ضحية جديدة للقمع والذكورية:
بيج ياسمين.. عندما يصبح الاختلاف جريمة

اعتقلت قوات الأمن المصرية ياسمين عادل عبدالحميد، المعروفة على منصات التواصل الاجتماعي باسم “بيج ياسمين”، صباح أمس، الأربعاء، من منطقة الهرم في الجيزة، لتُودَع رهن التحقيق أمام النيابة العامة. التهمة الرسمية التي وُجِّهت هي نشر محتوى “مخالف للقيم المجتمعية والدينية” عبر منصة تيك توك وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي.
بيج ياسمين لاعبة كمال أجسام مصرية تمتد تجربتها الرياضية لأكثر من عشرين عاماً، تقدم محتوى يمزج بين اللياقة البدنية وأسلوب حياة يكسر الصورة النمطية للجسد الأنثوي المُعترف به اجتماعياً في مصر. جسدها القوي المفتول بالعضلات، الذي كرّست له سنوات من التدريب، أصبح في نظر السلطة ومُبلِّغيها جريمةً، تستدعي تحريك النيابة العامة وتجنيد أجهزة الأمن لضبطها وإحضارها.
جاءت عملية الاعتقال بناءً على بلاغ رسمي رفعه أحد المحامين أمام النائب العام، متهماً إياها بجملة من التوصيفات ذات الحمولة الأيديولوجية الثقيلة، أبرزها “التشبه بالرجال”، و”الإخلال بالفطرة السليمة”، و”الترويج لسلوكيات تُفسد الشباب والمراهقين”.
وتمسّك البلاغ بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إلى جانب مواد قانون العقوبات المتعلقة بـ”التحريض على الفسق والفجور”، في ما يبدو تكتيكاً قانونياً متكرراً تلجأ إليه الدولة وامتداداتها الأهلية لملاحقة النساء اللواتي يتجرأن على تحدي الصورة المفروضة للمرأة الكادحة و قيم الأسرة.
ما يكشفه هذا الاعتقال يتخطى قضية بيج ياسمين، فالدولة المصرية، منذ انقلاب يوليو 2013، طوّرت منظومة قمع متشعبة تستهدف في المعارضين السياسيين والناشطين اليساريين والإسلاميين، و المتضامنين مع فلسطين وتمتد أذرعها أيضاً لتطال النساء اللواتي يخرجن عن المألوف الجندري أو الأخلاقي المُعتمد رسمياً.
قوانين “انتهاك قيم الأسرة” و”المحتوى المخالف للآداب العامة” هي أدوات جاهزة الاستخدام، تتيح للدولة إزاحة أي صوت أو جسد يُخلّ بصورة الإجماع الاجتماعي الموهومة التي يسعى النظام إلى إنتاجها باستمرار. و تطول هذة العقوبات الطبقة الكادحة بالاخص.
النساء اللواتي يُلاحَقن بتهم “المحتوى المسيء” في مصر ينتمين في الغالب إلى طبقات وسطى أو شعبية وجدت في المنصات الرقمية أداةً للكسب والتعبير والحضور العام في ظل اقتصاد يخدم الطبقة الحاكمة و البرجوازية. المال الذي يتدفق من المشاهدات والمتابعات هو عائد عمل فعلي، وهذا العمل الرقمي، على تناقضاته ومحدوديته ، يُمثّل بالنسبة لكثيرات مساراً لاستقلالية اقتصادية ولو جزئية. ملاحقة هؤلاء النساء قضائياً تُصادر هذا الاستقلال وتُعيد تأكيد سلطة الدولة على الجسد في الفضاء العام والرقمي.
اللافت أن الاتهام الأساسي في قضية بيج ياسمين هو “التشبه بالرجال”، أي أن جريمتها الأساسية تتمثل في أن جسدها يُخلخل الثنائية الجندرية الصلبة التي يحرص النظام المحافظ على صونها. مع ان الملابس والمظهر ليسوا دليل على هوية الشخص الجندرية. حق ياسمين في التمرين بالجيم وفي جسدها وفي ملابسها حق مصون، والجريمة الوحيدة الحاضرة في هذه القضية هي جريمة الدولة التي تُجرِّم الأجساد.
السجن في مصر، كما في كل مكان، هو مؤسسة قمع طبقي وجندري، تقع تبعاتها بصورة متفاوتة على الفقراء والنساء وكل من تجرأ على كسر إجماع السلطة. المطالبة بالإفراج عن بيج ياسمين تنطلق من الرفض لتحكم الدولة في ضبط الأجساد و تجريم كل جسد خارج عن طاعتها.
ترقد بيج ياسمين الآن أمام النيابة العامة، وهاتفها تحت الفحص بحثاً عن “أدلة” في محتوى ليس فيه من جريمة سوى أنه يُزعزع الصورة التي تريد الدولة أن يراها الناس عن المرأة المصرية. النيابة العامة التي تُحقق في مقاطع فيديو لامرأة تمارس رياضة كمال الأجسام هي النيابة ذاتها التي أضفت الشرعية على سنوات من الاحتجاز التعسفي لآلاف المعتقلين السياسيين، من ناشطي ثورة يناير إلى الحركة العمالية إلى طلاب الجامعات. الخيط الرابط بين هؤلاء جميعاً هو أن الدولة تُعرِّف “الانتهاك” بما يخدم استمرارها ويكرّس سيطرتها.
القضية تستوقفنا أيضاً أمام سؤال حول دور القانون في مجتمعات تحت الاستبداد. قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر عام 2018 كان أداةً في يد الدولة منذ لحظة سنّه لملاحقة الصحفيين والمدونين والناشطين، وها هو الآن يمتد ليطال صانعات المحتوى اللواتي لا صلة لمحتواهن بالسياسة المباشرة. هذا التوسع التدريجي في نطاق القمع هو السمة المميزة لكل نظام بوليسي يُدرك أن أمنه الحقيقي يتطلب السيطرة الشاملة، سياسيةً كانت أم اجتماعيةً أم جندرية.
لياسمين، ولكل الشعب، الحق الكامل في تشكيل أجسادهم وحضورهم الرياضي وملابسهم وفق اختيارهم.
نطالب بالإفراج الفوري عن ياسمين عادل عبدالحميد و المعتقلين والمعتقلات في سجون نظام يرى في الجسد المعارض لخياله خطراً و تهديداً.





