وتنظيمهم الداخلي. حين واجه عمال طنطا الإدارة الفاسدة، صنعوا لجانهم، وخلقوا قيادة عمالية منتخبة، وحولوا الغضب إلى برنامج عمل.

ما يواجهه صحفيو البوابة نيوز اليوم ليس أكثر سوءاً من تلك التجارب. ولا أقل صعوبة. لكنه قابل للتحول إلى نموذج جديد. يمكن للعاملين في البوابة نيوز أن يصوغوا خطتهم، أن يبنوا لجنة عامة تمثل الجميع، أن يجمعوا المعلومات المالية والإدارية، أن يقدموا خطة تشغيل تعتمد على تمويل جماعي أو اشتراكات القراء أو دعم نقابي، وأن يستفيدوا من خبراتهم المهنية الطويلة في تنظيم العمل التحريري والفني. يمكن أن تتحول الصحيفة من ملكية خاصة إلى ملكية جماعية، من مشروع تجاري إلى مشروع اجتماعي، من مؤسسة مهددة بالانهيار إلى نموذج ديمقراطي في الصحافة المستقلة.

التاريخ يعلمنا أن العاملين هم خط الدفاع عن مؤسساتهم. والآن، يقف صحفيو البوابة أمام السؤال نفسه الذي واجهه عمال المصابيح وعمال طنطا وعمال العشرات من المصانع: هل ننتظر مصيراً يُقرَّر لنا من فوق؟ أم نصنع مصيرنا من أسفل؟ إذا كانت الطبقة العاملة في مصر قد أثبتت، مرة بعد مرة، قدرتها على الإدارة والتنظيم والصمود، فهل يعجز الصحفيون وهم من أكثر الفئات وعياً وتنظيماً وقدرة على إنتاج المعرفة عن أن يفعلوا الشيء نفسه؟.