الغارمات في مصر: لما الفقر يبقى جريمة

في مصر، آلاف الستات بيدخلوا السجن كل سنة بسبب ديون صغيرة نسبيًا. أغلب الحالات مش مرتبطة بمشاريع أو مغامرات مالية، لكن باحتياجات أساسية: تجهيز بنت، علاج، أو حتى مصاريف يومية. في ظل الغلاء المستمر وضيق فرص الشغل، الاستدانة بتبقى أحيانًا الخيار الوحيد قدام ناس معندهاش بدائل.
أوضحت بعض تقارير منظمات المجتمع المدني إنه مفيش إحصائية دقيقة لأعداد الغارمات في مصر، لكن وفقًا لتقديرات رسمية، الأعداد بتوصل لحوالي 30 ألف سجينة غارمة، وده يمثل ما بين 20% إلى 25% من إجمالي السجناء. الرقم ده في حد ذاته كاشف لحجم الظاهرة، وبيحطها في إطار أوسع من مجرد حالات فردية متفرقة.
معدلات الفقر نفسها بتدي سياق أوضح للمشكلة. أحدث بيانات رسمية كانت بتشير إلى ارتفاع نسبة الفقراء من 25.2% في نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2010–2011 إلى نحو 30% في 2020. ورغم إن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء امتنع عن تحديث بيانات الفقر خلال السنوات الأخيرة، ولكن بعض التقديرات الغير رسمية بتشير إلى استمرار الزيادة، لحد ما وصلت النسبة إلى حوالي 35.7% من السكان في 2023. الأرقام دي بتوضح إننا قدام واقع بيتدهور وبسرعة.
الصورة بتكتمل أكتر لما نبص على وضع النساء المعيلات. الإحصاءات الرسمية بتشير إن نسبتهم بتتراوح ما بين 16% إلى 18.2% من الأسر المصرية، بينما بعض الدراسات بتوسع التقدير لحد حوالي 30% من الأسر اللي بتعتمد بشكل أساسي على دخل النساء. وفي تقديرات بتتكلم عن نحو 12 مليون امرأة معيلة. الأرقام دي معناها إننا بنتكلم عن شريحة ضخمة ومركزية في المجتمع، مش حالة هامشية.
الواقع الاقتصادي للفئة دي غالبًا أصعب من المتوسط العام. نسب الفقر بين النساء المعيلات أعلى، ومسؤولياتهن أكبر، في ظل فرص عمل محدودة وأجور أقل. ومع غياب دعم كافي، بتتحول أي أزمة طارئة لضغط مباشر بيخلّي الاستدانة شبه حتمية.
كمان طبيعة العمل نفسها بتلعب دور أساسي في تعميق الأزمة. نسبة كبيرة من الغارمات بيشتغلوا في القطاع غير المستقر، خصوصًا في أعمال خاصة أو غير رسمية، من غير عقود واضحة أو ضمانات. النوع ده من الشغل بيخلّي الدخل متقلب، ومفيش أي حماية في حالة المرض أو الطوارئ، وبالتالي أي خلل بسيط في الدخل ممكن يتحول مباشرة إلى عجز عن السداد.
وفي سياق أوسع، بعض الدراسات بتوضح إن ظاهرة الغارمين مش مقتصرة على النساء فقط، بل تشمل الرجال بنسبة أكبر. دراسة أجرتها مؤسسة “مصر الخير” بتشير إن حوالي 68% من الغارمين من الذكور مقابل 32% من الإناث، وده بيكشف إن المشكلة مرتبطة ببنية اقتصادية أوسع بتدفع قطاعات كبيرة من المجتمع للاستدانة. كمان بتوضح الدراسة توزيع الظاهرة جغرافيًا، حيث تتركز بنسبة 44% في الوجه البحري و46% في الوجه القبلي، وهو ما يعكس انتشارها في مختلف المناطق، مع ارتباطها بمستويات الفقر والتهميش.
اللي بيحصل بعد كده معروف: إيصالات أمانة، مواعيد سداد، وتعثر. ومع أول عجز عن الدفع، بيتحول الموضوع من أزمة معيشية إلى قضية جنائية. الست نفسها بتبقى هي الحلقة الأضعف في السلسلة كلها، لكنها في النهاية بتتحمل العقوبة كاملة.
في الظروف دي، الاستدانة متعتبرش اختيار حر بقدر ما هي محاولة لتفادي الأسوأ. لكن المنظومة بتتعامل مع النتيجة بس، مش مع الأسباب. القانون بيتدخل في اللحظة اللي بتظهر فيها الأزمة، بعد ما تكون كل الخيارات التانية خلصت بالفعل.
سجن الغارمات بيكسر أسر كاملة. أطفال من غير مصدر دخل، تعليم بيتقطع، وضغط اجتماعي ونفسي بيتراكم. التأثير مش بيقف عند لحظة الحبس، لكنه بيستمر حتى بعد الخروج. كتير من الغارمات بيلاقوا نفسهم راجعين لمجتمع اتغير عليهم، وأسر اتعودت على غيابهم، وده بيخلق إحساس بالغربة والعزلة.
في حالات كتير، الغياب الطويل بيؤدي لتفكك أسري أو اضطراب في حياة الأبناء، خاصة مع غياب الرعاية والاستقرار. ومع وصمة السجن، بتبقى فرص إعادة الاندماج أصعب، سواء في الشغل أو العلاقات الاجتماعية، وده بيحطهم تحت ضغط مستمر وبيقلل قدرتهم على بدء حياة جديدة. الوضع ده بيخلّي الخروج من السجن مش نهاية الأزمة، بل بداية شكل جديد منها، أحيانًا أشد تعقيدًا، ومع غياب دعم حقيقي لإعادة الدمج، بتفضل احتمالات الرجوع لنفس الدائرة قائمة.
الصورة دي بتفتح سؤال مباشر عن شكل الحلول الممكنة، التعامل مع الظاهرة مش بيبقى من خلال مبادرات خيرية أو تسويات فردية، لكن عبر تغيير جذري في القواعد نفسها. ده يشمل وقف حبس الغارمات فورًا وإلغاء القوانين اللي بتحول الدين المدني لجريمة، لأن معاقبة الفقر بالشكل ده بتكرّس نفس الأزمة بدل ما تحلها.
كمان بيطرح طرح تاني متعلق بطبيعة الاقتصاد نفسه، من خلال السيطرة العامة على مؤسسات التمويل اللي بتستفيد من احتياج الفئات الأفقر، مع إسقاط ديون الغارمات اللي ارتبطت بالاحتياجات الأساسية. الفكرة هنا إن الدين في الحالات دي مش علاقة “حرة” بين طرفين متساويين، لكنه نتيجة اختلال واضح في القوة والموارد.
وفي نفس الاتجاه، بيبقى فيه تركيز على إعادة توزيع الموارد بشكل فعلي: ضمان دخل يكفي المعيشة، وتوفير احتياجات أساسية زي العلاج والتعليم وتجهيزات الزواج من خلال الدولة، بدل ما تتحول لمسؤولية فردية على ناس مواردها محدودة أصلًا. ده بيقلل أصلًا من اللجوء للاستدانة.
كذلك، بدل الإعانات المؤقتة، بيكون فيه توجه لبناء فرص عمل مستقرة، زي مشروعات إنتاجية جماعية تملكها العاملات نفسهم، بحيث يبقى فيه دخل ثابت مش مرتبط بالمساعدات. ومع توفير خدمات أساسية مجانية، العبء المالي على الأسر بيخف، وده بيقلل احتمالات الوقوع في نفس الدائرة من الأساس.
أي نقاش جدي عن الغارمات لازم يلمس جذور المشكلة: مستوى المعيشة، توزيع الدخل، وطبيعة الحماية الاجتماعية. طول ما الأساس ده ثابت، الحالات هتفضل تتكرر مهما كان فيه تدخلات جزئية أو حلول مؤقتة.





