بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

فتش عن المستفيد

جنون “عقارات مستقبل مصر” يهدد بنية البحوث الزراعية

تشهد أراض المحطات البحثية التابعة لمركز البحوث الزراعية موجة متصاعدة من نقل التبعية إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة (الذي أنشئ بقرار رقم 591 لسنة 2022) ليكون حسب، كلام الحكومة، قاطرة زراعية واقتصادية استراتيجية تهدف لاستصلاح ملايين الأفدنة في الصحراء الغربية والشرقية، ضمن رؤية 2030 لتحقيق الأمن الغذائي، وزيادة التصدير، وتوفير فرص عمل.

ووفقًا لما تتبعه تقرير «مدى مصر»، يستولي الجهاز الذي يتبع القوات الجوية المصرية، على مساحات واسعة من أراضٍ بحثية يصعب تعويضها، ليتم تحويلها الى مشروعات سكنية.

وكان أحدث هذه القرارات نقل تبعية 70 فدانًا داخل المقر الرئيسي للمركز إلى الجهاز، تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء الصادر في يوليو 2025، مع نقل العاملين إلى فرع دهشور. غير أن هذه الخطوة ليست الأولى ضمن سلسلة ممتدة من نقل الأراضي.

تعود جذور هذه السياسات إلى عام 2021، عقب توجيهات السيسي بإعادة هيكلة أصول وأراضي مراكز البحوث الزراعية، خاصة في منطقة الدلتا.

وفي هذا السياق، أعدّت وزارة الزراعة حصرًا شمل نحو 290 ألف فدان وأربعة ملايين متر مربع من المنشآت. أعقب ذلك إرسال خطابات إلى مسؤولي المراكز البحثية في عدد من المحافظات لإبلاغهم بتحويل أراضي الأبحاث إلى مشروعات سكنية. ومن أبرز الأمثلة محطة بحوث بهتيم، التي تُعد من أقدم المحطات الزراعية عالميًا بمساحة 380 فدانًا، إلى جانب محطات أخرى في الشرقية والوادي الجديد والإسماعيلية وكفر الشيخ.

تستهدف هذه المشروعات في الغالب أراضي خصبة مخصصة لتجارب إنتاج التقاوي والبذور، وهو ما يضرب في صميم دور مركز البحوث الزراعية. فالمركز يؤدي وظيفة حيوية في تقليل الاعتماد على استيراد التقاوي واللقاحات اللازمة لحماية الثروة الحيوانية، ويضم 16 معهدًا و12 معملًا و50 محطة بحثية، تسهم في تطوير مقاومة الآفات وزيادة إنتاجية المحاصيل. وقد أدى تجريف بعض هذه المواقع إلى خسائر مباشرة، منها إزالة محطة أبحاث النوبارية بما تضمه من سلالات متميزة من الدواجن البيّاضة، وكذلك واقعة محطة بحوث كفر الحمام بالشرقية، حيث لم تنتظر جرافات الهيئة الهندسية حصاد 20 فدانًا من تقاوي القمح الأساسية، التي كانت تكفي لزراعة نحو 20 ألف فدان.

وفي فبراير 2021، عندما تلقت كلية الزراعة بجامعة المنوفية إخطارًا بتحويل مزرعة الكلية إلى مشروع إسكان—تبيّن لاحقًا أنه استثماري—رفض مجلس الكلية القرار ولوّح أعضاؤه بالاستقالة، وأرسلوا استغاثات ومناشدات برلمانية لوقف تجريف الأرض. إلا أن هذه التحركات لم تنجح، وسرعان ما تحولت المزرعة إلى كتلة خرسانية. ومنذ منتصف مارس، يواصل عشرات الباحثين والموظفين بمركز البحوث الزراعية إرسال استغاثات إلى رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء اعتراضًا على نقل ملكية أراضي بمحافظة الجيزة.

من حيث المبدأ، تُعد مراكز البحوث الزراعية هيئات عامة، وأراضيها ملكية عامة، غير أن القرارات المتخذة بشأنها—وفق هذا الطرح—لا تعكس طابع القرار العام، بل تتجه نحو منطق استثماري يهدف إلى تحقيق أعلى عائد من الأصول.

ويتقاطع ذلك مع سياسات أوسع تشمل تفكيك أراضي المصانع وأراضي طرح النهر وغيرها من الأصول التي يمكن توظيفها ربحيًا. كما أن نقل هذه الأراضي إلى جهة لا تخضع لقدر كافٍ من الشفافية، مثل جهاز “مستقبل مصر”، يزيد من صعوبة الرقابة على قرارات يفترض أن تكون عامة.

وفي ظل هذا التوجه، يبرز تساؤل جوهري حول مفهوم “التنمية المستدامة” الذي يُطرح لتبرير هذه السياسات: كيف يمكن الحديث عن استدامة في ظل تآكل الأصول الزراعية والبحثية، بما يخدم تعظيم الأرباح لصالح النظام والجيش وشبكات المنتفعين، على حساب الأمن الغذائي والبنية البحثية للدولة؟