بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حين يُختزل الصراع في جيل: عن يناير وجيل زد وكيف يُعاد إنتاج الهزيمة

وُلد هذا النص من موضع ضيقٍ عميق. ضيقٍ يتغذّى من مفارقة لا تخطئها العين: فمن جهة، نرى اندفاعًا مفاجئًا — ومريبًا في انتظامه — من الأجيال الأكبر سنًا لإفساح المجال أمام الجيل «زد» والاحتفاء به على نطاق عالمي، ولا سيما في أعقاب الانتفاضات التي شهدتها بنغلاديش ونيبال وكينيا والمغرب. وفي مصر، يتكرّس مشهدٌ موازٍ: إعادة تقديم «أطفال يناير» إلى الفضاء العام، لا بوصفهم ما صاروا إليه الآن، بل محصورين في علاقتهم بثورة الخامس والعشرين من يناير، وكأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة وحدها.

ومن الجهة الأخرى، يعلو صوت نشطاء ومنظّمي الجيل «زد» في أنحاء العالم، وهم يعلنون صراحة «تسلّم الراية»، ويردّدون أفكارًا مألوفة؛ في جوهرها ذلك الادعاء (الأمل) القديم المتجدّد: «لن نكون مثل من سبقونا».

أن تكون في قلب هذه اللحظة تجربة مُربِكة، مستقطِبة، كأننا في عين العاصفة.

محاولة الإمساك بهذه التجربة بالكلمات استغرقت شهورًا. نعم، شهورًا كاملة. راودتنا فكرة كتابة هذا النص منذ أغسطس 2025، وبدأنا فعليًا في أكتوبر من العام نفسه. في كل مرة ظننا أننا فهمنا السؤال، أو اقتربنا من الوجهة، انفتحت أمامنا أسئلة أوسع.

لهذا، لا ندّعي أن ما بين أيديكم هو «الصيغة النهائية». لكننا اخترنا أن “نفكّر معاكم بصوت عالى”. أن نسمّي ما نعرفه، وأن نلحّ في نكش ما لا نعرفه بعد. فهذه اللحظة تستدعي تفكيرًا جماعيًا، ولا بدّ أن يُلقي أحدهم الحجر الأول.

لماذا تحتفي الأجيال الأكبر بهذه التعبئات «الجديدة» خصوصًا وقد تفاجئ البعض منهم بها، وكأن الطلبة والشباب لم يكونوا دومًا هم الطليعة الثورية؟ لماذا يعتقد نشطاء مصريون في المهجر أن بوسعهم استنساخ انتفاضات الجيل «زد» التي تتوالى منذ منتصف 2025؟ وما الذي يجعل الادعاء الجيلي المعاد تدويره —«لن نكون مثل من سبقونا»— إشكاليًا إلى هذا الحد؟ وهل ينطوي، في حقيقته، على خطر لا نحبّ الاعتراف به؟

من يناير ننطلق

في لحظات الاختناق السياسي والاجتماعي، تبحث الشعوب عن إجابة لسؤال يُطرح في الأذهان ولا ينطق به لسان —إلا ساخرًا أو مهزومًا: هل ما زال التغيير ممكنًا؟ وهل ما زال هناك من يتحرّك؟

في مثل هذه اللحظات، يفتّش الناس عن إشارة أمل: مشهدٍ يكسر السكون، أو فعلٍ يعيد فتح أفق الاحتمال. ولهذا غالبًا ما يتّجه النظر إلى الشباب والطلاب؛ لا لأنهم يملكون الإجابة، بل لأن تمرّدهم يمنح الأمل صورة مرئية.

في بدايات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كان الحراك الطلابي في الجامعات والشوارع مشهد الإلهام الأول. وفي الثورة المصرية، امتلأت الميادين في يناير 2011 بالأجساد الشابة، فبدت الثورة وكأنها وُلدت فجأة من الشارع. لم يكن الشباب سبب الانفجار، لكنهم كانوا صورته الأولى؛ الصورة التي جعلت الملايين يرون أن الاعتراض ممكن، وأن الصمت ليس قدرًا أبديًا.

يظهر الشباب في المقدمة لأن موقعهم الاجتماعي يسمح بذلك: طاقة أعلى، ارتباط أقل بالمسؤوليات المعيشية المباشرة، واستعداد أكبر للمخاطرة. غير أن هذا الظهور لا يجعلهم، في حدّ ذاته، الفاعل التاريخي القادر على تغيير موازين القوة. هنا يبدأ الخلط الذي يُنتج وهم «الثورة الجيلية».

تعامل ماركس مع الوعي بوصفه نتاجًا للعلاقات الاجتماعية السائدة. وفي المجتمعات الرأسمالية، يُعاد تفسير الأزمات بطريقة لا تمس جذورها، فيما يُعرف بالوعي الزائف. والهوس بالجيل أحد أشكال هذا الوعي؛ إذ يُقدَّم الغضب الاجتماعي كصراع بين أجيال، بدل فهمه بوصفه نتيجة مباشرة لأزمات العمل، والأجور، وغياب الأمان الاقتصادي. وهذا ما حدث بعد الثورة المصرية.

لم تكن ثورة الخامس والعشرين من يناير حدثًا مفاجئًا، بل ذروة مسار طويل. وكان من محطاته الأساسية الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي حرّكت جيلًا تشكّل وعيه السياسي على وقع فلسطين، فانفتح سؤاله على ما هو أعمق: لماذا يبدو الظلم مستقرًا إلى هذا الحد؟

في تلك اللحظة، التقى هذا الجيل بمن سبقوه إلى دروب التنظيم والعمل العام: مناضلين ومنظّمين نقلوا الخبرة، وفتحوا المسارات، وساعدوا على تحويل الغضب إلى فعلٍ منظّم. ومن الانتفاضة الثانية، إلى الحركة المناهضة للحرب على العراق عام 2003، ثم إلى مناهضة التعذيب عام 2004، فإضراب المحلة الكبرى عام 2006، تراكم الفعل حتى بلغ ذروته في الثورة.

ومع ذلك، جرى اختزال الثورة في سرديات مهيمنة بوصفها «ثورة شباب». تحوّلت الميادين إلى أيقونات، والشباب إلى رموز أخلاقية، بينما تراجع التحليل الذي يربط الثورة بحراك فبراير 2011، حين دخلت قطاعات قادرة على تعطيل الإنتاج وفرض كلفة مادية على السلطة. ومع فصل هذه الحقيقة عن السردية العامة، بات من السهل تفكيك الثورة سياسيًا، لأن جذورها الاجتماعية صارت غير مرئية.

كان تروتسكي شديد النقد لاختزال الثورة في لحظة بطولية أو فاعل واحد. ففي مفهومه عن الثورة الدائمة، شدّد على أن التغيير عملية صراع وتنظيم وتراكم، تُحسم بالقدرة على الربط بين السياسي والاقتصادي، وبين لحظة الشارع وبنية المجتمع.

الدور التاريخي للشباب كان دور الشرارة. فالشرارة تكسر الخوف وتفتح المجال، لكنها لا تصبح نارًا قادرة على تغيير الواقع إلا إذا وجدت مادة اجتماعية تحترق معها: تنظيمًا، وقيادة، وطبقاتٍ تملك موقعًا ماديًا في الصراع. وحين لا يحدث هذا الربط، تتحوّل لحظة الإلهام إلى لحظة مختلّة، يُحمَّل فيها الشباب أكثر من قدرتهم على الاحتمال، وتُعلَّق عليهم آمال لا تتناسب مع موقعهم الاجتماعي الفعلي.

وعند لحظة الهزيمة —وإن كانت جزئية أو مؤقتة— يتحول الاحتفاء إلى يأس ويحمّل هذا الجيل أيضًا عبء لا الهزيمة فقط ولكن فاتورتها الكاملة وحدهم…عقابًا أبديًا من السلطة.

كتبت الصحافية المصرية رشا عزب في آخر مقالاتها، “15 عاماً على 25 يناير: الخروج من كهف الثورة”:

“البلاد كمعتقلٍ دائمٍ ومتجدّد، يدخل أصدقاء ويخرج آخرون ويدخل مثلهم ويهرب نصفهم ويروَّع مَن تبقّى للفوز بحياة بشروط حقيرة. يتمرّد بعضنا، يخرجون عن الصف، نتحوّل عبرةً، ونناور من أجل حياة داخل بالون، وإن هربنا من البطش السياسي، لن ترحمنا الهزّات الاجتماعية مع جموع المواطنين. لدينا همّنا الخاص المتقاطع مع المصائب الواقعة على الشعب، ويدفع الشعب ثمناً فادحاً لوجود معارضة هزيلة لا يمكنها وقف الكرة المتدحرجة التي دهست من كانوا حتّى في الجحور.”

استطاع البعض الهروب من دفع هذه الضريبة قمعًا وتهديدًا وسجنًا وتعذيبًا وقتلًا… لكنهم لم يسلموا تمامًا. فالمنفى—وإن بدا اختياريًا—هو أيضًا عقوبة على التجرؤ على الحلم.

عن نشطاء المنفى و«GenZ002» وأوهام “الثورة بالريموت كونترول”

ما حدث مع ما سُمّي بـ «جيل يناير» يبدو اليوم على وشك التكرار، ونحن في مراحله الأولى، مع تصاعد الخطاب حول «جيل زد».

ظهر ذلك في مصر بشكل غير مكتمل في سبتمبر 2019، حين خرج مئات إلى الشوارع استجابة لدعوات رجل الأعمال المصري محمد علي من إسبانيا، مطالبين بعزل السيسي. نزل شباب إلى ميدان التحرير وميدان الشون بالمحلة الكبرى وبعض المحافظات، مردّدين شعارات مثل: «ارحل يا سيسي»، و«الشعب يريد إسقاط النظام». لكن الموجة قُمعت سريعًا، واعتُقل المئات، معظمهم من الشباب والأطفال، ولا يزال كثيرون منهم خلف القضبان.

واليوم، مع حراك «GenZ002» في المغرب، الذي تبنّاه لاحقًا الناشطان المصريان أنس وطارق حبيب بوصفه صوت الجيل الجديد، يتكرّر النمط ذاته: الانفعال يسبق التنظيم، والنداء يسبق الرؤية، والغضب يُدار عبر الإنترنت بدل أن يُترجم إلى فعل جماعي منظّم.

في 2019، ارتبط الحراك —ولو بشكل فضفاض— بملف الفساد العسكري الاقتصادي. أمّا اليوم، فيبدو أقل وضوحًا في الأهداف، وأكثر ميلًا إلى الهوية الجيلية والوسم الشبكي. هذا التحوّل من السياسة إلى «الترند» يجعل المشهد أكثر هشاشة: احتجاج بلا قاعدة طبقية، يسهل امتصاصه أو تحويله إلى ضوضاء رقمية. الحديث عن «معركة بين الشباب والنظام القديم» يتجاهل حقيقة أن العمال والفلاحين والمهمّشين ينتمون إلى أجيال مختلفة، ويجمعهم موقع واحد في بنية النظام.

في المقابل، من يحتكر السلطة والثروة ليس «جيلًا قديمًا»، بل طبقة حاكمة تتجدّد بوجوه مختلفة، وتحافظ على أدوات السيطرة نفسها: القمع، والنهب، وإعادة إنتاج التفاوت الطبقي. من هنا، يصبح خطاب «جيل ضد جيل» مضلّلًا، لأنه يصرف النظر عن جوهر الأزمة الاجتماعية، ويُفرغ الغضب من مضمونه الطبقي، ويحوّله إلى نقاش هوياتي حول «من يملك حق التمرّد».

ما بين سبتمبر 2019 و«GenZ002» لم تتغيّر بنية القمع، بل تغيّر شكل الغضب. في الحالتين، تصدر الدعوة من الخارج، بينما يتحمّل الداخل كلفة المواجهة. يُستدعى الشباب للنزول بلا حماية أو تنظيم أو استراتيجية، في مواجهة نظام يعرف كيف يضرب بسرعة ويعاقب بقسوة.

ظهر تعبير «الثورة بالريموت كونترول» بعد إعلان آل حبيب عن عريضة على منصة «ديسكورد» تطالب بإسقاط الرئيس. قُدّم ذلك باعتباره تعبيرًا عن إرادة الشعب، لكن التاريخ يعلّمنا أن إرادة الشعوب لا تُختزل في نقرة زر. الدعوة مشبعة بخطاب شعبوي مألوف، يكرّر وهم القدرة على التغيير من دون أرض أو أدوات.

يشرح حسام الحملاوي، في مقال «الإنترنت والثورة»، كيف تحوّلت ذكرى يناير إلى طقس سنوي يبدأ بدعوات إلكترونية ووسوم متصدّرة، ثم ينتهي بإحباط عام، وسخرية إعلام السلطة، واتهام الشعب أو القوى السياسية بالتخاذل.

نحن نجد في هذا الطموح عبثًا مأساويًا. لكنه ليس مجرد سذاجة فردية؛ إنها انعكاس لطريقة تفكير طبقة ترى العالم من بعيد، لا تحس بالواقع المادي للصراع، لا ترافقه قيادات حقيقية، ولا تمتلك شبكة تنظيمية تقرأ الأرض. ولأنها معزولة بحكم المنفى عن البنية الاجتماعية، تتحوّل أي شرارة ممكنة للتمرد إلى وهم: وهْم القدرة على قلب واقع اقتصادي وسياسي لا يتحرك إلا بوجود مادة اجتماعية حقيقية، بعلاقات إنتاج حقيقية، وبنزاع طبقي ملموس.

إنها في الحقيقة حالة ردّة فعلية، اضطراب طفولي، كما وصفه لينين: حلمٌ ثوري بلا أرض، بلا شعب، بلا أدوات، مجرد تخيّلٍ ينكر واقع القوى الاجتماعية وموقعها المادي في الصراع.

وهكذا تتحوّل أي شرارة صغيرة إلى وهم، وأي نية للتمرد إلى عبء على من هم في قلب الأرض، الشباب الحقيقي، الذين يتحمّلون المسؤولية وحدهم، بينما يلعب النشطاء لعبة القوة عن بعد، لا يفهمون أنّ الثورة ليست شعارًا على لوحة مفاتيح، بل عملية متواصلة من التنظيم والتراكم.

لهذا، يجب أن يتحوّل هذا الغضب المتكرّر إلى وعي طبقي وتنظيم جماعي يتجاوز العواطف والرموز الفردية. فالثورة لا تُقاس بعدد المشاهدات أو المشاركات، بل بقدرتها على التنظيم، والتراكم، وبناء التحالفات الاجتماعية. الغضب الصادق هو الشرارة، لكن التنظيم الواعي هو ما يحوّله إلى نار تغيّر الواقع.

وهنا تحديدًا يبدأ سؤال جديد بطرح نفسه.

منذ صباح طوفان الأقصى، تحرّك شباب في مصر بحثًا عن سبل للاعتراض والتضامن والمساندة. مهّد من سبقوهم الطريق لوقفة على سلالم نقابة الصحفيين، وفي الجامعات أعاد الطلاب فتح أبواب أُغلقت طويلًا، مستدعين خبرات أجيال سابقة، في محاولة لاستعادة فعلٍ ظُنّ أنه انتهى.

اجتمع هؤلاء، على اختلاف انتماءاتهم أو غيابها، وقد وحّدهم الغضب من حرب الإبادة على غزة، والإلهام بالمقاومة الفلسطينية، والإحساس الثقيل بالخزي إزاء ما اقترفته الدولة المصرية بحق الفلسطينيين.

وفي يوم الجمعة، العشرين من أكتوبر 2023، كسر الناس على الأرض الطوق الأمني، وساروا إلى ميدان التحرير، فاحتلوه لساعات قليلة، للمرة الأولى منذ عقد. وكان الثمن عشرات الاعتقالات، وتهم الإرهاب، فيما صار يُعرف لاحقًا بقضية «معتقلي التضامن مع فلسطين».

وهؤلاء أنفسهم من واصلوا الفعل: انخرطوا في الأحزاب والحملات، كتبوا الأسئلة على الجدران، ورفعوا اللافتات مطالبين بالحرية لرفاقهم، وقادوا احتجاجات خاطفة ومبادرات نقرّ بأنها لم تخلُ من التعجّل. لنا على هذه المحاولات ملاحظات وانتقادات، لكن الحقيقة الباقية هي أن ثمّة شبابًا هنا، في الداخل، لا يزالون يدفعون باتجاه التغيير.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
أين أولئك النشطاء في المنفى، المنتمون إلى التيارات ذاتها؟

غالبًا ما يُقال، حين نوجّه نقدًا إلى نشطاء في الخارج، إننا نفعل ذلك لأنهم ليسوا جزءًا من “شلّتنا”. وربما يكون اليسار، بالفعل، ميالًا إلى هذا النوع من الشللية. لكن هذا ليس جوهر المسألة. نحن ننتقد لا بدافع التفوق الأخلاقي، بل بدافع الرغبة في الفهم، وفي جعل الفعل السياسي أكثر جدوى. لأننا، في النهاية، نريد ثورة. لا تكرارًا لما حدث في الخامس والعشرين من يناير، ولا انتفاضة خاطفة بلا أفق. نريد ثورة عالمية ناجحة، ثورة لا تكتفي بإسقاط نظام واحد، بل تسعى إلى تفكيك الرأسمالية ذاتها، وتحرير البشر في كل مكان، بدايًة من القاهرة ومرورًا بالقدس أولًا.

“لكن جيل زد غير!”

تصحب ذكرى الثورة السنوية معها واجب إعادة قراءة مقال «جرافيتي لشخصين…علاء ودومة»، ذلك النص شديد الشفافية والتدبر والمراجعة الذاتية، الذي كتبه الصديقان علاء عبدالفتاح وأحمد دومة من موقعهما في ليمان طرة عام 2014.

“من قال بأنّا
أفذاذاً..
أو أنّا
جيلٌ مسحور؟!
إنّا بشريون..
ولكن..
في الظلمة..
نتمنى النور!!
خطيئتنا الكبر لا الخيانة. قلنا: لسنا كمن سبقونا، لذلك فشباب الإخوان غير وشباب الناصريين غير وشباب اليسار غير وشباب الليبراليين غير. […] اليوم أرانا ارتكبنا نفس الأخطاء وفينا نفس المثالب، رغم كل ادعاءات التفرد والتمرد لسنا سوى أبناء مخلصين للأهل والوطن، متمسكين بالثوابت والمقدسات والعادات والتقاليد. تسلّمنا ميراثاً كاملاً، ونسعى جاهدين للحفاظ عليه حتى يرثه أبناءنا. سنقول لهم أنتم مختلفون، لن تكرروا أخطاءنا، لكن سننسى أن نشرح لهم أنها أمنية لا نبوءة.”

لسنا جيلًا استثنائيًا. لا لأننا أقل شأنًا، بل لأن الاستثناء ليس صفةً تلحق بالبشر. نحن مثل من سبقونا تمامًا: نضعف ونقسو، نيأس ثم نعود فنأمل، نخطئ أكثر مما نُحسن، ونميل —كل مرة— إلى الحل السريع، حتى ونحن نعرف أن الطريق الأطول أصعب لكن هو الأصدق.

نبحث عن التغيير كما بحث عنه غيرنا. نريد عالمًا أعدل، أو على الأقل أقل قسوة. نريد أن نفعل الأشياء بطريقة مختلفة، وأن نترك أثرًا، وأن نشعر —ولو للحظة— أننا في قلب الحكاية لا على هامشها.

كل جيل يظن نفسه أذكى ممن سبقه، وأكثر وعيًا ممن سيأتي بعده. هذا وهم قديم، لا يبدأ بنا ولا ينتهي عندنا. يتكرر لأن البشر يحبون أن يروا أنفسهم في مركز الزمن.

لكن الذي يختلف حقًا من جيل إلى آخر ليس البشر، بل شروط الصراع. تختلف أشكال القمع، تتبدل أدوات السيطرة، تتطور وسائل الاتصال، ويتغير شكل الاقتصاد العالمي. لذلك لا يمكن قراءة الانتفاضات، ولا الهزائم، ولا التسويات، خارج سياقها. لا يمكن فهم الانتفاضة الفلسطينية الثانية بمعزل عن الاحتلال، ولا حركة مناهضة حرب فيتنام خارج سياق الإمبراطورية الأمريكية، ولا وعد بلفور خارج منطق الاستعمار، ولا الثورة الروسية خارج شروط الفقر والحرب القيصرية. كل لحظة لها مفرداتها، لكن البشر هم البشر.

الخطر يبدأ حين نقتنع بأننا استثنائيون بطبيعتنا، وأن غضبنا وحده يكفي. عندها نستخف بالتنظيم، وبالعمل الطويل، وبالخبرة المتراكمة. نتصور أن الهتاف يمكن أن يحل محل البنية، وأن النية الطيبة تغني عن المعرفة، وأن إسقاط رأس النظام كافٍ لإسقاط النظام نفسه. نرفض الجلوس إلى من سبقونا لأننا نراهم جزءًا من الهزيمة، لا جزءًا من الدرس.

وهكذا نفصل السياسة عن التاريخ، ونفصل الأخلاق عن موازين القوى، ونختصر الثورة في لحظة انفجار، لا في مسار طويل من البناء والهدم وإعادة البناء.

الإيمان بأننا استثنائيون لا يوسّع الخيال، بل يحدّه. والخيال، في السياسة، ليس ترفًا. هو القدرة على تصور بدائل حقيقية: كيف ننظم أنفسنا خارج منطق الزعامة؟ كيف نخلق صحافة لا تخدم السلطة ولا السوق؟ كيف نفكر في عدالة لا تقوم على الانتقام، وفي سكن لا يُدار بمنطق الربح، وفي حياة لا تُقاس قيمتها بالإنتاج وحده؟
الغرور السياسي يجعلنا مستعجلين، ويحوّل الخسارة المؤقتة إلى هزيمة كاملة. يجعلنا نكرر الأخطاء نفسها لأننا نرفض الاعتراف بأنها أخطاء قديمة بأسماء جديدة. وغالبًا ما يكون الثمن دمًا كان يمكن تجنبه، وأعمارًا كان يمكن إنقاذها.

نعم، لحظتنا هذه استثنائية، كما كانت لحظات كثيرة قبلها. لكنها ليست معجزة، ولا وعدًا بالنجاة. هي اختبار. اختبار لقدرتنا على التعلم، وعلى التواضع، وعلى الصبر.

لعل ما نرجوه ليس أن نكون استثنائيين، بل أن نكون مختلفين بحق.

أن نختار التنظيم لا الاستعراض، والمعرفة لا الشعارات، والعمل الجماعي لا البطولة الفردية. أن ننحاز للناس لا بالحديث باسمهم، بل بالعمل معهم. أن نساند نضال الطبقة العاملة دون أن نصادره، وأن نفهم أن القيادة مسؤولية مؤقتة لا امتياز دائم.

أن نرغب لا في قيادة الثورة، بل في أن نكون نبضها. أن نهدّئ الغضب حين يعمينا، ونختار الفعل بدافع الحب، ومن أجله.