بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

“حماية المرأة” كذريعة: كيف تعاقب الدولة النساء الفقيرات؟

“قراءة في قرار وزارة العمل المصرية بحظر عمل السيدات في العمالة المنزلية والمقاهي بالخارج”

أصدرت وزارة العمل المصرية في 1 أبريل 2026 تعميمًا رسميًا ملزمًا لشركات إلحاق العمالة بالخارج يحظر سفر السيدات المصريات للعمل في الأعمال المنزلية أو في المقاهي والكافيهات. وقد بررت الوزارة هذا القرار بتنظيم سوق العمل وحماية كرامة المرأة المصرية وضمان فرص عمل آمنة ولائقة.

هذا القرار ليس مجرد إجراء إداري، بل هو منع تعسفي تمييزي يعتمد على الجنس، حيث يخالف صراحة الدستور المصري في المادة 53: والتي تؤكد على المساواة وعدم التمييز بسبب الجنس.
و المادة 62: والتي تكفل حرية التنقل والهجرة، وتحظر المنع إلا في حالات محددة بالقانون وبضرورة عامة. كما يخالف ايضاً المادة 11 التي تلزم الدولة بتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

هذا القرار لا يخالف الدستور فقط بل ويتعارض ايضاً مع التزامات مصر الدولية بموجب اتفاقية CEDAW (القضاء على التمييز ضد المرأة) والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 12 الخاصة بحرية التنقل).

لذا يثار التساؤل عن الهدف الحقيقي من إصدار مثل هذا القرار: هل حماية النساء أم سيطرة على النساء الفقيرات؟

تعد فكرة سمعة مصر أو كرامة المرأة المصرية في قرار وزارة العمل الغطاء الأيديولوجي الرئيسي للقرار، فالوزارة والإعلام الرسمي والنواب المؤيدين يبررون الحظر بأنه يحفظ كرامة المرأة المصرية ويمنع تعريضها لأوضاع مهينة قد تمس مكانتها أو تشوه صورة مصر في الخارج.

بيد أن السمعة ليست مفهومًا محايدًا أو إنسانيًا عامًا؛ بل هي مصطلح طبقي يستهدف الفقراء وخاصة النساء الفقيرات والمعيلات ويخدم مصالح الطبقة الحاكمة. حيث يفترض هذا الخطاب أن المشكلة في نوع المهنة أو في «ضعف» المرأة وليس في نظام الكفالة نفسه وفي الفقر الذي يدفع النساء إلى الوقوع تحت وطأته.

الطبقة المستهدفة من هذا القرار هي الفقراء فقط ، فالنساء اللواتي يلجأن للعمالة المنزلية بالخارج هن غالبًا من الطبقات الشعبية التي تم إفقارها بقرارات النظام الحالي.

فوفقًا للإحصاءات الرسمية الأخيرة (بحث الدخل والإنفاق الصادر في 2019/2020) فإن 29.7% من السكان تحت خط الفقر الوطني، ووفقا لتصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في ديسمبر 2025 والتي أكد فيها أن آخر الإحصاءات الرسمية تشير إلى نحو 29-30%، وفي تقرير البنك الدولي الصادر عام 2025، 33.5% في 2021.

أما عن التقديرات الغير رسمية والصادرة عن بعض الخبراء فقد ارتفعت النسبة إلى 35.7% في 2022-2023. كما أن بعض التقارير تشير إلى أن النسبة بين 60:66.2% إذا استخدم خط الفقر العالمي أو مقاييس أوسع (مثل من يحصل على أقل من 10 آلاف جنيه شهرياً تقريباً).

أما عن عدد ونسبة النساء المعيلات لأسرهن، فالرقم الأكثر تداولاً (منذ 2017-2023) حوالي 12 مليون امرأة معيلة تشمل من يرأسن الأسرة أو يقمن بدور الإعالة الرئيس، ويقدر آخرون عدد الأسر التي ترأسها إناث: حوالي 3.3-4.1 مليون أسرة حسب التعدادات المختلفة.

وتبرز هذه الأرقام التناقض في القرار، فعلى الرغم من ارتفاع الفقر خاصة بين النساء الفقيرات والمعيلات، يحظر السفر لمهن تعتبر “مهينة” وفقًا للدولة، بينما النساء المعيلات (12 مليون تقريبًا) يتحملن عبئاً اقتصاديًا كبيرًا داخل مصر بدون دعم حقيقي من الدولة، وبالتالي قد يلجأن إلى عمل غير رسمي أو هجرة غير نظامية.

وهذا يعكس كيف تستخدم الدولة خطاب “الحماية” للسيطرة على قوة العمل النسائية الفقيرة دون حل الأزمة الطبقية الأساسية من بطالة وفقر وغياب فرص عمل الناتج عن فشل النموذج النيوليبرالي في مصر، حيث تفضل الدولة إلقاء اللوم على الضحايا.

لذا يجب أن نتساءل هل اتخذت الدولة المصرية أي إجراءات حقيقية لمواجهة نظام الكفالة وحماية العاملين بالخليج في ظل نظام الكفالة؟

نظام الكفالة هو الآلية القانونية الرئيسية التي تحكم هجرة وعمل العمالة المهاجرة في دول الخليج، حيث يربط الإقامة القانونية والعمل للعاملة بكفيل واحد وهو صاحب العمل.

ومن الناحية العملية، هناك ارتباط كامل بين العاملة والكفيل، حيث لا تحصل العاملة على تأشيرة إلا من خلال الكفيل وإقامتها مرتبطة به فقط، فلا يمكنها السفر أو تغيير العمل بدون موافقة كتابية من الكفيل، والذي يتحمل مسؤولية قانونية كاملة عن العاملة مما يمنحه عليها سلطة شبه مطلقة.

فضلًا عن أن العمالة المنزلية مستثناة تمامًا أو جزئيًا من قوانين العمل العادية، حيث لا يوجد حد أقصى لساعات العمل ولا إجازات مدفوعة ولا حماية من العنف الجنسي والجسدي. وعليه هذا النظام يحول العلاقة الرأسمالية إلى علاقة شبه إقطاعية أو عبودية حديثة كما تصفها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العمل الدولية.