بعد وقف الغاز… كيف وضع النظام المصري أمن الطاقة في يد الاحتلال؟

أوقف الاحتلال الإسرائيلي ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر لأجل غير مسمى اعتباراً من صباح اليوم، الأحد، عقب هجوم مشترك شنّته مع الولايات المتحدة على إيران، بحسب ما أفاد به مسؤول حكومي لموقع “الشرق بلومبيرغ”.
ويشمل التوقف نحو 1.1 مليار قدم مكعب يومياً من حقلي “تمار” و”ليفياثان” في شرق البحر المتوسط، ما يعيد إلى الواجهة أزمة الاعتماد المتزايد للنظام المصري على الغاز الإسرائيلي، في ظل فجوة واضحة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
وقال المسؤول أن الاحتلال أخطر القاهرة بوقف الإمدادات استناداً إلى بند “القوة القاهرة” المنصوص عليه في اتفاقيات توريد الغاز، وهو بندٌ يسمح بتعليق الالتزامات التعاقدية في حال وقوع أحداث استثنائية مثل الحروب.
تظهر بيانات سابقة أن واردات مصر من الغاز الإسرائيلي ارتفعت بنحو 8% خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025، لتصل إلى 344 مليار قدم مكعب، مقابل 319 ملياراً في العام السابق، ما يعكس تعمّق الارتباط بين القاهرة وتل أبيب في ملف الطاقة.
وفي بيان رسمي، أكدت وزارة البترول توقف الإمدادات من شرق المتوسط، مشيرة إلى أنها اتخذت إجراءات استباقية “لتأمين احتياجات السوق المحلي”، شملت زيادة كميات التكرير المحلية وتكوين مخزون من المنتجات المستوردة.
وقال مسؤول حكومي إن العمل جارٍ لإعادة جدولة شحنات الغاز المسال المتعاقد عليها لزيادة الكميات المستوردة، في محاولة لتعويض النقص الناتج عن توقف إمدادات الاحتلال.
وتستأجر مصر حالياً خمس سفن لإعادة تغويز الغاز المسال بطاقة تقارب ملياري قدم مكعب يومياً، في إطار خطة لتعزيز أمن الإمدادات، في وقت يُقدَّر فيه الإنتاج المحلي بنحو 4.1 مليارات قدم مكعب يومياً مقابل طلب يبلغ 6.2 مليارات قدم مكعب.
وفي تطور متصل، قررت الحكومة رفع كميات المازوت المستخدمة في تشغيل محطات الكهرباء بنسبة 333% لتصل إلى 26 ألف طن يومياً، مقارنة بنحو 6 آلاف طن في الأيام العادية، لتعويض النقص في الغاز.
وأكد المسؤول أن الحكومة “لن تلجأ إلى تخفيف الأحمال”.
وكان تدفق الغاز الإسرائيلي قد توقف سابقاً مع اندلاع حرب الإبادة على غزة، ما أدى إلى نقص حاد في الطاقة وانعكس في تخفيف أحمال الكهرباء وتعطل بعض المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة.
إن ربط النظام المصري أمن الطاقة بالغاز الإسرائيلي، وهو في الأصل غاز فلسطيني مسروق من قبل الاحتلال، هو إعادة إنتاج للتبعية الاقتصادية والسياسية للنخبة الحاكمة للإمبريالية. الاتفاقيات التي وقعت بعشرات المليارات من الدولارات لا تحمي الشعب المصري من أزمة الكهرباء، لكنها تؤمّن أرباحًا لشركات إسرائيلية وأمريكية وللنظام نفسه على حساب العمال والفقراء.
هذا الغاز يأتي من جانب عدونا الذي شنّ حرب إبادة على غزة، وارتباط الاقتصاد المصري بمثل هذا المورد يضع البنية التحتية والطاقة والمجتمع كله تحت رحمة العدوان الإسرائيلي وتقلبات مصالحه السياسية. كل تصعيد عسكري أو هجوم على فلسطين ينعكس فورًا على حياة المصريين اليومية، من انقطاع الكهرباء إلى توقف المصانع وارتفاع التكاليف.
التجربة السابقة مع خط الغاز المصري–الإسرائيلي أظهرت أن هذا التطبيع “الطاقي–الاقتصادي” ليس مجرد تبادل تجاري، بل أداة لإخضاع الدولة العربية الكبرى لمصالح الإمبريالية والصهيونية.
فعلى مدار عقدين، تحرك خط عسقلان–العريش في الاتجاهين: من تصدير الغاز المصري بأسعار مثار جدل واسع، إلى استيراد الغاز المستخرج من الحقول الواقعة قبالة السواحل الفلسطينية. هذا التحول يعكس انتقالاً من موقع المُصدِّر إلى موقع المُستورد، ومن امتلاك هامش مناورة أكبر إلى ارتهان أعمق لتقلبات كيان منخرط بصورة دائمة في حروب إقليمية.
وأول من يدفع ثمن التطبيع والسياسات الرأسمالية هم العمال والفقراء، بينما تستفيد النخبة الحاكمة وشبكات رأس المال من الصفقات والاتفاقيات، بعيدة عن تأثير أي انقطاع أو أزمة.
في هذا السياق، تصبح مسألة الطاقة قضية سياسية–طبقية، تعكس العلاقة بين النخبة والإمبريالية، وتوضح هشاشة استراتيجية الدولة حين تُربط مصالحها الحيوية بالعدو العسكري المباشر، بدلاً من تعزيز الاكتفاء المحلي وتنويع مصادر الطاقة الوطنية.





