ماذا فعلت "إيجيبت" بمصر؟
الفقراء يتحولون إلى موديلز في محلات الأثرياء الجدد

تابعنا افتتاح مشروع 6901 الترفيهي في وسط البلد، والجدل الواسع الذي أثاره. لم يكن الجدل بسبب مطعم سندوتشات أو محل ملابس، بل بسبب فجاجة الفكرة ووضوحها: محل مصمَّم ليحاكي الشارع لمن لا يحتك به، يستعير شكليات من يوميات المصريين خارج جدرانه، دون أي تفاعل مع من يعيشون هذا الشارع فعلًا. نسخة معقّمة من مصر، تُقدَّم كخبرة “مستوردة” داخل بلدها.
الجزء الأكثر فجاجة في التصميم كان استعارة شخصية “المكوجي” من الشارع، وتصميم فاترينة له عليها يافطة تعريفية من كلمة واحدة “مكوجي”. رغم تأكيد المكان على ورق التغليف بأن “جميع الحقوق محفوظة لأهل كايرو”، يبقى السؤال: من هم “أهل كايرو” المقصودون؟ وهل حقّهم محفوظ حقًا؟
انت موضة هناك
في حلقة من بودكاست اشتري مني مع مغني الراب أحمد بحر (كزبرة)، يحكي كزبرة عن أبناء جيله ممن يتطلعون لشغلانة كويسة أو حياة أفضل لكن لا يرون بداية الطريق. يمزح كزبره مع مقدمين البودكاست قائلاً “أنا باقول لهم انت لو نزلت زايد هتاكل الشهد… انت موضة هناك. انت دلوقتي بقيت موضة”.
زايد من المدن التي يسكنها الأغنياء حول القاهرة وتلقب أحيانًا بايجيبت. أهل ايجيبت هم من خرجوا من القاهرة ليختبئوا وراء أسوار الكومباوند معزولين عن أهل مصر، يمرون في سياراتهم فوق القاهرة على الكباري والطرق الدائرية المحاطة بأسوار تخفي ورائها باقي المصريين. جيل كامل يتعلّم في مدارس بلغات هجينة، عامية جديدة فقيرة، مضطرة لسيطرة الإنجليزية على كل جملة. ويبدو انعكاس ذلك واضحاً في تصميم 6901 فمحل السندوتشات اسمه محل سندوتشات، والمكوجي اسمه مكوجي. تبسيط يناسب رسوم كتاب العربي في الصف الأول.
الانسحاق الكامل أمام الاغنى والاقوى والمستعمر هذا لا يظهر في اللغة فقط، بل في الفن والسينما وعمارة المدن الجديدة التي تتكرر فيها نفس “الفيلا النموذج”. مفارقة أن هذا الانفصال يقود بعض من هجروا قلب القاهرة للبحث عن “أصل ما”، فيعودون عبر رحلات ثقافية بين مساحات مغلقة في وسط البلد، أو حفلات في أماكن تاريخية بجانب الهرم وقلعة صلاح الدين. سوق الثقافة المعلبة هذا استثمرت فيه شركات استثمار عقاري مثل شركة الإسماعيلية التي اشترت عقارات قديمة في وسط البلد لتجديدها وتغيير استخداماتها لتناسب سوق مبني على إعادة تغليف الشارع المصري للاستهلاك وبيعه لطبقة جديدة، مع تحابيش من فعاليات فنية ومهرجانات مناسبة للزائر والساكن الجديد فقط.
الإحلال العمراني الطبقي
ظاهرة الإحلال العمراني الطبقي Gentrification تحدث عندما تبدي الحكومات المصلحة الاستثمارية لأصحاب رأس المال على مصلحة الطبقة العاملة من السكان. تعرف الباحثة أمنية خليل هذه الظاهرة في مجلة السفير العربي على أنها “طرد مباشر أو غير مباشر لسكان منطقة ما، بغرض جلب طبقات أعلى لتحل محلها بسبب قدرتهم الشرائية الأعلى.” والطرد الغير مباشر هنا يحدث عندما يتغير طابع وخدمات الحي لتخدم طبقة أخرى غير سكانه القدامى الأقل دخلاً. أو كما يغنيها الفلسطيني فرج سليمان في شارع يافا:
بدهم أترك الحارة ويفتحوا مطرح بيتي بار
يدهنوا كل الشارع أشقر، يخفوا ألوان السمار
مخبز عمي اتحول جاليري قال أجواءه أوثنتيك
وإن حطك رأس المال برأسه، مفيش ولا حدا يحميك
غير أن فرج سليمان وكاتب الأغنية مجد كيال يعيشون تحت احتلال صهيوني لا يرى من صاحب الأرض إلا ما يمكن مصادرته أو بيعه. أما في القاهرة، في الإحلال الطبقي الذي بدأ بشركات مصرية – مثل شركة الاسماعيلية – دعمته الحكومة التي تستعد الآن لطرد مستأجري الايجار القديم من الأحياء الأقدم في القاهرة واستبدالهم بسكان وتجار من شريحة دخل أخرى، نهاية بإعراب رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار حبه لوسط البلد ونيته للاستثمار فيها لتشبه داون تاون دبي. رأس المال هذا يعتمد على قيمة ما أنتجه أهل المنطقة عبر عقود: فنون، حركات اجتماعية، ثورات. وكلها تُمحى اليوم لصالح ثقافة جديدة تختزل المصري في صورة استشراقية مُعلَّبة.
الاستشراق والاستشراق الذاتي
تخيّل مساحة تجمع بين أقفاص وسقف عشة وسبت خوص وشكاير عطارة وقلل فخار. قد تفترض أنها سوق شعبي، لكنها كانت محتويات معرض في أسبوع القاهرة للتصميم. عناصر معيشية تُعرض كديكور معزول، على أنغام الزار وتحت أعلام عليها أمثال شعبية بلا سياق.
إن كنت من المهتمين بالفن والتصميم قد تسأل نفسك عن جدوى إعادة إنتاج نسخة باهتة من أشياء مصرية وتسويقها في وسط البلد وهي موجودة خارج المبنى بشكل طبيعي. وإن كان الهدف هو تسليط الضوء على الإبداع المحلي، فالهدف غير متحقق لأن الحدث منفصل عن الحرفيين الأصليين.
تأتي هنا فكرة “الفرجة” التي تحول المكوجي لعنصر تصميم وأدوات الحياة لمعرض. يسمي تيموثي ميتشل في كتابه استعمار مصر هذه الظاهرة بـ“التأطير”. أن تضع الحياة داخل إطار يسمح بالتحكم فيها، فصلها عن سياقها، وإعادة ترتيبها وتسويقها: شارع بلا ضوضاء، “مكوجي” بلا زبائن، هوية بلا مصريين. في فصل بعنوان (مصر في المعرض)، يروي ميتشل زيارة عبد الله فكري باشا وابنه محمد أمين فكري إلى باريس لحضور للمعرض العالم في 1889، وزيارة شارع القاهرة بالمعرض.
شارع القاهرة كان مصممه البارون دو لور وممول من ابن ديليسبس ليستعرضا للجمهور الفرنسي القاهرة كقطعة من الشرق. مشربيات وأبواب مسروقة من مصر ركبت على مباني بنيت خصيصاً للمعرض، وحرص الفرنسيين على وضع طبقة من الغبار والاتساخ عليها. يقول محمد أمين فكري في كتابه أنه كان ينظر للشارع يرى البيوت والواجهات والعمارة المصرية، فينظر للناس لا يرى فيهم مصريين إلا 50 عربجي استقدمهم البارون دو لور مع 50 حمار لتكون وسيلة التنقل في شارع القاهرة. وحين امتلئ الشارع بفوضى الحمير، حددوا لهم وقت معين لنقل الركاب حتى يظل الشارع منظماً كباقي المعرض. لذلك بقي العربجية في موقف المعرض يضربون الدف ويغنون للفرجة كجزء من العرض. خلف واجهة مسجد تحاكي جامع قايتباي، لم يكن هناك مصلى، بل مقهى يعرض راقصات وعبيدًا ودراويش كـ“تسالي شرقية”.
بقيت “مصر المعروضة” في أذهان المستشرقين كصورة مصر الوحيدة. فالكثير من لوحات المستشرقين الزيتية التي تصف القاهرة رسمت في هذا الشارع، فتجد فيها المصريين عبارة عن نسخة مصممة من خيال بارون فرنسي كلهم فيها إما جواري وعبيد إما عربجية مع حميرهم. تلك الصورة التي رسمها المستعمرين الاستشراقيين لمصر كانت مضادة للصورة البراقة العظيمة التي رسموها لأنفسهم، توجها استعراض بناء برج ايفيل الذي بني خصيصاً للمعرض. تضاد باعه لنا المستعمر لتبقى صورتنا الذاتية حبيسة تصوراته.
في هذا السياق نصبح كمصريين أشياء للاستهلاك الأوروبي والطبقي وفرجة، مثلنا مثل المباني والحرف التي صنعناها وتسوق كأشياء غريبة exotic وانتيكات. المصرية تحصر في صورة مركزية واحدة في مخيلة المستشرق، راقصة وأداة للمتعة. نرى في الاستشراق الذاتي تكرار تلك الصورة حيث تم دعوة ممثلة وراقصة مصرية لأداء دور راقصة بلدي في افتتاح 6901. ومع التقدير لفن الرقص المصري، لا يسعنا إلا أن نرى تقديم الرقصة في سياق تصميم باقي تفاصيل المشروع بطابع استشراقي ذاتي. شارع مصري في صندوق يُعاد بيعه على أنه “موضة”، “ستايل”، “تجربة مؤقتة” لا تعني بأهل البلد، ولا بظروف معيشتهم، ولا بروابط مجتمعاتهم المحلية. وعن إدّعاء الاهتمام بالثقافة المحلية، فتجميد لحظة من حياة الشارع وبيعها تحبس الثقافة المحلية في دورة من تكرار هذه اللحظة لخدمة المشتري بدلاً من أن تتحرك بشكل طبيعي … أو كما يقول كزبرة “أنا بقيت مش عارف المفروض استحمى قبل ما انزل ولا ده غلط.”





