بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اللاجئون في مصر بين التصعيد الأمني وخطاب الكراهية الشعبي

تدفقت أعداد كبيرة من الفارّين إلى مصر هربًا من العنف والانهيار الكامل لمقومات الحياة، عقب الحرب التي اندلعت في 2023 بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا. لكن ما واجهوه لم يكن فقط صعوبات الاندماج أو ضيق الموارد، بل أيضًا أنماطًا متزايدة من الملاحقة، حيث بلغت الحملات الأمنية ذروتها في 2025، وطالت عشرات الآلاف من السودانيين والسوريين والجنوبيين ومختلف الجنسيات.

غالبًا ما تنتهي هذه الحملات بالترحيل جوًا في حال دفع مبالغ تتجاوز عشرة آلاف جنيه مصري، أو بالاحتجاز لأسابيع داخل أقسام الشرطة أو مراكز الاحتجاز، في ظروف تصل في بعض الحالات إلى اللاإنسانية، وقد انتهت بوفاة عدد من المحتجزين.

لا يمكن فهم هذه السياسات بمعزل عن التحولات الاقتصادية التي تمر بها مصر. فمع تفاقم التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وتوسّع سياسات التقشف، يصبح المجال العام أكثر قابلية لتوجيه الغضب الاجتماعي نحو “الآخر” الأضعف. هنا، يتحول اللاجئ من شخص يبحث عن الأمان إلى موضوع أمني واقتصادي، يُعاد تعريفه كعبء على الموارد المحدودة، رغم أن مساهمته الفعلية—خاصة في الاقتصاد غير الرسمي—غالبًا ما تكون جزءًا من دورة البقاء لا سببًا في الأزمة.

في هذا السياق، يصبح الاحتجاز—بما يحمله من انتهاكات وسوء ظروف معيشية وغياب للرقابة—امتدادًا منطقيًا لمنظومة ترى في الهجرة مسألة ضبط لا حماية. ولا تبدو حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز مجرد “حوادث”، بل تعبيرًا مكثفًا عن هشاشة البنية التي يُحتجز فيها هؤلاء، وعن موقعهم في سلم الأولويات.

يرتبط تشكّل الدولة الحديثة بصعود مفهوم القومية، خاصة في أوروبا منذ القرن التاسع عشر، حيث أُعيد تعريف الانتماء على أساس اللغة والعرق والتاريخ المشترك، ثم تُرجم هذا الانتماء إلى حدود جغرافية صارمة. ولم تكن هذه الحدود دائمًا بهذه الصلابة؛ إذ عرف البشر عبر قرون طويلة أنماطًا أكثر سيولة للحركة، حيث كان الانتقال بحثًا عن الرزق أو الأمان جزءًا طبيعيًا من الحياة.

غير أن الدولة الحديثة، في سعيها إلى التنظيم والسيطرة، حوّلت الحركة إلى مسألة خاضعة للتصاريح والوثائق، وقسمت العالم إلى وحدات سياسية مغلقة نسبيًا. هكذا، لم يعد الإنسان يذهب ببساطة إلى حيث يمكنه أن يعيش، بل أصبح مطالبًا بإثبات “أحقيته” في الوجود داخل حدود معينة.

في المقابل، لا يبدو أن معظم الدول تُولي اهتمامًا فعليًا بمعاناة مواطنيها. ففي السودان، تتكرر تصريحات رئيس مجلس السيادة وقائد القوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، بشأن ضرورة عودة المواطنين من دول الجوار لـ“تطبيع الحياة” في الخرطوم والمدن “المحررة”، رغم أن هذه المناطق لا تزال غير آمنة. فقد شهدت العاصمة حوادث عدة بسبب انفجار ألغام ومخلّفات حرب لم يتم التخلص منها، إلى جانب تفشٍ مستمر لأمراض مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك، وظهور حالات من حمى الشيكونغونيا، فضلًا عن الإسهالات المائية الناتجة عن تلوث مياه الشرب، في ظل نقص حاد في الأدوية والكوادر الطبية.

في الوقت نفسه، تحث الحكومة السودانية نظيرتها المصرية على مزيد من التضييق على السودانيين، عبر وقف أو تعقيد إجراءات الإقامة وتعطيل الدراسة في المدارس السودانية والمراكز الخارجية للجامعات. وعلى الجانب الآخر من الحدود، رفعت السلطات السودانية رسوم العبور، ما أدى إلى تكدس العائدين وتعطّلهم لحين السداد—في تناقض واضح مع خطاب “تشجيع العودة”.

في ضوء ذلك، لا يبدو تكثيف الحملات الأمنية في مصر عشوائيًا من حيث الجغرافيا الاجتماعية؛ إذ تتركز غالبًا في الأحياء ذات الدخل المحدود، حيث يقيم اللاجئون إلى جانب مصريين يعانون أصلًا من هشاشة اقتصادية مماثلة. في هذه المساحات، يتجاور الفقر مع الفقر، لكن أدوات الدولة لا تتجه لمعالجة أسبابه البنيوية، بل لضبط حركته.

يؤدي ذلك إلى خلق توترات كامنة، حيث يُدفع السكان—بشكل مباشر أو غير مباشر—لرؤية اللاجئ كمنافس على موارد شحيحة: السكن منخفض التكلفة، وفرص العمل غير المستقرة، والخدمات العامة المتآكلة. وهنا تتقاطع السياسات الأمنية مع ديناميكيات السوق، لتنتج بيئة قابلة للاحتكاك الاجتماعي بدلًا من التضامن.

الأخطر ربما هو الخطاب المصاحب لهذه السياسات. فقد تصاعدت أصوات—في الإعلام وعلى منصات التواصل—تطالب اللاجئين بـ“العودة إلى بلادهم” أو “تحمل مسؤولية وجودهم”، في تجاهل صارخ للظروف التي دفعتهم إلى الفرار. هذه الدعوات لا تنفصل عن عملية أوسع لإعادة توزيع اللوم.

في ظل أزمات اقتصادية متفاقمة، يصبح من الأسهل سياسيًا تحميل المسؤولية لفئات أضعف: المواطن يُلام على “الاستهلاك” أو “سوء الإدارة الفردية”، بينما يُلام اللاجئ على الضغط على الخدمات وارتفاع الأسعار. هكذا، تُعاد صياغة الأزمة من كونها نتاج سياسات اقتصادية كلية إلى نتيجة “سلوكيات” فردية أو وجود “آخر” زائد.

لكن هذا التحويل لمسار اللوم لا يحل الأزمة، بل يعمّقها، إذ يخلق انقسامات اجتماعية حادة، ويُبعد النقاش عن جذوره الحقيقية: طبيعة السياسات الاقتصادية، وأولويات الإنفاق، وآليات توزيع الموارد.

في النهاية، تكشف ملاحقة اللاجئين السودانيين في مصر عن أكثر من مجرد سياسة هجرة؛ إنها مرآة تعكس كيفية تعامل الدولة والمجتمع مع الأزمات: هل تُدار عبر التضامن وإعادة التوزيع، أم عبر الضبط والتقسيم؟

بين هذين الخيارين، تتحدد ليس فقط حياة اللاجئين، بل أيضًا شكل المجتمع نفسه.