قبيل اجتماعات منظمة العمل
الحكومة “تتجمل” بقرار تنظيم “دور الحضانة”.. والمهم تطبيقه وتحسينه

كالعادة وقبيل اجتماع مجلس إدارة منظمة العمل السنوي في سويسرا، خرج علينا وزير العمل حسن رداد بقرارات تكميلية لقانون العمل بشأن دور الحضانة، تعمل على تجميل واقع المرأة العاملة البائس، وقبلها أوعزت الحكومة لعدد من نواب البرلمان القريبين منها التقدم بمقترح بإدخال تعديلات على بعض أحكام قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017 المعدل بالقانون رقم 42 لسنة 2019، وهو مطلب رئيس للجنة الخبراء بمنظمة العمل الدولية CEACR، في محاولة لمنع وضع الحكومة على القائمة السوداء التي تشمل الدول التي تنتهك الحريات النقابية وحقوق العاملين بأجر، وبالتالي استمرار المساعدات والدعم الدولي.
الوزارة أصدرت قبل أيام، القرار الوزاري رقم 48 لسنة 2026 بشأن تنظيم دور الحضانة في أماكن العمل والمكمل لقانون رقم 14 لسنة 2025، القرار طال انتظاره والمطالبة به، ولكن جوهر القرار لا يمكن قراءته باعتباره خطوة داعمة للمرأة العاملة بقدر ما هو إعادة صياغة لالتزام قانوني واضح في صورة عبء مالي جديد يُلقى على عاتق الطرف الأضعف في علاقة العمل.
فبينما ألزم القانون أصحاب الأعمال بتوفير حضانات كجزء من حماية الأمومة وتمكين النساء اقتصاديًا، جاء القرار ليُفرغ هذا الالتزام من مضمونه عبر تحويله إلى “خدمة مدفوعة جزئيًا” تموَّل من أجر العاملة نفسها، بما يمثل عمليًا فرض ضريبة غير مباشرة على العمل النسائي، ويعيد إنتاج التمييز داخل سوق العمل تحت غطاء تنظيمي.
ينقل القرار من الجانب الاقتصادي، التكلفة من صاحب رأس المال إلى عنصر العمل، وهو انحياز واضح في توزيع الأعباء داخل العملية الإنتاجية، ويؤدي إلى خفض صافي دخول النساء، ما قد ينعكس سلبًا على معدلات مشاركتهن في سوق العمل، خاصة في ظل بيئة اقتصادية تعاني أصلًا من ضغوط تضخمية وتراجع في القوة الشرائية. كما أن تحديد نسب الاستقطاع (4% للطفل الأول 3% للثاني 2% للثالث) دون تعريف واضح لمفهوم “الأجر” — هل هو الأساسي أم الشامل — يفتح الباب أمام تباينات تطبيقية واسعة، ويمنح أصحاب الأعمال مساحة تقديرية قد تتحول إلى أداة للالتفاف، بما يقوّض مبدأ العدالة ويخلق سوق عمل غير متكافئ.
ومن الجانب السياسي يكشف القرار عن توجه حكومي لتقليص التكلفة الاجتماعية على الدولة والقطاع الخاص معًا، عبر تحميلها جزئيًا للمواطن، وهو ما يتجلى في غياب أي دور تمويلي حقيقي من وزارة التضامن الاجتماعي، رغم كونها الجهة الأقدر على إدارة دعم من هذا النوع ضمن سياسات الحماية الاجتماعية. هذا الغياب لا يعكس فقط خللًا في تصميم السياسة، بل يطرح تساؤلًا أوسع حول أولويات الإنفاق العام ومدى التزام الدولة بتمكين المرأة كخيار استراتيجي، لا مجرد خطاب.
أما على مستوى التنفيذ، فإن ضعف الغرامات يجعل الالتزام بالقرار خيارًا اقتصاديًا وليس واجبًا قانونيًا، حيث قد يجد بعض أصحاب الأعمال أن كلفة المخالفة أقل من كلفة التطبيق، وهو ما يُفرغ القرار من أي أثر ردعي حقيقي. ورغم احتواء القرار على بعض الجوانب الإيجابية، مثل إتاحة الخدمة للرجال ومراعاة ذوي الإعاقة، إلا أنها تظل تحسينات شكلية لا تعالج جوهر الإشكال، بل تُستخدم لتجميل إطار عام يقوم في أساسه على نقل العبء بدلًا من معالجته.
في المحصلة، لا يعكس هذا القرار دعمًا حقيقيًا للمرأة العاملة بقدر ما يعكس إدارة للأزمة على حسابها، حيث يتحول “الحق” إلى خدمة، و“الحماية” إلى استقطاع، و“التمكين” إلى تكلفة إضافية.
وهو ما يستدعي إعادة نظر شاملة في فلسفة القرار، بحيث يُعاد تحميل التكلفة لمن يملك القدرة على تحملها، سواء عبر إلزام حقيقي لأصحاب الأعمال أو تدخل تمويلي مباشر من الدولة، بدلًا من استمرار هذا النموذج الذي يوازن ظاهريًا بين الأطراف، بينما يميل فعليًا ضد الطرف الأضعف.
ويكشف واقع النساء في سوق العمل وفي المجال العام عن فجوات واضحة بين ما تنص عليه القوانين وما تعيشه النساء فعليًا في حياتهن اليومية. فما تزال نسبة كبيرة من النساء تعمل في قطاعات غير رسمية تفتقر إلى الحماية الاجتماعية، كما لا تزال فجوة الأجور قائمة، وتبقى فرص الترقي والوصول إلى مواقع اتخاذ القرار محدودة في كثير من المجالات. وتتحمل النساء أعباء مضاعفة بين العمل المأجور وغير المأجور داخل الأسرة، في ظل نقص السياسات الداعمة لتحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية، فيما ما تزال العديد منهن يواجهن أشكالًا مختلفة من التمييز والعنف داخل أماكن العمل، مما يحد من مشاركتهن الكاملة والمتكافئة في الحياة الاقتصادية.
ورغم بؤس الواقع، ولكننا نرى أن هذا القرار سيساعد على تقوية صوت العاملات والعمال في النضال للمطالبة بحقوقهن القانونية، ونضم صوتنا الى المنظمات الحقوقية والنسوية في المطالبة بتحسين شروط القرار:
· تعديل الحد الأدنى لعدد العاملات بالمنشأة ليكون (30) عاملة بما يوسع نطاق الاستفادة.
· إعادة النظر في نظام المساهمة بما يحقق التوازن بين تشجيع التطبيق وعدم تحميل العاملات أعباء إضافية.
· تحديد الأساس الذي تُحسب عليه أي مساهمات (الأجر الأساسي أو الشامل) بشكل واضح.
· وضع ضوابط واضحة لمواعيد تشغيل دور الحضانة بما يتناسب مع طبيعة أنماط العمل المختلفة.
· تعزيز آليات المتابعة والرقابة لضمان التطبيق الفعلي.
· العمل على إدماج العاملات في القطاع غير الرسمي ضمن سياسات وخدمات





