بسبب هروب الأموال الساخنة
الدولار يتخطى الـ 50 جنيها وموجة غلاء في الطريق

فقد الجنيه المصري أكثر من 2.8 جنيه مقابل الدولار خلال أول أيام اندلاع الحرب على إيران، ليتجاوز مستوى 50 جنيهًا للدولار أمس الأربعاء، في وقت تكبدت البورصة خسائر سوقية بلغت نحو 21.2 مليار جنيه، وسط موجة تخارج واسعة للمستثمرين الأجانب فيما يُعرف بـ”الأموال الساخنة”.
وأظهرت بيانات سوق مابين البنوك (الإنتربنك) خروج استثمارات أجنبية بنحو 1.2 مليار دولار خلال يومي الأحد والإثنين فقط، في مؤشر على تسارع وتيرة سحب الاستثمارات من أدوات الدين المحلية. كما سجل المستثمرون الأجانب والعرب صافي بيع في البورصة بنحو 290 مليون دولار خلال الفترة نفسها، بينما بلغ صافي بيع الأجانب وحدهم 753 مليون جنيه في جلسة واحدة، بحسب تقرير للشرق بلومبرغ.
وتراجع المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية بنسبة 2%، مع هبوط نحو 64% من الأسهم المتداولة البالغ عددها 216 سهمًا، لتسجل القيمة السوقية نحو 3.1 تريليون جنيه.
ويأتي هذا التراجع في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية بالمنطقة، ما ضغط على مصادر النقد الأجنبي، خاصة مع عودة الاضطرابات في البحر الأحمر وتوقف إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر.
فقد أعلنت كبرى شركات الشحن العالمية، من بينها «إيه بي مولر ميرسك» و«هاباغ لويد» و«سي إم إيه سي جي إم»، تعليق عبور سفنها عبر قناة السويس وإعادة توجيهها بعيدًا عن البحر الأحمر عبر رأس الرجاء الصالح، وسط مخاوف من استئناف الحوثيين المدعومين من إيران هجماتهم على السفن في مضيق باب المندب أثناء غلق تام لمضيق هرمز من قِبل الحرس الثوري الإيراني.
ويمثل ذلك ضربة جديدة لأحد أهم مصادر العملة الأجنبية في مصر، إذ تُعد قناة السويس من بين أكبر خمسة مصادر للنقد الأجنبي.
وكانت إيرادات القناة قد سجلت مستوى قياسيًا بلغ 9.6 مليارات دولار في 2023 قبل أن تتراجع إلى نحو 3.6 مليارات دولار في العام التالي نتيجة اضطرابات الملاحة، بينما قدرت القاهرة خسائرها بنحو 9 مليارات دولار من رسوم العبور المحتملة.
في الوقت نفسه، أوقفت إسرائيل ضخ نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي إلى مصر من حقلي «تمار» و«ليفياثان» استنادًا إلى بند “القوة القاهرة”، بالتزامن مع الضربات العسكرية في المنطقة.
ودفع ذلك القاهرة إلى التحرك لتعويض الفجوة، عبر طلب تبكير استلام شحنتين من الغاز الطبيعي المسال، والحصول على نحو 300 مليون قدم مكعب يوميًا عبر سفينة التغويز في العقبة بالأردن، إضافة إلى وقف تصدير نحو 350 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز عبر مصنع إدكو وتوجيه الكميات إلى السوق المحلية لضمان استقرار شبكة الكهرباء.
كما أعلنت قطر للطاقة تفعيل بند “القوة القاهرة” ووقف عملياتها، في حين نفت وزارة البترول المصرية تقارير عن تعرض ناقلة غاز روسية لهجوم قبالة السواحل الليبية، مؤكدة أنها لا ترتبط بأي تعاقدات توريد لمصر.
وتشير البيانات إلى أن موجة التخارج لم تبدأ مع اندلاع الحرب فقط، إذ سبقتها تحركات تحوطية خلال الأسبوعين الأخيرين من فبراير، بلغت نحو 3.75 مليار دولار عبر سوق الإنتربنك، إضافة إلى صافي خروج 1.6 مليار دولار من أذون الخزانة المحلية خلال النصف الثاني من الشهر.
وقد اضطرت وزارة المالية إلى رفع أسعار الفائدة بنحو 0.5% في آخر عطاءين لأذون وسندات الخزانة، بعد أن طالب المستثمرون بعوائد تراوحت بين 26% و30%، في ظل تصاعد المخاطر الإقليمية.
وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء إن سعر الصرف يتحرك وفق آليات العرض والطلب، مؤكدًا أن البلاد لا تواجه أزمة في توافر العملة الأجنبية وأن الاحتياطيات تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
من جانبه، توقع مصرف مورغان ستانلي تراجع الجنيه بين 1% و2% في حال احتواء الأزمة، وقد يصل الانخفاض إلى 8% في حال تصعيد شامل، محذرًا من ضغوط إضافية على التضخم وتكاليف الطاقة.
كماركسيين، نرى أن تراجع الجنيه وخروج الاستثمارات ليس أزمة مالية ظرفية بسبب الحرب، لكن تعبير عن فشل الرأسمالية المصرية في أن تتحول للتصنيع والتحول إلى مركز تراكم رأسمالي مستقل في إطار الرأسمالية العالمية.
إن الاعتماد على “الأموال الساخنة” يعني أن رأس المال الأجنبي يدخل فقط لتحقيق عوائد مرتفعة ثم يخرج فور ظهور المخاطر، كما حدث مع خروج مليارات الدولارات خلال أيام. وهذا ما وصفه لينين بسيطرة الرأسمال المالي في مرحلة الإمبريالية، حيث تصبح اقتصادات الأطراف مرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية أكثر من ارتباطها بقاعدة إنتاجية محلية قوية.
إذن، فإن انخفاض العملة ليس رقمًا مجردًا في سوق الصرف، بل كلفة اجتماعية؛ لأن جزءًا كبيرًا من السلع الأساسية مستورد، وتراجع الجنيه يعني ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل. عمليًا، هذا يؤدي إلى انخفاض الأجور الحقيقية للعمال حتى لو بقيت الأجور الاسمية ثابتة، لأنه عندما ترتفع تكاليف المعيشة دون زيادة مماثلة في الأجور، تتحول الأزمة إلى اقتطاع غير مباشر من دخل الطبقات العاملة.
الأزمة تتعمق أيضًا لأن مصادر العملة الأجنبية نفسها هشة. توقف الملاحة أو تراجعها في قناة السويس مثلًا يضرب أحد أهم موارد الدولار، بينما توقف إمدادات الغاز أو اضطراب التجارة الإقليمية يزيد الضغط على الميزان الخارجي. في هذه الحالة تلجأ الدولة إلى أدوات مثل رفع الفائدة أو الاقتراض، وهو ما يضمن عوائد مرتفعة لحملة السندات والمستثمرين الماليين، لكنه يراكم عبء الدين على الموازنة العامة.
إن الأزمات—في ظل النظام الرأسمالي العالمي—لا توزّع خسائرها بالتساوي، ودائمًا ما تدفع الشعوب، خاصةّ طبقاتها الكادحة والفقيرة، الثمن من تضخم وتقشف وتراجع خدمات.





