مُتَّهمة بالوجود:
المعتقلات السياسيات وآليات إخضاع المرأة المسيسة

تُمارس الدولة عنفًا باردًا وقاسيًا على أجساد المعتقلات السياسيات، وتنتشر قصصهن كعِبرة لكل من تُفكّر في العمل السياسي العام. منظومة السجن، في جوهرها، جهازٌ بُني لحماية مصالح الطبقة الحاكمة ومعاقبة كل من تُقرّر الدولة إخضاعه، رجالًا ونساءً. وعلى الرغم من أن المعتقلات الجنائيات يُشكّلن النسبة الأكبر من المحتجزات في السجون المصرية، فإن التركيز في هذا المقال ينصبّ على المعتقلات السياسيات تحديدًا، رغبةً في فهم عمق العلاقة بين الدولة المصرية والجسد الأنثوي السياسي خلال السنوات العشر الماضية، وتفكيك ما يعنيه أن تُقرّر هذه الدولة اعتقال المرأة بسبب وجودها في الفضاء الحقوقي أو السياسي العام. هذا المقال جزءٌ من سلسلة قادمة تُفكّك منظومة السجون وعلاقتها بالمرأة، وستتناول في أجزائها القادمة وضع المعتقلات الجنائيات داخل هذه المنظومة. يستند هذا المقال إلى تقارير ومقالات مؤسسة التحرير لسياسات الشرق الأوسط، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، لفهم وتفكيك آليات السجن وكيف تُوظّفها الدولة لإخضاع المرأة السياسية أو ردعها عن الوجود في الفضاء العام.
لتحليل وضع السجينات السياسيات في مصر خلال السنوات العشر الماضية، يجب البدء بما قبل السجن، فننطلق من علاقة الدولة بالمرأة. تُعامَل الأسرة في هذا النظام كوحدة اقتصادية تخدم توريث الثروة وتنظيم العمل غير المدفوع؛ إذ تُنجب المرأة ورثة الملكية الخاصة وتقوم بالعمل الرعائي الذي يُعيد إنتاج قوة العمل. وبهذا تؤدي وظيفةً مادية داخل الرأسمالية، تضمن استمرار تراكم رأس المال عبر تخفيض تكلفة إعادة إنتاج قوة العمل، فيما تُحيل الدولة هذه الرعاية إلى “طبيعة نسوية” خارج الحسابات الاقتصادية والسياسية.
تُثبت سيلفيا فيديريتشي، في “كاليبان والساحرة”، تاريخيًا أن تجريم جسد المرأة وإخضاعه شرطٌ أساسي قامت عليه الرأسمالية منذ نشأتها؛ فلكي تعمل هذه الآلة الاقتصادية، يجب أن تبقى المرأة في المجال الخاص، محكومةً بأدوار الرعاية غير المأجورة. وخروجها إلى الفعل السياسي العام يكسر هذا الشرط من الجذر، لأنه يُعلن أن الجسد الأنثوي يملك فاعلية مستقلة خارج دوره في منظومة إعادة الإنتاج. من هنا يُفهم الخطر الاستثنائي الذي تُمثّله المرأة السياسية بالنسبة للدولة. فبتجاوزها دورها الرعائي، تُهدّد البنية الاقتصادية التي تُتيح للدولة استمرارها، ولذلك يستهدفها القمع. وتُوظّف الدولة أدواتها، كالسجن والقانون، بطريقة مُجنسَنة لإزاحة المرأة وإرهابها من الوجود في المجال العام.
وحين تُعتقل المرأة، تنضم الآلة الاجتماعية إلى الآلة الأمنية؛ إذ يُكمل المجتمع عقوبة الدولة بالتشكيك في أخلاق المعتقلة، أو بمنعها من التواجد في المجال السياسي العام “خوفًا” عليها، فيتحوّل السجن إلى سجنٍ مُضاعف يحاصرها من الداخل والخارج. والعنف الجنسي الذي يُمارَس على المرأة داخل السجن يستثمر هذه البنية التي رصدتها فيديريتشي؛ إذ يُستخدم الشرف الأبوي سلاحًا لاستهداف الشبكة الاجتماعية ذاتها وإجبارها على الصمت والانسحاب. وتستخدم الدولة أسلحةً متعددة لإخضاع المرأة وارهابها من العمل السياسي العام، وفي هذا المقال نُفكّك ونُحلّل هذه الأسلحة من داخل السجن وخارجه.
ميشيل فوكو، في “المراقبة والعقاب”، يساعدنا على فهم ما يفعله السجن لإخضاع أجساد النساء. يُفرّق فوكو بين نوعين من السلطة العقابية: سلطة السيادة التي تعمل بالعرض الاستعراضي، كالاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب، لإعلان أن هذا الجسد ملكية السلطة، وأن العقوبة رسالة سيادة وتملّك. وفي المقابل، سلطة الانضباط الحديثة التي تعمل بالمراقبة المستمرة لخلق جسد طيّع يُراقب نفسه بنفسه ويستبطن شروط خضوعه. تُوظّف الدولة المصرية السلطتين في آنٍ واحد، وبوعي استراتيجي.
داخل السجن، تعمل سلطة السيادة في أقصى تجلياتها، الاختطاف، والاختفاء القسري، والتعذيب، والإطالة المتعمدة في مدة الاحتجاز. وقد وثّقت مؤسسة التحرير لسياسات الشرق الأوسط شهادة معتقلة سابقة تصف الصعق بالكهرباء والضرب بالحذاء على الوجه؛ وهي أشكال عنف جسدي تستهدف تحديدًا تحطيم الإحساس بكرامة الجسد وفاعليته، وهو ما يسميه فوكو “طقس إعلان السيادة”: جعل الجسد يُعلن عجزه أمام قوة أعلى.
أما خارج السجن، فتعمل سلطة الانضباط عبر الأثر الاجتماعي لكل حالة احتجاز. فالسلطة تُدير الأجساد جماعةً: كل قضية اعتقال تُنتج أثرًا يتجاوز ضحيتها، وتُرسل رسالة إلى الجسد الجماعي للنساء المُسيَّسات، وتُعيد ضبط حدود ما هو مسموح به. هذا هو “البانوبتيكون الاجتماعي” في صورته الأوسع، حالة مراقبة متخيّلة تمتد خارج أسوار السجن لتشمل كل امرأة تُفكّر في العمل السياسي العام. الجيران، والأسرة، والمدرسة، وزملاء العمل، أدوات انضباط غير رسمية تُغني الجهاز الأمني. كل حالة احتجاز حدثٌ بيوسياسي يُعيد رسم حدود الفضاء المتاح للمرأة، ويقيس ردّ الفعل الجماعي على القمع. يجمع النظام ثلاث تقنيات سلطة متزامنة: سلطة السيادة في الاختطاف والاختفاء القسري، وسلطة الانضباط في المراقبة وتطبيع الحبس الاحتياطي المفتوح، وسلطة البيوسياسة في السيطرة على الجسد الأنثوي لإعادة إنتاج مجتمع خاضع في مجموعه. هذا التركيب الثلاثي يجعله أشدّ فعالية من نظم القمع الكلاسيكية التي تعتمد على تقنية واحدة وتستنزف مواردها بسرعة.
ثقافة الشرف سلاحًا انضباطيًا
تُوظّف الدولة ثقافة الشرف الأبوي سلاحًا انضباطيًا يجعل من المجتمع سجنًا موازيًا يُكمل عمل الجدران. احتجاز المرأة يُفعّل شبكة من التساؤلات المجتمعية عن كرامتها وسبب وجودها خارج البيت أصلًا. وهذه، بالضبط، الآلية التي رصدتها فيديريتشي تاريخيًا، الجسد الأنثوي الخارج عن السيطرة يُصبح جسدًا مشبوهًا يستوجب العقاب الاجتماعي قبل القانوني.
منذ يوليو 2013، صعّد النظام من ممارسات تشهيرية موجّهة ضد السجينات السياسيات. وجّه النظام لنساء اعتُقلن في مظاهرات مناهضة الانقلاب اتهاماتٍ بالدعارة، واستُخدمت مقاطع مُسرَّبة من هواتفهن دليلًا إدانياً أمام المحاكم. في شهادة موثّقة، رفض ضابط تدوين أقوال معتقلة، وسألها عن عذريتها، مُدّعيًا اعتقالها في شقة للدعارة؛ وهي تهمة لا صلة لها بأي نشاط سياسي، تُصاغ من العدم لتحويل النضال إلى وصمة تُسكت المرأة وتُسكت محيطها الاجتماعي.
كما رسّخت وسائل الإعلام الموالية هذه الصياغة عبر تساؤلاتها عن “ما الذي كانت تفعله المرأة في المظاهرات”، فجرّمت الوجود في الفضاء العام في المطلق، بعيدًا عن فعل محدّد. تُنتج الدولة الوصمة وتُغذّيها بنشاط، فتُحوّل المجتمع من فضاء محتمل للتضامن إلى امتداد عضوي لجهاز العقوبة الرسمي. في مفهوم فوكو للبانوبتيكون، يكفي أن يعلم الشخص باحتمالية المراقبة لينضبط تلقائيًا، دون حاجة إلى مراقب فعلي؛ وثقافة الشرف هي ذلك المراقب الدائم الحضور في كل بيت وكل حارة.
هذا النظام يعاقب كل من يخرج عن طوعه. حين تخرج النساء اللواتي يُمارسن دورهن الرعائي من البيت إلى الفضاء العام دفاعًا عن المعتقلين، تتحوّل الرعاية، في عيني الدولة، إلى تسييس يستوجب العقاب. يعتقل النظام وينكّل بزوجات وأمهات وبنات المعتقلين، لتحويل دورهن الرعائي الخاص إلى فعل سياسي مرئي يستوجب التكميم. صحفية اعتُقلت بسبب دفاعها عن زوجها المختفي قسرًا أمام قنوات المعارضة، ووُجّهت إليها تهمة “نشر أخبار كاذبة”.
وتُجسّد قضية عائشة الشاطر هذه الآلية؛ إذ اعتُقلت في نوفمبر 2018 مع ما يزيد على ثمانية عشر شخصًا، من بينهم زوجها. وأكّدت منظمة العفو الدولية أن اعتقالها مرتبط بعلاقتها بوالدها القيادي خيرت الشاطر، وبنشاطها العلني في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان بحق ذويها. عقب اعتقالها، تعرّضت للضرب المبرح والصدمات الكهربائية والاختفاء القسري، ثم نُقلت إلى سجن القناطر النسائي، حيث وضعتها السلطات في حبس انفرادي مطوّل في زنزانة صغيرة سيئة التهوية، محتجزةً فيها أكثر من ثلاث وعشرين ساعة يوميًا دون مرحاض. وخلصت منظمة العفو الدولية إلى أن تسعة أشهر متواصلة من الحبس الانفرادي ترقى بوضوح إلى مستوى التعذيب وفق القانون الدولي. تعاقب الدولة الجسد الرعائي بالأدوات ذاتها التي تعاقب بها الجسد السياسي، لأنها تُدرك أن التضامن الأسري العلني يُهدّد منطق العزل الذي يقوم عليه جهازها العقابي.
الجهاز الذي يُنتج المُجرِمة قبل الجريمة
يستخدم فوكو مفهوم “الديسبوزيتيف” (Dispositif)، أي الجهاز أو المنظومة؛ وهي شبكة من الأدوات التي تعمل معًا لإنتاج أثر سلطوي محدّد، بما تضمّه من مراسيم، وسجون، وخطابات، وقوانين، ودين، وأعراف اجتماعية. يكمن جوهر هذا المفهوم في أن السلطة لا تحتاج إلى إصدار أمر مباشر في كل لحظة، بل تعمل من خلال هذه الشبكة المتشابكة من القوانين والمؤسسات والخطابات التي تُنتج الجريمة قبل أن تُرتكب.
يجسّد جهاز القمع المصري بعد 2013 هذا المفهوم في تشكّل ثلاث أدوات تشريعية تعمل معًا لإغلاق الحلقة على الجسد السياسي وجعله مُدانًا بالتعريف. فقانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013 يُجرّم أي تجمّع عام لأكثر من عشرة أشخاص دون إذن مسبق من وزارة الداخلية، التي ترفض هذا الإذن بصورة منهجية. هنا، تُصنع الجريمة مسبقًا: فالقانون يخلق المُجرِمة بمنعها من الفعل القانوني، ثم يعتقلها على الفعل الذي أجبرها عليه. أما قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، فيُعرّف الإرهاب بصياغات مطاطة تشمل أي “إخلال بالنظام العام” أو “تعطيل للمؤسسات”، ما يُتيح تصنيف أي معارضة بوصفها إرهابًا بتعريف تشريعي سابق على أي فعل محدّد. وتمتلك نيابة أمن الدولة العليا صلاحية الحبس الاحتياطي المتجدد، الذي يصل نظريًا إلى سنتين، ويتجاوزهما في الممارسة عبر توجيه اتهامات جديدة باستمرار.
يصعب اختزال القمع في مصر بعد 2013 في قانون بعينه أو جهة أمنية واحدة؛ فالجهاز يعمل عبر تشابك قانون التظاهر مع قانون الإرهاب، ومع نيابة أمن الدولة، ومع ثقافة الشرف الأبوي، ومع وسائل الإعلام الموالية. وكلها معًا تُنتج المُجرِمة قبل أن ترتكب أي فعل، وتجعل وجود المرأة السياسي ذاته موضوعًا للملاحقة.
وقد وثّقت مؤسسة التحرير لسياسات الشرق الأوسط شهادة معتقلة سابقة قضت خمس سنوات في الاحتجاز دون أن تُبلَّغ بالتهمة الحقيقية الموجّهة إليها؛ وهي حالة تكشف المنطق الدائري الذي يُدير به الجهاز الأمني نفسه: فالاحتجاز يُنتج شروطًا قاسية، والاعتراض على هذه الشروط يستدعي احتجازًا إضافيًا، حتى إن المطالبة بالرعاية الصحية قد تستوجب توجيه اتهامات جديدة. داخل هذه الحلقة، يُعاد إنتاج “الجريمة” بصورة مستمرة.
ومن أبشع ما أنتجه النظام بعد 2013 ظاهرةُ “التدوير”، أي إعادة توجيه اتهامات جديدة إلى السجينات لحظة انقضاء محكوميتهن، بحيث يظللن رهن الاحتجاز إلى أجل مفتوح. يُحوّل التدوير السجنَ من ردّ فعل قانوني مؤقّت على فعل محدّد إلى حالة دائمة تعكس ما يُسمّيه جورجيو أغامبن “حالة الاستثناء الدائمة”: حين يتحوّل الاستثناء إلى القاعدة، يصبح هو النظام، ويتوقّف القانون عن كونه ضابطًا للسلطة، ليتحوّل إلى أداة في يدها. في هذا السياق، يتوقّف السجن عن معاقبة فعل بعينه، ليُحوّل وجود المرأة السياسي إلى حالة دائمة من الاحتجاز.
و قضية هدى عبد المنعم دليل على هذا الواقع، فرغم انتهاء مدة محكوميتها في أكتوبر 2023، أعادت السلطات تدويرها على ذمة قضيتين جديدتين بالاتهامات ذاتها، في حين تعاني من جلطات مزمنة في الأوردة والرئتين، وتوقّف الكلية اليسرى عن العمل، وأزمات قلبية متكررة. في أغسطس 2025، أُصيبت بأزمتين قلبيتين متتاليتين خلال أسبوع واحد. واقع قاسٍ وعقيم. وفي أكتوبر 2025، تقدّمت ابنتها بالتماس للعفو الرئاسي دون استجابة. الهدف من الاحتجاز المستمر هو إنتاج رعب دائم في جسد المرأة السياسية، وفي كل من يرى مصيرها.
التكنولوجيات الانضباطية وكسر الجسد من الداخل
تستخدم السلطة جسد المرأة لإعادة إنتاج الخضوع الاجتماعي وضمان استمراره. يسمّي فوكو التقنيات الدقيقة التي تُعلِّم الجسد هشاشته وتكسر إرادة المقاومة من الداخل “التكنولوجيات الانضباطية”. في السجون المصرية، تُصمَّم هذه التكنولوجيات لاستغلال المكانة الاجتماعية للجسد الأنثوي في مجتمع يربط شرف المرأة بجسدها؛ فهي تُذلّ المرأة المعتقلة على نحو يستهدف جسدها ومكانتها الاجتماعية معًا.
تروي إحدى الشهادات في تقرير لمؤسسة التحرير أن إجراءات التفتيش في سجن دمنهور تتضمّن إبقاء الوافدات في غرفة مغلقة يومًا كاملًا، حتى تتبوّل السجينة وتتبرّز أمام السجّانة، ثم تُطلب منها ملامسة برازها بحجة التأكد من عدم إخفاء ممنوعات. وفي سجون أخرى، تتعرّض الوافدات (وهو مصطلح يُطلق على السجينات الجدد في السجن) للتحرّش ليلة كاملة، ويُجبرن على البقاء في وضع القرفصاء لساعات طويلة. الهدف هو إنتاج الإحساس بالعجز التام: يُذلّ الجسد أولًا ثم يُسجَن، لأن إذلاله يُسرّع استسلامه. كما تصف شهادات موثّقة متعددة عمليات تفتيش تتضمّن المساس بالأعضاء التناسلية وتجريد السجينات من ملابسهن أمام الضباط، فضلًا عن كشوف العذرية الإجبارية قبل الإيداع. تُشهَّر هذه الممارسات بالجسد وتهينه لكسر الذات.
يسير التعذيب النفسي موازياً للجسدي في منظومة متكاملة: الحرمان من المراسلة، وقطع الأخبار عن الأطفال والأسرة والأحبّة. وقد قرّر ضابط في دمنهور، في أحد الأيام، منع السجينات من أدوات النظافة بلا سبب معلوم، فأُصيبت معظمهن بأمراض جلدية مزمنة. كما قُدِّمت الفوط الصحية بوصفها امتيازًا قابلًا للسحب في أي لحظة، وهو استهداف مباشر للإيقاع البيولوجي الأنثوي، كما يُسمّيه فوكو، حين تتحكّم السلطة في الدورة الشهرية للمرأة، تُعلن ملكيتها على الجسد في أكثر تجلياته هشاشة.
ويُكمل الإتلاف الجسدي المنهجي هذه المنظومة. فهناك ناشطة محتجزة في زنزانة انفرادية تعاني من فشل في النخاع العظمي أدّى إلى نقص حاد في الصفائح وكريات الدم الحمراء، في ظل حرمان تام من الرعاية الصحية المستقلة. هذا الإتلاف في الخفاء هو الانضباط كما عرفه فوكو: سلطة تعمل على الجسد بغياب الشاهد وبعيدًا عن الرقابة. وحين أصاب مخاضُ الولادة سجينةً ليلًا في القناطر، وصرخ الجميع طلبًا لنقلها إلى المستشفى، تبيّن أن مفاتيح العنبر غير متاحة، فولدت داخل العنبر في عزلة تامة، مع خطر حقيقي على حياتها وحياة طفلها. هذه الجرائم تُرتكب خلف أبواب مغلقة بقرار السلطة.
قضية مروة عرفة تكشف هذا التشابك بين الجسدي والنفسي بصورة متكاملة. فهي مترجمة اعتُقلت في أبريل 2020 بسبب تقديمها الدعم لأسر المعتقلين وتنسيقها حملة للدفاع عن أطفال السجون. اقتُلعت من طفلتها التي كانت تقلّ عن عامين، وقُطع تواصلها مع أسرتها لفترة طويلة؛ وهو تعذيب نفسي موثّق تجلّت آثاره في اضطرابات نطق طفلتها وحالتها النفسية المتدهورة بعيدًا عن أمها. وفي أغسطس 2025، أضاف الجسدي ثقله إلى النفسي: إذ أُصيبت بجلطة في الشريان الرئوي داخل السجن، فأعادتها إدارة السجن إلى زنزانتها بعد ليلة واحدة دون رعاية كافية، وطلبت من العائلة توفير الأجهزة الطبية بأنفسهم دون السماح لهم بزيارتها. استمر الحرمان من الأسرة حتى في لحظة الخطر الجسدي الأقصى.
تعمل المنظومة بوعي: فالجسد المريض يُعمّق الانهيار النفسي، والانهيار النفسي يُضعف قدرة الجسد على المقاومة، فيما تُحيل الدولة رعايتهما معًا إلى زميلات الزنزانة وتنسحب.
الفن التوزيعي: تدمير التضامن كهدف استراتيجي
يُسمّي فوكو أولى تقنيات الانضباط “الفن التوزيعي”، أي السيطرة على الفضاء بوصفها شرطًا أوليًا للسيطرة على الجسد. في سجون مصر، يأخذ هذا الفن أشكالًا متعددة، تعمل جميعها نحو هدف واحد: تدمير إمكانية التضامن بين السجينات. وُضعت معتقلات في زنازين انفرادية مساحتها 180×150 سم، وعُزلن بشكل تام عن باقي السجينات كي لا يتمكّنّ من التواصل ومعرفة الأخبار. الجسد المعزول جسد مخفي، والجسد المخفي جسد لا يملك شهودًا على معاناته.
في المقابل، تبدو زنزانة الإيراد، التي تضمّ نحو سبعين سجينة في مساحة 5×4 أمتار، نقيضًا للعزل، لكنها تؤدي وظيفة انضباطية مكمّلة، فالاكتظاظ المُنتِج للفوضى يمنع التنظيم بفاعلية لا تقل عن العزل. ويُضاف إلى ذلك الفصل بين الوافدات والقديمات، حتى لا تتمكّن السجينات الأقدم من مساعدتهن؛ وهو قرار يكشف عن وعي السلطة بأن شبكة التضامن بين السجينات هي أخطر ما تواجهه. ويتبع توزيع السجينات بين الزنازين أهواء ضابط الأمن، بحسب تقارير معتقلات سابقات، ومنها وضع سجينات سياسيات في زنازين قضايا جنائية خطيرة لقطع دعم السجينات الأخريات عنهن. هذه العشوائية الظاهرة تُخفي منطقًا انضباطيًا صارمًا.
المقاومة: الجسد الذي يرفض الانكسار
ومع ذلك، تقاوم السجينات. فقد وثّقت مراكز حقوقية تنظيمَ السجينات في سجن القناطر شكاوى جماعية موثّقة، ومطالبات بحقوقهن. وقابلت إدارة السجن ذلك بتصعيد القيود والاعتداء على المعتقلات؛ وهذه الاستجابة تكشف أن الدولة تُدرك أن التضامن النسائي داخل الزنازين يُشكّل تهديدًا حقيقيًا لمنطقها العقابي، أي أنها تُقرّ ضمنيًا بقوة ما تقمعه. كما خاضت ناشطة محتجزة إضراباتٍ عن الطعام احتجاجًا على ظروف زنزانتها، رغم تردّي حالتها الصحية الحاد.
وخارج الجدران، تُشكّل شبكات التضامن الحقوقي والنسوي المنظّم امتدادًا لهذه المقاومة. فالمؤسسات الحقوقية التي توثّق الشهادات، والمحاميات اللواتي يرفعن دعاوى من داخل السجن، وذوو المعتقلات الذين يواصلون المطالبة العلنية، كلهم يُشكّلون جسدًا جماعيًا مقاومًا يُفكّك منطق العزل الفردي الذي يقوم عليه الجهاز العقابي. إن توثيق الشهادات ذاته فعل سياسي: فكل اسم يُنطق علنًا هو رفض لمنطق الإخفاء القسري، وكل شهادة موثّقة فتحٌ لثغرة في جدار الصمت الذي تبنيه السلطة. يقول فوكو إن السلطة توجد حيث توجد المقاومة، وكلاهما وجهان لعملة واحدة. لذلك تعمل الدولة على قمع هذا التضامن وإرهابه، لأنها تدرك قدرته التنظيمية وخطورته على منطق العزل الفردي الذي يقوم عليه جهازها العقابي.
خاتمة: تفكيك الجهاز والنضال المستمر
يعمل جهاز القمع المصري بعد 2013 على ثلاثة مستويات متشابكة في آنٍ واحد، يُجرّم الوجود السياسي للمرأة عبر “الديسبوزيتيف” القانوني، ويُذلّ الجسد بيولوجيًا عبر التكنولوجيات الانضباطية المُجنسَنة، ويُحكم الحصار الاجتماعي عبر توظيف ثقافة الشرف الأبوي سلاحًا أمنيًا. هذا التركيب الثلاثي هو ما يجعل المقاومة الجماعية المنظّمة الردّ الأكثر تهديدًا للمنظومة، لأنها تُفكّك هذه المستويات الثلاثة في آنٍ واحد.
المجهولات اللواتي يواصلن احتجازهن اليوم بتهم “نشر أخبار كاذبة” يُثبتن أن الأجساد التي تحتجزها الدولة تحمل في داخلها جذوةً تأبى الخمود مهما بلغ الإنهاك. إن تفكيك هذا الجهاز يستلزم نضالًا مستمرًا من أجل الإفراج عن المعتقلات، وإلغاء قوانين التظاهر والإرهاب والحبس الاحتياطي المفتوح، وسياسة التدوير، وبناء بنية تضامن اجتماعي تقطع قدرة الدولة على توظيف منظومة الشرف الأبوي سلاحًا أمنيًا. فالنضال من أجل الإفراج عن المعتقلات السياسيات هو البوابة الأولى لتفكيك منظومة السجن من جذورها؛ جهازٌ بُني في خدمة الطبقة الحاكمة ويتغذّى على إخضاع كل جسد يقاوم.
استند هذا المقال إلى تقارير مؤسسة التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) ومنظمة العفو الدولية وتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش.





