واقع النساء اليوم

في ظل ما نشهده من تصاعد في أشكال العنف الموجه ضد النساء في الفترة الأخيرة، تتنوع صور هذا العنف لتبدأ من التحرش، كما ظهر في الواقعة المعروفة إعلاميًا بفتاة الأتوبيس وكذلك ما سبقها من واقعة فتاة المترو، وتمتد إلى الابتزاز الإلكتروني كما في حادثة بسنت خالد التي انتهت بانتحارها، فضلا عن جرائم الشرف مثل واقعة فتاة أبو النمرس التي قتلت على يد أفراد من أسرتها بسبب زواجها دون علمهم، وصولًا إلى جرائم القتل المرتبطة بالرفض العاطفي كما في حادثتي نيرة أشرف وسلمى بهجت. وفي هذه الوقائع كثيرا ما تميل ردود الفعل المجتمعية إلى تحميل النساء مسؤولية ما تعرضن له بدلًا من توفير الدعم والحماية لهن.
إلا أن هذه الحوادث لا تمثل سوى جزء من الصورة الكلية، إذ إن ما يصل إلى المجال الإعلامي هو فقط ما يحظى بالتغطية، بينما تبقى العديد من أشكال العنف الأخرى غير مرئية، مما يجعل هذه الوقائع مجرد نقطة في بحر أوسع من أشكال اضطهاد النساء.
كما لا يمكن النظر إلى هذا الاضطهاد في هذا السياق باعتباره مجموعة من الأفعال الفردية أو الانحرافات الهامشية، بل ينبغي فهمها بوصفه جزءًا من بنية اجتماعية أوسع تتشابك فيها العلاقات الثقافية والاقتصادية لتعيد إنتاج أنماط العنف والهيمنة داخل المجتمع.
تتعرض النساء في مصر إلى قدر هائل من الاضطهاد والتمييز بشكل يومي، في عام 2013 قامت الأمم المتحدة بدراسة توصلت فيها إلى أن 99% من النساء المصريات تعرضن للتحرش، وفي سنة 2015 أصدر الجهاز القومي للتعبئة والإحصاء أن 96.2% من النساء تعرضن للتحرش من شخص غريب.
أما عن العنف الموجه النساء فحسب التقرير السابق فإن 68% من النساء قد تعرض لعنف من مشرف أو مدير، و26.5% تعرضن لعنف من زميل في نفس المستوى الوظيفي. وعن العنف الزوجي فقد أوضح تقرير لمجموعة من منظمات المجتمع المدني بأن ثلث النساء اللاتي سبق لهن الزواج قد تعرض للعنف من الزوج، وكان أكثر أنواع العنف شيوعًا هو العنف الجسدي بنسبة 26%. وفيما الاغتصاب الزوجي فلا يعترف القانون المصري به كجريمة، ما يمنع ضحاياه من الوصول لمسار العدالة من الأساس، حيث يؤكد القانون على النظرة البطريركية القديمة التي ترى في الجنس داخل الزواج حقا مطلقا للزوج.
كما شهدت الأعوام الماضية ارتفاعًا في وقائع قتل النساء، حيث سجلت مؤسسة إدراك أكثر من 1000 حالة جرائم عنف ضد النساء في عام 2022، منها 301 جريمة قتل. كما سجلت المؤسسة 950 جريمة عنف و364 جريمة قتل كان ضحيتها نساء وفتيات في عام 2023. وبحسب دراسة لمركز تدوين، فإن معظم مرتكبي حوادث قتل النساء أفراد من أسرهن. والتي غالبًا ما يحصل مرتكبوها على أحكام مخففة باستخدام الرأفة التي تسمح بها المادة 17 من قانون العقوبات لتخفيف الأحكام.
وجدير بالذكر أن الأرقام السابقة تعكس التمييز ضد النساء المصريات، بينما لا ترصد أي منها بشكل دقيق التمييز ضد اللاجئات والذي من المتوقع أن يزيد عن هذه الأرقام نتيجة لتقاطع مسارات الاضطهاد التي يتعرضن له. ومن ذلك جاءت فاجعة اغتصاب وقتل الطفلة السودانية جانيت ذات العشرة أشهر في أبريل 2025، والتي فجرت شهادات متعددة لنساء غير مصريات تعرض لوقائع عنف وتمييز.
أما على مستوى مؤشرات التنمية البشرية فما زالت الفجوة بين الإناث والذكور متسعة، فنسبة الأمية لدى النساء تبلغ 22.8% مقابل 12.4% لدى الرجال. بينما بلغت نسبة البطالة 5% للرجال و18.4% للنساء وهذه الفجوة في معدلات التوظيف مستمرة منذ ما يقرب من 10 سنوات.
كما تعاني النساء أكثر من غيرهن من عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور؛ إذ أظهرت بيانات عام 2023 أن متوسط أجور النساء في القطاع الخاص كان أقل من الحد الأدنى للأجور في العام نفسه. الأمر الذي تمخض عنه مقاومة للنساء متمثلة في المشاركة في حركة الإضرابات العمالية المتصاعدة مؤخرًا والتي لعبت فيها النساء دورًا قياديًا كما في إضراب عاملات وبريات سمنود.
توضح الأرقام والمؤشرات السابقة بما لا يدع مجالًا للشك، أن اضطهاد النساء ليس حدثًا عارضًا أو فرديًا، بل هي جزء أصيل من بنية النظام الرأسمالي البطريركي الذي يعظم من اضطهاد النساء. والذي تلعب الدولة دورًا مهمًا في حمايته وإعادة إنتاجه.
تكريس الرأسمالية للاضطهاد القديم لصالح التراكم
لا يمكن الحديث عن اضطهاد المرأة كظاهرة منفصلة عن السياق التاريخي الذي أنتجها، حيث أن مجتمعات ما قبل الطبقات لم تشهد التمييز على أساس النوع أو على الأقل لم يصل إلى المستويات التي وصل إليها في المجتمعات الطبقية التالية، أما الاضطهاد فولد مع تمكن الإنسان من إنتاج الفائض وانقسام المجتمع لجماعات وفئات، تنتظر كل فئة منها غفلة الأخرى للانقضاض ونزع أكبر قدر ممكن من الصلاحيات.
منذ تلك اللحظة اكتسبت الفوارق البيولوجية بين الرجل والمرأة أهمية كبيرة في عملية الإنتاج لم تكن عليها من قبل. وُجِّهت المرأة — التي أثقلها حمل تربية الأطفال — إلى المنزل ووتم إبعادها عن الأدوار الأخرى، وخاصة تلك التي تمكّنها من الوصول إلى الفائض، من هنا بدأت الأسرة النووية وألقت بالأعمال الرعائية على كاهل النساء، والتي كانت فيما قبل أعمال جماعية يشارك فيها الجميع. جعل ذلك النساء يلعبن دورًا ثانويًا في الإنتاج الاجتماعي، ويعاملن فعليًا كممتلكات للرجال حيث يتحكم الرجل في تعامل الأسرة مع العالم الخارجي. من هنا تحول الرجل في الطبقة الحاكمة إلى بطريرك وهي اللفظة اليونانية التي تعني «الأب الحاكم».
ترافق ذلك مع تراجع مكانة المعبودات الأنثوية في الأديان القديمة أو تهميش أدوارهن، إلى جانب إنتاج تصورات أيديولوجية وممارسات اجتماعية رسّخت النظام البطريركي باعتباره النظام الطبيعي للأشياء، وعززت سلطة الرجال على النساء، بما في ذلك تشويه الجسد والتحكم في الصور الذهنية حول الأنوثة.
وعلى الرغم من أن الأسرة كمؤسسة اجتماعية سابقة على الرأسمالية، إلا أن الأخيرة قد استخدمتها في دفع عجلة التراكم. فعلى الرغم من الدور الذي لعبته الرأسمالية في إخراج المرأة للعمل، فإن ما أعطته الرأسمالية باليمين أخذت أضعافه باليسار، فإلى جانب استغلال المرأة كعاملة، تلقي الرأسمالية بأعباء الرعاية والطبخ والتنظيف وغيرها من الأعمال المنزلية على عاتق النساء.
حيث استثمرت الرأسمالية في الشكل القديم للأسرة لتستمر مهمة إعادة إنتاج الطبقة العاملة على عاتق النساء، بدلًا من أن تتم هذه العملية – إعادة إنتاج الطبقة العاملة – بشكل اجتماعي من خلال الحضانات والمطاعم الجماعية وغيرها من مؤسسات الرعاية الجماعية. وهذا هو السبب في رفض النظام الرأسمالي كنظام بطريركي للجنس خارج إطار العلاقات الغيرية فهذا الأخير لا يتناسب مع بنية الأسرة كنظام رعائي فردي.
الأيديولوجيا البطريركية وإعادة إنتاج الاضطهاد للجميع
لذا ما تزال أيديولوجية العائلة البطريركية شديدة الأهمية لاستقرار النظام، فإيمان المرأة بهذا الدور يؤدي إلى قبولها بأعمال هامشية وأجور أدنى من الرجل من أجل أطفالها. ويمتد هذا التصور ليشق صف الطبقة العاملة حين يتبنى الرجال تلك القيم التي تحتقر زميلاته وتضعهن في منزلة أقل فيتخيل نفسه بطريركًا، على الرغم من الاختلاف بينهما حيث أن البطريرك تاريخيًا كان مسيطرًا على وسائل الإنتاج الاجتماعي للفائض بينما العامل في ظل الرأسمالية ليس لديه أي سلطة على وسائل الإنتاج ولا يملك إلا أجره الذي يحصل عليه نظير بيع قوة عمله للرأسمالي، والذي هو المورد الذي يعيل منه عائلته ويضمن أن أولاده سيكونون عمالًا مثله. لهذا يرى الاشتراكي البريطاني كريس هارمان أن العائلة الجديدة خلقت انقسامًا في الطبقة العاملة بتشجيعها العمال الذكور على تبني قيم مستغليهم.
كما يستخدم الخطاب البطريركي لتوفير التوازنات الأيديولوجية التي يحتاجها النظام، حيث يستخدم اضطهاد النساء ومجتمع الميم من قبل النظام لكسب دعم الشرائح الأكثر رجعية في المجتمع، ومن أمثلة ذلك الاتهامات بالتعدي على «قيم الأسرة المصرية» التي تم اختراعها في الفترة الأخيرة ليُضفي النظام على نفسه شرعية أخلاقية.
الخطاب نفسه يتكرر من قبل المؤسسة الدينية والدعاة الذين يمتهنون صناعة المحتوى، فما زالت المؤسسة الدينية الرسمية تروج وتتمسك بالكثير من الأفكار التي تضطهد النساء مثل عدم المساواة في الميراث، وإقرار تعدد الزوجات كحق للرجل، واحتساب شهادة المرأة بالنصف من شهادة الرجل، وتمسكها بإقرار الطلاق الشفهي ورفض إلغاءه، وإن كانت حدة خطاب المؤسسة الدينية قد خفت في الفترة الأخيرة تحت وطأة السخط العام بين الأجيال الشابة، ما دفعها لتلطيف هذا الخطاب بالترويج للأفكار السابقة بوصفها استثناءًا عن القاعدة أو تكريمًا للمرأة، وأحيانا بإصدار بيانات تضامنية مع ضحايا التحرش والتأكيد على أنه خطأ الجاني وحده، إلا أن هذه البيانات تتعارض مع سنوات من الفتاوى والتصريحات الرسمية التي تم فيها تبرير الاعتداء والتحرش الجنسي وإلقاء اللوم على الضحايا.
أما عن الدعاة «الإنفلوينسرز» ففي حين تحاول المؤسسة الدينية التماهي مع مشروع تجديد الخطاب الديني الذي تروج له الدولة، فإنهم – الدعاة الجدد – لا يتورعون في الترويج لأكثر الأفكار رجعية وعنصرية ضد المرأة، من ربط للتحرش بملابس النساء وسلوكهن، والتعاطف مع الجناة، إلى رد الأزمة الاقتصادية لكونها غضب إلهي بسبب السفور أو الابتعاد عن الله، وليس إلى سياسات المجتمع الرأسمالي التي تستغل الجميع.
وفي حين تمتد يد الدولة لتبطش بأي معارض سياسي من خلال تلفيق تهم كارتونية وتدويرهم على أساسها، فإنها تفتح الباب على مصرعيه لهؤلاء الدعاة بلا مسائلة. ليس هذا غريبًا فالدولة وإن تظاهرت بالدعوى لتجديد الخطاب الديني وتبني رؤى أكثر تقدمية فإنها في الممارسة الفعلية تتبنى تصورات شبيهه، بداية من السيطرة على أجساد النساء من خلال «دعاوى التعدي على قيم الأسرة المصرية» أو «التحريض على الفسق والفجور» وصولًا إلى توصيات السيسي في صناعة الأعمال التليفزيونية للحد من تصوير مشاهد التفكك الأسري والتركيز على إبراز نماذج مستقرة للأسرة، ما يعني التعتيم على ما تعانيه النساء من مشاكل لصالح صورة نمطية عن المرأة الصالحة التي لا تشكو ولا تتعرض لأي عنف ذكوري.
الأسرة كمسكن للاغتراب الرأسمالي والاشتراكية كترياق
واللـــه لولا الحـب كانت تبقى غم
والشـوارع تتملـى مجـاريــح ودم
أيوه أصـل الحــب يمحى كل هـم
والحبيــب يدفــع حبيبـه للعلا…
هـى ديـه المســـألة
في عالم يغترب فيه البشر عن منتج عملهم، فيتحكم فيهم بدلًا من أن يتحكموا هم فيه وتستنذفهم الآلة الرأسمالية لاستخلاص أكبر فائض ممكن، عالم يعج بالعنصرية والحروب والخوف، تبدو العائلة كملاذ من عالم الوحدة والاغتراب النفسي، وهكذا تكون للعائلة ميزة بالنسبة لرجال ونساء الطبقة العاملة، حيث تغدو علاقات الحب بمثابة ملاذ في عالم القاسي، حيث نلقي على العلاقات العاطفية مهمة التخفيف من قسوة العالم وتهدئة خوفنا منه، وبالطبع يزداد هذا الاحتياج مع ضغط الأزمات الاقتصادية.
إلا أن العائلة لا توفر حلًا نهائيةً لهذا القلق الوجودي، وإنما مسكن شديد الهشاشة، حيث أن استغلال النظام الرأسمالي للعائلة في عملية إعادة الإنتاج وافتقار النساء إلى الأمان الاقتصادي وحصرهن في الوظائف الأكثر هامشية، كل هذا يؤدي إلى تقييد الخيارات الجنسية والعاطفية للنساء، وهكذا يشوه التسلط البطريركي القديم العلاقة العاطفية بأكملها فيجعلها قائمة على الخضوع والإكراه وعلى تسلط طرف على الآخر.
في كتابها «لماذا تتمتع النساء بجنس أفضل تحت الاشتراكية؟» تجادل كريستين غودسي بأن تمكين النساء اقتصاديًا، ووجود شبكات أمان اجتماعي قوية، يلعب دور مهم في تحرير العلاقات العاطفية ما يجعلها أكثر حيوية ورضًا، اعتمدت الباحثة في أطروحتها على دراسة دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي وعلى الرغم من علم الكاتبة بأن هذه الدول لم تمثل الشيوعية، إلا أن الإصلاحات الجندرية وشبكات الرعاية الاجتماعية التي وفرتها الدولة، لعبت دورًا بارزًا في تمكين النساء وخلق علاقات عاطفية أكثر صدقًا وأقل تسلطًا.
كما تشير غودسي إلا أن هذا الوضع من المساواة ينتج رجالًا أكثر تهذيبًا، ففي ثقافة تتمتع فيها النساء بفرص اقتصادية حقيقية، لا يمكن للرجال أن يكونوا مسيئين أو أن يعتبروا النساء أمرًا مفروغًا منه. ما يجعل العلاقات قائمة على الود الحقيقي والمشاركة الحرة.
إن الاشتراكية في دعوتها لإلغاء الأدوار الجندرية لا تدعو إلى مجتمع بارد خالي من المشاعر، على العكس من ذلك تمامًا إن المجتمع الاشتراكي بدعوته لإلغاء الاغتراب والمساواة الجندرية، سيساهم في خلق مجتمع جديد قائم على العلاقات الحرة بين الأفراد، والقفزة بالإنسانية من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية كما قال إنجلز.
الاشتراكية وإرساء الأساس المادي لتحرر النساء
لن تقوم الاشتراكية بهذه القفزة من خلال الكلام أو التمني، بل من خلال تكريس جزء من الموارد المهدرة في ظل الرأسمالية لتوفير الأساس المادي الحقيقي لإعادة إنتاج الطبقة العاملة خارج المنزل من خلال الحضانات العامة والمطاعم العامة ومرافق التعليم والصحة، والسكن الاجتماعي وغيرها من منشآت الرعاية الاجتماعية.
إن هذه العملية لن تحدث تلقائيًا، بل ستتطلب صراعًا حقيقيًا وعنيفًا يشارك فيه الرجال والنساء على حد سواء، متحدين ضد الطبقة الرأسمالية ومؤسساتها الأمنية والسياسية والثقافية، في صراع يتجاوز مجرد المطالبة بالإصلاحات الجزئية، ليطال أسس النظام الاجتماعي نفسه ويعيد توزيع السلطة الاقتصادية والاجتماعية.
إن الاشتراكية بهذا المعنى ليست مجرد تغيير في الملكية، بل تحويل شامل لعلاقات العمل، والتعليم، والرعاية، والثقافة، بحيث يصبح النشاط الإنساني موجها بالوعي والتخطيط المشترك، لتختفي قيود الفقر والحرمان التي تقيد الإرادة الحرة للأفراد.
المصادر:
– هيئة الأمم المتحدة للمراة، دراسة طرق وأساليب القضاء على التحرش الجنسى في مصر،(2013).
– المركز القومي للتعبئة والإحصاء، المرأة والرجل في مصر،(2015).
– مؤسسة قضايا المرأة المصرية وآخرون، أزمة حقوق النساء والفتيات في مصر 2019-2024،(2024).
– المباردة المصرية للحقوق الشخصية، نحو أجر منصف للجميع في مصر، (2023).
– موقع الاشتراكي، دروس معركة النفس الطويل ومهام المستقبل، (2024)
– كريس هارمان، تحرر المرأة والاشتراكية الثورية.
– صلاح جاهين، هي دي المسألة.
– بدر سالم، لماذا تتميع النساء بوضع أفضل تحت الاشتراكية؟ موقع صفر.





