ليست “حاضنة الأخوة” ولا “أم الدنيا”: كيف يتربح النظام المصري من بؤس اللاجئين

بدأت الشهر الماضي حملة أمنية عنصرية في مصر. انتشر أفراد الشرطة في ملابس مدنية في أنحاء القاهرة، مستهدفين السوريين والسودانيين والجنوب سودانيين ومواطني دول أخرى من افريقيا جنوب الصحراء. واخرها كان بمحاصرة الأمن الوطني لمنزل الحقوقي المصري نور خليل مدير منصة للاجئين في مصر بسبب نشره عن مقتل مواطن سوادني تحت التعذيب، عملية مشبعة بالتنميط العرقي الصارخ والعنصرية التي تدعمها الدولة، عملية حوّلت المهام الروتينية مثل شراء الخبز إلى عمليات تفتيش تعسفية للهوية لأي شخص أسود يجرؤ على السير في شوارع القاهرة. اٌعتقل من عُثرعليهم دون تصاريح إقامة جارية، حتى عندما قدموا بطاقات المفوضية أو إثباتات لمواعيد لتجديد الإقامة. في غضون أسبوعين فقط، اقتيد 5000 لاجئ إلى مراكز شرطة مكتظة، ما ترك مجتمعات بأكملها في حالة من الرعب.
من بين ضحايا الحملة كان مبارك قمر الدين، لاجئ سوداني يبلغ من العمر 67 عاماً عانى من مرض السكر والفشل الكلوي، وجريمته الوحيدة هي أنه كان يتنفس كمهاجر في القاهرة قبل أن يلقى حتفه في زنزانة بسبب الإهمال الطبي. على الرغم من تجديده لبطاقة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مؤخراً، وقع مبارك ضحية حملة تطهير أمنية تستهدف ”الهجرة غير النظامية“.
الحملة غير مسبوقة في توسعها وقمعها. جاءت كتراكم لسياسات قمعية في الفترة الأخيرة تدمر أسر ومجتمعات المهاجرين وأدت لاعتقالات وخطف وترحيل قسري ووفيات في الحجز. وتبنى النظام المصري عدة سرديات سخيفة زائفة لتبرير الاضطهاد من بين كون مصر الأخ المنقذ وكون اللاجئين عبئًا على الدولة. بينما ما وراء الاضطهاد هو في الحقيقة أزمة اقتصادية حولت النظام إلى نظام من المرتزقة للمصالح الأوروبية تستخدم اللاجئين ككبش فداء بينما تتربح من بؤسهم.
دمار مستمر للمجتمعات
حتى قبل الحملة، كان المهاجرون في مصر يعيشون حياة تشبه فخاً لا مفر منه. ورغم أنهم قد يكونون في مأمن من العنف المسلح المباشر، إلا أنهم يظلون محبوسين في حالة من عدم اليقين القانوني ويُجبرون على الاعتماد على سبل عيش غير رسمية تتسم بأقصى درجات الاستغلال.
ومن العوامل الأساسية في هذه الحالة تصوير الدولة المستمر للمهاجرين واللاجئين على أنهم ”مؤقتون“، وهو وصف يحرمهم فعلياً من إمكانية الاندماج الرسمي والمشاركة السياسية والحقوق الاجتماعية. تركز القوانين والممارسات الرسمية المصرية على عودة المهاجرين في نهاية المطاف، ولا توفر سوى مسارات قليلة، إن وجدت، للحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية لغير المصريين. ويؤدي هذا «البقاء» المطول إلى دورات لا تنتهي من العنف المنهجي والإهمال الذي تقره الدولة.
نظام الاضطهاد المستحدث
وليست حوادث الوفاة الأخيرة مآسي منفردة أو أخطاء إدارية، بل جزء من أسلوب ونمط ممنهج من الاعتقالات والترحيلات التعسفية التي اشتدت منذ صدور قانون اللجوء المصري لعام 2024. نقل القانون الجديد مسؤولية شؤون اللاجئين من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى لجنة حكومية جديدة، ويمثل تحولاً من الرقابة الدولية إلى السيطرة الحكومية الكاملة. أُطلقت الحملة رسمياً بحجة ضبط قوانين الهجرة والإقامة، لكنها أدت في الواقع إلى زيادات في الترحيل القسري وانتهاكات لأساسيات الحياة مثل حرية الحركة والصحة والتعليم. بموجب اللائحة الجديدة، منح النظام نفسه سلطة الترحيل التعسفي لأي شخص يُعتبر تهديداً لـ”النظام العام“.
والأخطر من ذلك هو أن القانون يقسم طلبات اللجوء إلى فئتين ”مشروعة“ و”غير مشروعة“ بناءً على كيفية دخول الشخص إلى مصر – حيث يواجه أولئك الذين وصلوا بطريقة غير نظامية فترات فحص أوراق أطول ومخاطر ترحيل أعلى، وهو ما يثير، وفقاً للمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين، مخاوف جدية بشأن تجريم طالبي اللجوء وحرمان من لا يستطيع الوصول إلى طرق الهجرة النظامية من الحماية.
ومع حملة الاعتقالات ظهر كيف أن في ظلام مراكز الشرطة، للحرية حرفيًا ثمن. يتم استجواب المحتجزين ليس فقط بشأن وضعهم القانوني، بل بشأن قدرتهم على دفع ”رسوم التسوية“. أولئك الذين يستطيعون الدفع، أو يجدون وسيطاً يدفع نيابة عنهم، يحصلون على تأجيل مؤقت للترحيل؛ أما أولئك الذين لا يستطيعون، فيُتركون ليتعفنوا في الزنازين حيث يضطرون للنوم بالتناوب بسبب ضيق المساحة. غالباً ما لا يكون أمام العائلات خيار سوى اللجوء إلى وسطاء يتقاضون رسوماً باهظة لـ”تسريع“ الإجراءات أو تأمين الإفراج عن أحد الأقارب. الكمائن الإدارية، مثل تحديد مواعيد تجديد الإقامة في أوقات بعيدة في المستقبل تصل إلى عام 2027 أو 2029، تحول اللاجئين بهذه التكتيكات الاستفزازية إلى جماعة من المستهدفين ”غير القانونيين“، وتترك العائلات في مأزق قانوني حيث لا يمكنهم العمل أو الحصول على الرعاية الصحية أو إرسال أطفالهم إلى المدرسة.
مرتزقة أوروبا
ولم تأت سياسة وضع المهاجرين في ظروف من عدم الاستقرار القانوني القسري من قبيل الصدفة. في سياق حزمة دعم من الاتحاد الأوروبي بقيمة 8 مليارات يورو وما تم تصويره على أنه ”عصر ذهبي جديد“ للتعاون، تصبح مصر حريصة على إرضاء مانحها، وتصير شريكاً مركزياً في سياسات أوروبا الخارجية. الاتفاق الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه مال مقابل تنفيذ القمع، قد جهز وعزز جهاز الأمن المصري ليعمل كحارس حدود مرتزق ”للحصن الأوروبي“.
ومع ذلك، فإن هؤلاء المرتزقة أنفسهم يقعون في نهاية المطاف في براثن النظام الاقتصادي الهش في مصر، حيث يعيش ما يقدر بنحو 60% من السكان تحت خط الفقر أو قريباً منه. ويعيش أفراد الشرطة من الرتب الدنيا على رواتب تآكلت قيمتها بسبب عملة فقدت نصف قيمتها. ونتيجة لذلك، حولت ”إدارة“ ما يُسمى بـ”أزمة الهجرة“ الهستيرية في أوروبا احتجاز المهاجرين في مصر إلى مصدر دخل متوحش للموظفين من الرتب الدنيا لتغطية نفقاتهم.
كبش فداء
ومما يزيد الطين بلة، أن المهاجرون أصبحوا أداة سياسية مريحة ونافعة للنخب الحاكمة للتنصل من مسؤولياتهم السياسية في مواجهة كارثة اقتصادية مستمرة. صورت وسائل إعلام النظام والحملات العدوانية على الإنترنت اللاجئين ككبش فداء، يُلام ارتفاع أسعار العقارات بشكل جنوني واستنزاف الموارد الوطنية على وجودهم – كما لو أن هذه الأزمة بالذات لم تكن نتيجة لخيارات سياسية اتخذتها النخبة الرأسمالية العسكرية نفسها، التي أفرغت الخدمات العامة من مضمونها وجمعت ثروة على مر أجيال تفوق ما يمكن تصوره. أصبحت سردية “عبء” اللاجئين مهربًا للنظام يلوم عليها فقر الخدمات وارتفاع الإيجارات الناتجين من ظلمه واستغلاله.
تهميش سياسي
تضمنت لائحة القانون الجديد أيضًا أبعادًأ فجة للقمع السياسي. حيث يُجبر المهاجرون واللاجئون الآن على ”احترام قيم مصر وتقاليدها“ ويُمنعون من أي نشاط سياسي أو حزبي بحجة أن مثل هذا الانخراط يهدد ”الأمن القومي“.
منذ حوالي عام خرج عدد من السوريين في مدينة 6 أكتوبر للاحتفال بسقوط نظام الأسد، ورد النظام على التجمعات بقمع مفرط باعتقال البعض وترحيل آخرين. فهو نظام شديد الحساسية تجاه أي حراك سياسي خاصة من مهاجرين من دول خاضت ثورات في الفترة الأخيرة كسوريا والسودان.
يحاول النظام بهذه السياسات خلق طبقة عاملة مهاجرة غير مسموح لها بالمشاركة السياسة وفي وضع غاية الهشاشة يصعب عليها النضال لتحسين ظروفها بينما يسرق رأس المال قيمة عملهم. ولا سبيل لتحسين ظروف العمل والرواتب في مصر بشكل عام، بينما يشكل المهاجرون جزءًا مضطهدًا من هذه الطبقة العاملة.
التربح من البؤس
وفي الآونة الأخيرة، حوّل النظام المصري خطابه من تصوير السكان المهاجرين على أنهم ”عبء“ إلى نبرة أكثر سخافة، حيث ناقشوا استراتيجيات ”لتحويل ملايين اللاجئين من تكلفة كامنة إلى أصل اقتصادي منظم“ – كما لو أن المهاجرين لا قيمة لهم إلا من خلال إنتاجيتهم الاقتصادية. وقد صاغ البرلمانيون مفهوم ”الاندماج“ بعبارات استغلالية بحتة: لا يتعلق الأمر بكرامة المهاجرين وحمايتهم بقدر ما يتعلق بـ ”جني ثمار مهاراتهم التجارية الريادية “ من خلال تقنين اقتصاداتهم غير الرسمية لتوسيع القاعدة الضريبية. وهو ما يهدف أساسًا إلى تخفيف الضغط على ميزانية الدولة.
تحطيم الأسطورة
لطالما تغنى النظام بالأساطير الفارغة التي حاول أن يرسخها خاصة للخارج للدعاية لنفسه: مصر – «أم الدنيا!»، الخالدة، موطن الحضارة العتيقة والجمال الساحر. تزدهر وسط «منطقتها المضطربة المنكوبة»، وتعدو نحو مستقبل من الازدهار، المبني على مشاريع عملاقة قومية حديثة متلألئة. بلد الملاذ الكريم ”للوافدين لأسباب إنسانية“ الفارين من الحروب والصراعات، حيث يُرحب بهم كإخوة وضيوف في ”وطنهم الثاني“. أمة تقدم الخير صعدت ”في قلب أحداث الهجرة الإقليمية“، تعامل مجتمع المهاجرين بكرامة دون حشرهم في مخيمات. هذه هي الصورة الفارغة التي يُفترض أن تتخيلها.
إذا نزعنا هذا القناع الساحر، تظهر الصورة المزعجة غير المريحة: نظام يائس في مأزق، يغرق تحت أزمة ديون ساحقة، يتشبث بهذه السردية كحبل نجاة لجذب المزيد من رأس المال الأجنبي والحفاظ على شرعيته عالميًا. في ظل هذا النظام، أصبح المهاجرون التسعة ملايين المقيمين فيه سلعة يتم تداولها بلا رحمة من أجل تحسين سمعته على الساحة العالمية – كروت في لعبة سخيفة، تتشكل فيها “الضيافة” بمنطق التحكم الأمني. لعبة أودت بالفعل بحياة أولئك الذين يدعي النظام أنه يستضيفهم ويحميهم.
من يعامل ضيوفه بهذه الطريقة؟ لم ترقَ مصر بعد إلى مستوى أسطورتها الذاتية باعتبارها «أم الدنيا». لكن في النهاية لا تنبع المشكلة الحقيقية من أن مصر تحطم صورتها عن نفسها، بل من أنها تستخدم فكرة الضيافة نفسها كسلاح لتبرير نظام قائم على الابتزاز والاعتقال والاستغلال والسيطرة العنصرية.





