بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رماد رجب.. ولادة غضب جديد

صباح الخميس 16 أبريل 2026، أنتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، لرجل يدعى رجب وهو يحرق كشك بقالة خاص به، احتجاجاً على تحرير محاضر مخالفات ضده. و أدعت محافظة الإسماعيلية في بيان رسمي أن الكشك مخالف وتعدى على حرم الري منذ 2014، مؤكدة توفير مكان بديل للمواطن الذي رفض استلامه رغم صدور قرارات إزالة سابقة.

يسعى رجب إلى تقنين الكشك منذ 2012 رغم ادعاءات المحافظة إنه مخالف منذ 2014.

بدأ رجب مشروع الكشك ليكون مصدر رزقه الوحيد هو وعياله. سنين وهو يقف خلف هذا الصاج يبيع السلع لسكان حيّه، يفتح من الفجر ويغلق بعد العشاء، يكسب قوت يومه ليدفع ثمن كيلو الأرز علبة الشاي ومصاريف المدارس.

في بلد يبيع فيها كيلو اللحم بأكثر من أربعمئة جنيه وترتفع فيها سعر رغيف العيش والسكر والزيت والكهرباء والمياه والغاز والبنزين والسولار والمواصلات كل ستة أشهر تقريباً منذ عام 2016.

ولكن هذا لا يعني شيئا للمحافظة. حسب البيان الرسمي الذي أصدرته المحافظة في اليوم ذاته ردّاً على الفيديو المتداول، “فالكشك مقام على حرم الري، وصدرت بحقه قرارات إزالة متعددة: قرار إزالة رقم 110 لسنة 2019، وقرار إزالة آخر رقم 41 لسنة 2023. وتم إزالته بالفعل في السابق، لكن رجب أعاد بناءه في كل مرة.”

وفي الثامن من أبريل، قبل الحريق بأيام، حضر رجب إلى ديوان عام المحافظة خلال اللقاء الأسبوعي لخدمة المواطنين، لقاء تنظّمه كل محافظة مصرية كطقس بيروقراطي يُراد منه إعطاء الانطباع بأن السلطة تسمع صوت الناس. عرض رجب شكواه أمام المحافظ شخصياً، يطلب منه عدم إزالة الكشك.

ماذا فعل المحافظ؟ وجّه “من منطلق إنساني” بتوفير بديل قانوني وهو تخصيص محل تجاري تابع للوحدة المحلية خلف ديوان عام الوحدة المحلية لمركز ومدينة القصاصين الجديدة، مقابل إيجار شهري.

ويقع المحل خلف ديوان عام الوحدة المحلية، أي في مكان بعيد عن الزبائن الذين يعرفون رجب ويشترون منه لسنين. البديل المعروض يعني في الواقع خسارة رجب لكل قاعدة زبائنه، وبداية من الصفر في موقع ميّت تجارياً.

والأهم من كل ذلك هو ما يكشفه بيان المحافظة بين سطوره عن طبيعة العلاقة بين الدولة المصرية والشعب الكادح. المحافظة تتحدث عن حملة “شارع منظم.. رصيف آمن”، وتصفها بأنها “مبادرة خدمية تهدف إلى استعادة حق المواطن المشروع في رصيف آمن ومسار مروري غير متكدس”.

رصيف آمن في بلد تلتهم فيه الحفر والمطبّات والكابلات المكشوفة الأرصفة. الرصيف “الآمن” يُستعاد من كشك رجب بينما تبقى المولات العملاقة والعمارات المخالفة والأبراج التي بُنيت على أراضي الدولة بتصاريح فاسدة شامخة كأنها فوق القانون.

بعد سنين من الكدح خلف كشك صفيح، ضاقت برجب الدنيا فأحرق مصدر رزقه بيديه أمام الكاميرات، وصرخ تلك الصرخة التي يعرفها كثيرون “اتظلمت يا حكومة”. وردّت عليه المحافظة ببيان بيروقراطي بارد يشرح قرارات الإزالة وأرقامها وتواريخها، وكأن الأرقام تردّ على النار المشتعلة في صدر الرجل.

رجب ينتمي إلى شريحة واسعة جداً من المصريين تشكّلت في العقدين الأخيرين تحت وطأة النيوليبرالية شريحة الاقتصاد غير الرسمي.

باعة متجولون، أصحاب أكشاك، عمال “يومية”، سائقو توك توك، سبّاكون، كهربائيون، حرفيون. تقدّر منظمة العمل الدولية أن هذا القطاع يستوعب ما بين 60% و70% من القوى العاملة المصرية.

هذه الشريحة الواسعة تعيش خارج أي تنظيم نقابي أو جماعي. كل فرد فيها يحارب وحده. كل صاحب كشك يتفاوض وحده مع المحافظة، ومع الشرطة، ومع جابي الكهرباء، ومع المفتّش الذي يطلب الرشوة.
تفتقر هذه الشريحة إلى نقابة تحميها، وإلى اتحاد يدافع عنها، وإلى تنظيم سياسي يهتم بقضيتها في وجه السلطة. وهذا بالضبط ما تريده السلطة جماهير مفتَّتة، يائسة، فردية، تحترق من داخلها قبل أن تشكّل أي خطر.
ولكن رجب ليس ظاهرة فردية فتطالعنا وسائل الإعلام عن موجة من الانتحارات أو محاولة الانتحار التي يقدم عليها كادحون وكادحات في محافظات مصر المختلفة بسبب أن “الأوضاع لم تعد تحتمل”.

وخبرة الحركة العمالية تفيد أن الكادحين يلجؤون الى اشعال النيران في محل عملهم أو في أنفسهم أو في الانتحار، عندما لا تكون الحلول الجماعية قادرة على انتزاع الحقوق والتصدي لظلم “الكبار”، خصوصا مع بطش الأجهزة الأمنية التي تحكم بالحديد والنار.

ولكن الردود الفردية العنيفة، تعد أيضا جرس إنذار يقرع لقوى المعارضة اليسارية بالذات عن أن المجتمع يغلي، وقد نكون على مقربة من انفجار اجتماعي جديد ضد الظلم والفقر والتبعية، يجب أن نستعد له من الآن.

النار التي اشتعلت في كشك رجب، لابد أن نناضل لكي تشعل وعي جماعي حيث ينظم، أصحاب المشاريع الصغيرة، أنفسهم في جمعيات صغيرة، او في مجموعات تعاونية، أو اتحادات غير رسمية، لأن الحراك المنظَّم وحده يحمي لقمة العيش. حين تنظّم نفسك بشكل جماعي، وتطالب بحقك مع غيرك من أبناء سوقك وحيّك، تنتزع السلطة من أسفل ويصبح صيانة مصلحة الأغلبية ممكنة، فالاستبداد والبطش مهما طال لن يستمر للابد، ويوما ستظهر تشققات داخل النظام، تحت وطأة الأزمة، قد تتيح مساحات من الحركة أمام النضال الجماهيري.

يمكن، كذلك، أن نتعلم من دروس الطبقة العاملة المصرية، التي تحمل في ذاكرتها إرث من النضال الجماعي، وأن ننقل خبرة هذا الإرث للجماهير ، وأن نتخذ خطوات مع الجماهير في طريق بناء تنظيمات نقابية وسياسية حقيقية تستوعب ملايين العمال غير الرسميين، وأصحاب الأكشاك، والباعة الجائلين، وعمال التوصيل والابلكيشن، وعمال البناء.

المطلوب وعيٌ جماعي يدرك أن عدوّه يسكن القصور الرئاسية والعاصمة الإدارية الجديدة، بينما يسكن صاحب الكشك المجاور له في الخندق نفسه. الظلم يُردّ بالتنظيم، وبالوحدة، والوعي بمصالحنا المشتركة.