المنتصف المريح: كيف اختارت الطبقة الوسطى الهروب من الصراع فدفعت ثمنه؟

لم تتوسع الطبقة الوسطى في مصر بعد 1952 لأنها خاضت صراعًا اجتماعيًا وانتزعت موقعها داخل علاقات الإنتاج، بل لأنها أُدرجت إدراجًا داخل مشروع دولة احتاجت إلى كتلة وسيطة تُدار بها التناقضات الطبقية ويُؤجَّل بها الانفجار الاجتماعي. صعودها لم يكن نتاج قوة مستقلة أو تنظيم ذاتي، بل نتيجة ترتيب سياسي رأى في الاستقرار هدفًا أعلى، وفي الاحتواء الاجتماعي بديلًا عن الصراع والتنظيم. هكذا نشأت طبقة مدينة للدولة بمكاسبها، ومقيّدة بشروط هذا العطاء، وعاجزة عن الدفاع عن نفسها حين قررت الدولة التراجع.
لم تكن سياسات مثل التعليم المجاني أو التوظيف العام خدمات اجتماعية محايدة، بل أدوات لإعادة تركيب المجتمع من أعلى، وضبط مسارات الصعود الاجتماعي بما لا يهدد مركز السلطة. ملايين انتقلوا من الفقر الصريح إلى أمان نسبي، واكتسبوا هوية مهنية وموقعًا وظيفيًا، لكن دون امتلاك فعلي لأدوات القوة أو تقاليد نضال جماعي. تشكّل وعي اجتماعي يرى المكاسب كمنحة لا كحق، ويستبدل الصراع بالانضباط، ويبحث دائمًا عن موقع “آمن” في المنتصف، موقع لا يصطدم مباشرة بالسلطة ولا ينحاز بوضوح إلى قوى الإنتاج.
حين انهار المشروع الاجتماعي بعد هزيمة 1967، لم تُواجَه الهزيمة اجتماعيًا. لم تتكوّن جبهة طبقية تدافع عن فكرة الاجتماع الوطني الجامع، بل جرى التعايش مع الانكسار ثم الانقلاب عليه في السبعينات. تفككت الصيغة التي جمعت العامل والفلاح والموظف والمهني داخل إطار واحد، وتحول المجتمع إلى أفراد متنافسين، كلٌّ مطالب بإدارة نجاته الخاصة. لم يكن ذلك حادثًا طارئًا أو نتيجة سوء إدارة ظرفي، بل نتيجة مسار أنهى المشروع الاجتماعي دون أن ينقل السلطة الاجتماعية إلى القوى المنتِجة، ودون أن يسمح لها بتطوير أدواتها التنظيمية المستقلة.
مع التحول النيوليبرالي، لم تُسحق الطبقة الوسطى دفعة واحدة، بل أُنهكت ببطء وبمنهجية. تآكل الأجر الحقيقي، فقدت الوظيفة استقرارها التاريخي، وتحول التعليم من أداة للترقي الاجتماعي إلى عبء طويل الأجل يُحمِّل الأفراد كلفة إعادة إنتاج أنفسهم. ومع ذلك، استمر خطاب الإنكار داخل هذه الطبقة، بوصفه آلية دفاع نفسي عن موقع اجتماعي يتآكل، ورفضًا للاعتراف بأنها باتت تبيع قوة عملها في سوق غير متكافئ، خاضع بالكامل لمنطق الربح لا لمنطق الخدمة أو المصلحة العامة.
الأخطر من التدهور المادي كان التدهور السياسي. بدل أن يُفهم هذا المسار كهجوم مباشر على شروط الوجود الطبقي، أُعيد إنتاج خطاب يبرّره ويُحيّده: الإضراب فوضى، الاعتصام ابتزاز، والتنظيم مغامرة غير محسوبة. هذا الخطاب لا يحمي الاستقرار، بل يكرّس اختلال ميزان القوى الطبقي، ويمنح الطرف الأقوى حق فرض شروطه دون مقاومة، بينما يُطلب من الطرف الأضعف التكيف والصبر بوصفهما فضيلتين.
في العقد الأخير، انتهى أي التباس. السياسات الاقتصادية أعلنت صراحة أن الحماية الاجتماعية ليست أولوية، وأن ما يُسمّى “الإصلاح” يُدار لصالح رأس المال. ومع ذلك، تصر قطاعات واسعة من المهنيين على التعامل مع الصمت بوصفه عقلانية، وكأن الامتناع عن الفعل يمنح حصانة. هذا ليس تعقّلًا، بل شلل سياسي ناتج عن نزع السياسة من المجال الاجتماعي، وتحويل الخوف الفردي إلى سلوك عام.
هنا يبرز دور النقابات المهنية بوصفه مسألة مركزية لا هامشية، لا باعتبارها إطارًا تمثيليًا رمزيًا، بل باعتبارها إحدى أدوات الصراع الاجتماعي القليلة المتبقية داخل طبقة جرى نزع قدرتها التفاوضية تدريجيًا. فمنذ 1967، ومع انغلاق المجال العام، تحولت النقابات إلى مساحات تعبير غير مباشر، ثم جرى التعامل معها لاحقًا بوصفها خطرًا يجب ضبطه لا قناة يجب تطويرها. لم يُسمح لها بأن تتحول إلى أدوات ضغط حقيقية، بل جرى حصرها في أدوار إدارية وخدمية.
ما توضحه التجربة المصرية بجلاء، خصوصًا في القطاعات الحيوية مثل الصحة، أن إضعاف النقابات لم يكن نتيجة عرضية لسوء الإدارة، بل شرطًا لازمًا لإعادة هيكلة القطاعات لصالح رأس المال. احتكار الخدمة، وتخفيض كلفة العمل، وتحويل المهنة إلى نشاط خاضع لمنطق الاستخلاص الأقصى لفائض القيمة، كلها سياسات لا يمكن تمريرها في وجود تنظيم مهني قادر على فرض شروطه. لذلك لم يكن الهجوم على الأطباء عبر الأجور فقط، بل عبر تفكيك قدرتهم الطبقية الجماعية: نقابة بلا أدوات ضغط، وبلا قدرة على تعطيل العمل، وبلا سلطة تفاوض حقيقية.
النتيجة لم تكن مجرد تدهور في شروط العمل، بل إفقارًا منظَّمًا للقطاع نفسه: هجرة واسعة، استنزاف للكفاءات، وتراجع ملموس في جودة الخدمة المقدَّمة للمجتمع. الصمت هنا لم يحمِ “هيبة المهنة”، بل سهّل إخضاعها الكامل لمنطق السوق. ما قُدِّم بوصفه إدارة عقلانية للأزمة، كان في جوهره نقلًا ممنهجًا للتكلفة من الدولة ورأس المال إلى قوة العمل، وتحميل المهنيين ثمن اختيارات لم يشاركوا في صنعها.
في السياق ذاته، تكشف خبرة النقابات المهنية عمومًا كيف جرى تفريغ التنظيم من مضمونه عبر الضبط القانوني والسياسي: تقييد الانتخابات، تحجيم الصلاحيات، وإفراغ العمل النقابي من محتواه الصراعي. تحولت النقابة إلى مزوّد خدمات بدل كونها أداة دفاع جماعي. هذا التحول لم يكن تحسينًا لوظيفة النقابة، بل تحييدًا للصراع الطبقي داخلها، وإعادة إنتاج لفكرة أن المشاكل المهنية تُحل فرديًا لا جماعيًا.
المفارقة أن هذا المسار، الذي يُبرَّر باسم الاستقرار، لم يُنتج إلا مزيدًا من نزع القوة الاجتماعية. حين تُغلق قنوات الفعل الجماعي المنظم، لا يختفي الصراع، بل يُعاد إنتاجه في صور أكثر تفككًا: انسحاب فردي، هجرة، تدهور مزمن، أو انفجارات معزولة بلا أفق. النقابة الفارغة لا تعني غياب الصراع، بل تعني أن الصراع يُدار من طرف واحد، وبشروط الطرف الأقوى.
من هنا، تصبح الانتخابات النقابية لحظة اختبار حقيقية، لا بوصفها إجراءً إداريًا، بل بوصفها إعلانًا سياسيًا ضد الشلل. ليست لأنها ستقلب ميزان القوى فورًا، بل لأنها تعيد فتح سؤال التنظيم. الامتناع عن خوض هذه المعارك الصغيرة لا يحمي من الخسارة، بل يضمنها. من يترك النقابة فارغة، يتركها لمن يستخدمها لإدارة الإفقار المنظَّم لا لمقاومته.
منذ 1967 وحتى اليوم، يتكرر الدرس نفسه: لا حماية بلا تنظيم، ولا تنظيم بلا صراع، ولا صراع بلا كلفة. محاولة القفز على هذه الحقيقة لم تُنتج سوى مزيد من إعادة إنتاج التبعية الطبقية. الفارق الوحيد هو شكل دفع الثمن: إما ثمن جماعي منظم مع أفق لتحسين الشروط، أو ثمن فردي صامت بلا معنى ولا نتيجة.
لا مهنية بلا سياسة، ولا كرامة بلا تنظيم. وفي زمن يُدار فيه الإفقار كسياسة عامة، لا خلاص فرديًا. الانحياز للنقابات، وإعادة بنائها كأدوات ضغط لا كواجهات خدمية، ليس خيارًا أخلاقيًا ولا حنينًا للماضي، بل ضرورة مادية لمن لا يملكون سوى عملهم، ويريدون الدفاع عنه في مواجهة منظومة لا تمنح شييء.





