الوراق: ماذا يحدث في الجزيرة المحاصرة؟

قبل رمضان بيومين، اصطحب الشاب سيد القرموطي (شيكو) بنته وابنه (5 و6 سنوات) للكشف عليهما في عيادة بحي وراق الحضر المجاور لمنطقة سكنهم في جزيرة الوراق لكن الثلاثة لم يصلوا للعيادة ولا عادوا للجزيرة حيث تنتظرهم الأم في قلق. فالمشوار القصير انتهى بهم الثلاثة محتجزين في قسم شرطة وراق الحضر، بعد صدور “تعليمات عليا” بالقبض على سيد القرموطي، بحسب شرطة جزيرة الوراق. في نفس اليوم خرج المئات من سكان الجزيرة للتظاهر أمام نقطة تمركز الشرطة في الجزيرة للمطالبة بالإفراج عنه، وتوجه آخرين لقسم شرطة الوراق بعد تلقي والد سيد اتصال من وسيط مجهول يخبره بوجود سيد هناك مع أطفاله. في البداية نفى القسم تواجد الثلاثة هناك قبل أن يسمح للأطفال بالمغادرة مع بعض أهالي الجزيرة وتم الافراج عن سيد لاحقًا بعد أن تحولت المظاهرات لاشتباكات مع الشرطة ولقاء 20 من أهالي الجزيرة مع قيادات الأمن الوطني بالجيزة للتوسط والتهدئة.
سيد شيكو القرموطي نقاش وصنايعي محارة كان قد نشر على صفحته على الفيسبوك عن مظاهرة يوم الجمعة السابقة بالجزيرة للاعتراض على حصار الجزيرة بالأكمنة ومنع مرور مواد البناء. نرى على صفحة سيد الشخصية دعم لمسجون آخر لا يعرفه: أحمد صبري – شاب آخر من شباب الجزيرة – بدأ رمضانه في الحبس بسبب نقله لبعض الطوب والاسمنت على مركب صغير للجزيرة. الحصار المشدد الذي تخضع له الجزيرة بدأ في 2017 بمنع مرور مواد البناء على المعديات وإيقاف إحدى المعديات عن العمل، لكن الأهالي كانوا يدبرون مسار آخر من خلال المراكب قبل التضييق على هذا المعبر أيضًا. إلى جانب تضرر العمالة، فالحكومة تعرف أن التضييق على مرور مواد البناء سيؤدي حتماً لتساقط البيوت القائمة التي تحتاج إلى صيانة وتوقف توسع بيوت العائلات لتشمل أي توسع محتمل لاستيعاب أفراد جدد بالأسرة.
الوراق هي أكبر جزر نهر النيل الـ 255 وهي جزيرة خصبة قائمة على الزراعة تاريخيًا، فقد ذكرها علي باشا مبارك في كتاب “الخطط التوفيقية الجديدة” الذي نشر سنة 1888. وصف علي مبارك القرية ومساجدها وعمل أهلها بالزراعة وقبل ذلك كان ريعها ينفق على زوار الحرمين الشريفين بوقف من السلطان العثماني مراد خان. حاليًا تملك الحكومة 60 فدان فقط من أراضي الجزيرة (1500 فدان) موزعة بين الأوقاف وجهات أخرى. وبينما تتذرع الدولة بعشوائية المباني على الجزيرة، فالسكان أثبتوا ملكيتهم لأراضيهم وعقاراتهم بحكم قضائي سنة 2001 عندما حاولت حكومة عاطف عبيد نزع ملكيات الأراضي وتهجير السكان من الجزيرة بدعوى المنفعة العامة.
حصار الوراق وربع قرن من المقاومة
من 2001 حتى 2026 يحارب سكان الوراق التهجير القسري والاستغلال لصالح رجال الأعمال والسكان المحتملين للكمباوندات. أو كما يقول أبو سيد في فيديو الإفراج عنه إن “أهل الجزيرة رجالة”. في عام 2001، حاولت حكومة عاطف عبيد نزع ملكية الأراضي من سكان الجزيرة بحجة المنفعة العامة تزامنًا مع إنشاء الطريق الدائري الذي سهل الوصول للجزيرة وربطها بالقاهرة. حينها رأت الحكومة وطبقة رجال الأعمال المقربة منها فرصة للتربح من حجم الجزيرة وطبيعتها المميزة، فالجزيرة وجزر النيل الأخرى كانت مسجلة كمحمية طبيعية منذ عام 1996. قابل أهالي الجزيرة هذا قرار حكومة عاطف عبيد بالتظاهر وتنظيم المؤتمرات ورفع الأمر إلى البرلمان وإلى القضاء الإداري الذي أنصف أهل الجزيرة وأقر بعوار قرار نزع الملكية لعدم بيان ماهية المشروع المطلوب تنفيذه للمنفعة العامة ولا بيان المخطط الكامل له.
ظل الأمر هادئًا حتى ظهر السيسي في مؤتمر عام 2017 معلنًا أنه “فيه جزر موجوده في النيل هذه الجزر طبقًا للقانون المفروض ميبقاش حد موجود عليها، يا أما محميات يا أما مش مسموح لحد يكون موجود عليها”، وتابع قائلًا “ألاقي مثلًا جزيرة موجوده في وسط النيل مساحتها أكتر من 1250 فدان انا مش هذكر اسمها، وابتدت العشوائيات تبقي جواها وناس تبني ووضع يد ويبني عليها، وبعدين هو بيصرف لو فيه 50 الف بيت هنا هيصرف فين في نهر النيل اللي بنشرب منه وتقولي بعد كده اعملي محطات صرف ومحطات معالجه وشوف الصرف اللي بيرمي ف النيل دة ونأذي نفسينا”. في خلال إسبوعين من هذا الخطاب، تم حذف الجزيرة من نطاق المحميات الطبيعية بشكل يتناقض مع إدعاء الحفاظ عليها، لكن يتوافق مع نية التهجير. وفي اليوم التالي، اقتحمت قوات الشرطة الجزيرة لهدم 700 منزل، لكن سكان الجزيرة دافعوا عن منازلهم حتى استشهاد “سيد حسن” ووقوع إصابات في جانب الشرطة وعشرات الأهالي، وقامت حينها الشرطة باعتقال المصابين من المستشفيات والإسعاف ومن جنازة سيد حسن، وتوجيه تهم التجمهر وحيازة سلاح لهم.
لم يقتصر الأمر على العنف الشرطي، لكن الحكومة قررت استخدام العنف الاقتصادي وعرقلة سير الحياة على الجزيرة بإيقاف عمل إحدى المعديات والتحكم في المداخل بكمائن تفتيش تمنع تمامًا مرور مواد البناء، كما منعت جهات التوثيق والشهر العقاري وشركة الكهرباء من تيسير أي تعاملات جديدة أو توصيل عدادات الكهرباء. وتم هدم مركز الشباب والبريد في الجزيرة. تزامن هذا مع حملة إعلامية شرسة ضد سكان الجزيرة تدعي اعتدائهم على أملاك الدولة، رغم إثبات وثائق الدولة نفسها عكس ذلك وننشر في هذا المقال معلومات وخرائط مؤكدة من مصادر حكومية عن مخطط الوراق المعتمد. فالخريطة التالية والجدول المرفق بها يوضحان خطة الحكومة لكل منطقة في الجزيرة حسب “القيمة الجمالية” للمناطق الاستثمارية وبغض النظر عن كثافة السكان فيها وملكية الأهالي لها.
بناء على خبرة أهل الجزيرة السابقة، قاموا بتشكيل مجلس عائلات جزيرة الوراق، وهي الجهة الأهلية التي تتفاوض وتدافع وتتواصل مع السلطات باسم سكان الجزيرة لحماية حقوق أهلها. بدأ المجلس بمؤتمر شعبي وتعيين لجنة إعلامية لصد الهجوم الإعلامي على السكان وخلق إعلام بديل من خلال السوشيال ميديا، وكذلك قاموا بتوضيح اهتمام السكان بالمشروعات الخدمية مثل الطريق الدائري ومحور روض الفرج ومعارضتهم لتهجير السكان لاستبدالهم بطبقة أخرى وأنشطة استثمارية بدل الأراضي الزراعية. صرح أحد أعضاء المجلس لـ مدى مصر: «عايزين نواجه فكر بفكر، حملة التشويه ضدنا بتقول إن أهالي الجزيرة بلطجية، حبينا نظهر الوجه الحضاري للجزيرة، ونوريهم إن فيها دكاترة ومهندسين». الطريف في الأمر أن كتاب الخطط التوفيقية أكد تنوع المهن في الجزيرة، وذكر أن فيهم السيد أحمد أفندى مهندس قسم أول بالجيزة (عام 1888م).
مؤخراً قرر المجلس تعيين لجنة قانونية للدفاع عن الجزيرة ضد الحصار في سعي طويل نحو العدالة الغائبة. ففي يونيو 2018، قام 21 محام مقيم على الجزيرة برفع دعوى قضائية للقضاء الإداري ضد قرار رئيس الوزراء الذي صدر قبلها بأيام لإنشاء مجتمع عمراني جديد، لكن في مفارقة صادمة فوجئ الأهالي بتحريك قضية أمن دولة طوارئ ضد 5 من المحامين المترافعين عن أبناء الجزيرة و17 من أهل الجزيرة. رد الأهالي عندها بحملة للكتابة على منازلهم “جزيرة الوراق مش للبيع”.
ماذا تخطط الحكومة للوراق؟
يفصل تقرير للمحامي الحقوقي خالد علي بعنوان “صراع المساحات” كيف تغيرت القوانين بعد 2017 بما يخدم المخطط المقترح. قانون 1 لسنة 2018 يتيح للحكومة إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة (مدن جديدة) في مناطق إعادة التخطيط في المدن والقرى القائمة، وهو ما لم يكن ممكنًا من قبل حيث كانت المدن الجديدة تقام في الظهير الصحراوي فقط بدعوى التخفيف عن وادي النيل والحفاظ على الأراضي الزراعية. ونزع ملكية الأراضي لصالح المنفعة العامة كانت أيضًا ممكنة في حدود إنشاء كوبري أو مدرسة ولا تشمل نزع الملكية من الجزيرة ككل لمشروع مشابه للمشروع المعلن. وبعد صدور القانون بستة أشهر فقط، أصدر مجلس الوزراء قرار بإنشاء مجتمع عمراني جديد على جزيرة الوراق.
يوجد تضارب في المعلومات حول مخطط الحكومة للوراق الجديدة، حيث نشر مكتبين أحدهم إماراتي سنغافوري والآخر مكتب كيوب للاستشارات المصري مخططين مختلفين للجزيرة سنة 2017 قبل حذفهما. لكن أصبح لدينا يقين بالمخطط المعتمد من هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وعليه اسم مكتب sites international. لكن أيًا كان المصمم، فالمهم إحقاق حق السكان الحاليين وسكان مصر المستحقين لأرضهم الزراعية الوفيرة في العطاء الشحيحة في المساحة. فنفس المخطط مرفق معه توزيع ملكية ونوع الأراضي في الخرائط التالية. والمخطط المعتمد بتفاصيله نشرته إحدى المواقع الحكومية على الإنترنت لكن تم حذفه من الصفحة الرسمية وبقيت نسخة منه في موقع أرشيف تأكدنا من صحتها.
- مخططات شركتي كيوب وRSP الاماراتية السنغافورية
المخطط الاستراتيجى العام المعتمد
وضع هذا المخطط على أراضي الأهالي (خريطة الحيازات) بينما طرحت الحكومة تعويضات مجحفة بعد اعتراض الأهالي على الطريقة الأولى لاقتحام الوراق وبدأ الهدم بدون أي سابق تفاوض. التعويضات تم رفعها بعد اعتراض الأهالي لكنها مازالت غير كافية لتوفير سكن ومصدر رزق متصل به في الزراعة أو الصيد في مكان آخر، وكذلك يغفل نمط منزل العائلة المتسع لعدة أجيال وطريقة معيشة أهل الجزيرة واتصالهم المباشر بالأرض. فالتعويض المطروح مبدأياً كان 16 ألف جنيه للغرفة الواحدة (64 ألف جنيه لمنزل من أربع غرف يحتسب فيها المطبخ والحمام معاً كغرفة والصالة كغرفة)، وهو مبلغ لا يكفي لشراء عشرة أمتار على الضفة الأخرى من النيل. قيمة التعويض بعد زيادته ارتفعت إلى 50 ألف جنيه للغرفة الواحدة، والتي يقارنها معهد التحرير لدراسات الشرق الأوسط بأسعار وحدات الإسكان الاجتماعي الحكومية والتي تصل سعرها إلى 530 ألف جنيه.
الحيازات الحالية على الجزيرة
وما بقي لنا بعد رواية القصة إلا أن ندافع عن مستقبل أرضنا الزراعية وسكن أهلنا وميزانية دولتنا التي تبني مجتمعات عمرانية جديدة بعد أن تغرقنا بالديون ومدننا التي تغير شكلها وأصبحت لا تشبهنا، فشتان بين مبان رملة بولاق التراثية وعمارات ماسبيرو الكئيبة التي حلت محلها. فكلنا نعلم أن التهجير القسري طال البعيد والقريب، فسكوتنا اليوم يتيح للحكومة والمستثمرين المقربين منها وضع اليد على أي أرض بغض النظر عن سكانها. قال سيد القرموطي في الفيديو الذي نشر قبل اعتقاله “احنا مش مخلوقين نشوف الظلم ونقعد ساكتين ونقول طالما بعيد عن بيتك يا جحا ملكش دعوة بيه… احنا محرومين من أقل حقوقنا”. #ادعم_جزيرة_الوراق #لا_لحصار_الوراق





