بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الترحيل القسري المقنع للاجئين في مصر

«دقت عشر منظمات حقوقية ناقوس الخطر إزاء ما يشكّل عمليًا سياسة ترحيل مُقنَّعة تقوّض التزامات مصر الدستورية والدولية. وتدعو إلى وقف فوري لحملات التوقيف والاحتجاز والإجبار على الترحيل القسري المرتبطة بوضع الإقامة فقط، والامتناع عن أي قرارات إبعاد أو «مغادرة قسرية» بحق السوريين والسوريات وغيرهم من اللاجئين واللاجئات الذين وضعتهم الإجراءات غير العادلة في مسار غير نظامي يُعاقَبون عليه. كما تدعو المنظمات إلى وضع مسارات قانونية عادلة وواضحة لتقنين الأوضاع والاعتراف بالمستندات المؤقتة، وضمان رقابة قضائية فعّالة على أي احتجاز متصل بالهجرة واللجوء، وتمكين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من الوصول إلى جميع المحتجزين وتقديم المشورة القانونية والطعن في قرارات الترحيل قبل تنفيذها.»

كما أصدر أربعة من مقرري مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة مذكرة مشتركة أرسلوها إلى الحكومة المصرية، بشأن أوضاع المهاجرين وملتمسي اللجوء واللاجئين في مصر، أعربوا فيها عن قلق بالغ إزاء التصاعد الواسع في أنماط الاعتقال التعسفي والترحيل القسري بحقهن، وما يرافق ذلك من انتهاكات متزايدة للحماية القانونية المكفولة لهم بموجب الدستور والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها مصر. ترتكز المذكرة على معلومات تفصيلية وأرقام وإحصائيات توثق نمطًا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق اللاجئين/ات وملتمسي/ات اللجوء والمهاجرين/ات في مصر، خاصة الفارين من النزاع المسلح في السودان، بما في ذلك النساء والأطفال والأشخاص في أوضاع هشّة، والضحايا المحتملين للاتجار بالبشر.

تحتل مصر موقعًا مركزيًا في خريطة اللجوء الإقليمي، إذ تستضيف مئات الآلاف من اللاجئين وطالبي اللجوء القادمين من دول دمّرتها الحروب والصراعات والانهيارات الاقتصادية، وعلى رأسها السودان وسوريا واليمن وإريتريا. غير أن هذا الحضور الكثيف للاجئين لم يُقابَل بسياسات حماية مستدامة، بل ترافق في السنوات الأخيرة مع تصاعد ملحوظ في حالات الاحتجاز والترحيل القسري، ما يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة إدارة الدولة المصرية لملف اللجوء، وحدود التزامها بالمعايير الحقوقية، في سياق يتزايد فيه تغليب المقاربات الأمنية والاقتصادية على حساب العدالة الاجتماعية.

واقع الترحيل والاحتجاز

خلال الأعوام الأخيرة، وثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية حالات متكررة من الاحتجاز التعسفي للاجئين وطالبي اللجوء في مصر، أعقبتها في بعض الأحيان عمليات ترحيل إلى بلدان لا تزال تشهد نزاعات مسلحة أو أنماطًا ممنهجة من القمع. وتبرز على نحو خاص حالات ترحيل لاجئين سودانيين في ظل الحرب الدائرة في السودان، إلى جانب حالات شملت إريتريين وسوريين، بعضهم مسجّل بالفعل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
ففي كثير من هذه الحالات، لم يُمكَّن المحتجزون من الوصول إلى إجراءات لجوء عادلة، أو التواصل مع محامين، أو مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما يتعارض مع أبسط ضمانات المحاكمة والإجراءات الواجبة. كما أُبلغ عن احتجاز نساء وأطفال في ظروف غير إنسانية، دون مراعاة لمبدأ الفئات الأكثر هشاشة.

الإطار القانوني والالتزامات الدولية

تُعد مصر دولة طرفًا في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، مما يرتب عليها التزامًا قانونيًا واضحًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي لاجئ أو طالب لجوء إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو الخطر الجسيم.
هذا المبدأ ليس تفصيلًا قانونيًا، بل قاعدة أساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، كرّستها أيضًا اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ولا يجوز تقييده بذريعة الدخول غير النظامي أو المخاوف العامة المتعلقة بالأمن، إلا ضمن شروط ضيقة جدًا وبضمانات قضائية صارمة.

ورغم ذلك، تُظهر الممارسات على الأرض فجوة واضحة بين الالتزامات الدولية لمصر وبين السياسات المطبقة فعليًا، خصوصًا في ظل توسيع صلاحيات الترحيل وربطها باعتبارات فضفاضة مثل «الأمن القومي» دون معايير شفافة أو رقابة قضائية فعالة.

قانون اللجوء الجديد وإشكالياته الحقوقية

جاء إقرار قانون وطني ينظم شؤون اللجوء بعد سنوات من الفراغ التشريعي، لكنه في مضمونه أثار مخاوف جدية. فبدل أن يشكّل إطارًا لحماية اللاجئين، يمنح القانون السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة لتحديد من يستحق الحماية ومن يمكن ترحيله، استنادًا إلى مفاهيم عامة مثل «النظام العام» و«الأمن القومي».

الخطر هنا لا يكمن فقط في النص، بل في منطق الإدارة: تحويل اللجوء من حق إنساني مرتبط بالاضطهاد والخطر، إلى وضع قانوني هشّ، قابل للسحب والتجريد. كما أن ربط وضع اللاجئ بالإقامة أو الدخول النظامي يعكس تجاهلًا كاملًا للواقع الطبقي والسياسي للاجئين، الذين لم تترك لهم الحروب والانهيارات أي «مسار قانوني» من الأساس.

البعد الإنساني والاجتماعي

لا يمكن فصل سياسات الترحيل عن آثارها الإنسانية العميقة. فالترحيل القسري لا يعني فقط العودة إلى بلد غير آمن، بل يعني أيضًا تفكيك الأسر، وتعريض الأطفال لانقطاع التعليم، والنساء لمخاطر العنف، والمرضى لانعدام الرعاية الصحية. كما يدفع الخوف الدائم من الاعتقال والترحيل كثيرًا من اللاجئين إلى العمل غير الرسمي والعيش خارج أي مظلة حماية، ما يفتح الباب واسعًا أمام الاستغلال الاقتصادي.

من منظور حقوقي، تتحمل الدولة مسؤولية حماية جميع الأفراد الموجودين على أراضيها، بغضّ النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، وهو مبدأ أصيل في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

السياق السياسي والضغوط الدولية

يأتي تشديد سياسات الترحيل في مصر ضمن سياق دولي أوسع، يتسم بتصاعد الخطاب المعادي للهجرة في أوروبا، وسعي دول الشمال إلى تصدير حدودها جنوبًا. وفي هذا السياق، تُمارَس ضغوط سياسية واقتصادية على دول العبور، لتحمّل عبء منع الهجرة مقابل دعم مالي أو سياسي.

غير أن هذا الترتيب غير العادل لا يبرر انتهاك حقوق اللاجئين، بل يكشف اختلالًا عالميًا في توزيع المسؤوليات، حيث تُحمَّل الدول الأضعف، واللاجئون أنفسهم، كلفة نظام دولي غير متكافئ.

إن وقف الترحيل القسري، وضمان إجراءات لجوء عادلة، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، ليست مطالب أخلاقية مجردة، بل شروط أساسية لأي حديث جاد عن العدالة وكرامة الإنسان. إذ إن قضية ترحيل اللاجئين في مصر تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى احترام الدولة لمبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون.