إعادة اعتقال مشاغب:
عندما يصبح الفرح الجماعي جريمة سياسية والحزن هدفا
في أغنية “الممنوعات” التي لحّنها وغنّاها الشيخ إمام بكلمات أحمد فؤاد نجم، تتراكم المحظورات: ممنوع من السفر، ممنوع من الغنا، ممنوع من الكلام، ممنوع من الاشتياق ممنوع من الابتسام.
لم تكن هذه القصيدة التي كتبها أحمد فؤاد نجم مجرد تصوير للظلم أو القمع السياسي، بل خريطةً لما يتوقعه النظام الشمولي للثورة المضادة من مواطنيه حين تضيق المساحات وتتوالد المحظورات حتى تغدو أكثر عبثيةً وهيمنةً يومًا بعد يوم.
لم تعد السلطة تكتفي بتقييد الجسد، بل تسعى لمصادرة الروح. وقد تجلّى ذلك بوضوح حين أُعيد اعتقال سيد مشاغب لأن الفرح ذاته بدا تهديدًا.
سيد مشاغب، قائد ألتراس وايت نايتس، أُفرج عنه في 17 أبريل بعد أحد عشر عامًا من السجن، قضى ثلاث ساعات حرا قبل أن يُعاد إلى الحجز. يظهر سيد محاطًا بالفرح في الفيديوهات التي نشرت على الإنترنت. مجتمغًا حوله أصدقاء وأفراد عائلة وجيران معبرين عن سعادتهم.
فماذا يفعل أي إنسان عندما يسمع اخبار سارة؟
تخيل الآن إذا كان هذا الخبر السار هو إطلاق سراح صديق أو أخ أو زوج أو ابن من سنوات السجن، ما هو رد الفعل الطبيعي على الخبر؟ أليس الفرح؟ ألا تستدعي هذه الدرجة من الفرح امتداده من المساحة الخاصة للمنازل إلى الشوارع؟
في نظر نظام السيسي، نعم. الفرح شيء خاص غير جماعي، ومشاركته تشكل تهديدا كبيرا لمشروعه.
كُتب الكثير عن التأثيرات المادية والهيكلية للثورة المضادة، وخاصة تأثيرها القمعي، سواء كان ذلك عن عودة الجنرالات، أو قمع الاحتجاجات والتجمعات، أو سجن أي شخص يجرؤ على الكلام. كل هذا حقيقي؛ ومع ذلك، فهي البنية الظاهرة لشيء أقل وضوحا: كيف يُراد لك أن تشعر.لكي يحقق نظام الثورة المضادة النتائج المادية المذكورة أعلاه، عليه أن يهزم الشعب، و الهزيمة تحتاج إلى ساحة منهكة من الإيمان بإمكانية النصر والتحرير. يحتاج إلى الحزن.
وصول النظام إلى السلطة في ظل مذبحة ليس مجرد استعراض للعنف والقمع، بل هو إعداد للظروف المادية التي تمكن حالة الحزن الدائمة الملازمة لبقائه .
فالحزن هو المشروع العاطفي المثالي للثورة المضادة ليس الغضب أو الحنين، الذي يمكن أن يحفز الحركات ويسيس، كما رأينا بالفعل دور الغضب كعامل تحفيزي في اشعال انتفاضة الخبز وثورة 25 يناير.
ويبقى ترسيخ الحزن الدائم عنصر مهم في حياة الثورة المضادة و ترسيخه مناخًا عامًا للحياة.
يجب أن نفرق هنا بين حالتين. لا يخاف النظام من الفرح نفسه، بل أنه ينتجه بسخاء. تدعم الدولة العديد من الاحتفالات: مواكب للأعياد الوطنية، حفلات موسيقية تنظمها بنفسها، تنسيق لحالة نشوة بالانتصارات الانتخابية، الاستعراضات المدارة بعناية للمشاريع الضخمة والمدن الجديدة التي تنشأ في قلب الصحراء. ما لا يستطيع النظام تحمله هو تعبير ما محدد عن الفرح أسميه الفرحة المسيسة – الفرح الذي لا ينبع مما تعطيه الدولة بل مما يأخذه الشعب. لا يقتصر الفرق بين الحالتين فقط على محتواهما بل كذلك في المنبع وفي الاتجاه. فرح الدولة يتدفق من أعلى لأسفل، مسموح به، مقيد، ويحمل داخله امتنانا ضمنيا للسلطة التي سمحت به. الفرح السياسي يتدفق أفقيا بين الناس، بدون تصاريح ولا تحكم، ويحمل بداخله شيئا يعتبره النظام وهو محق بأنه تهديد له: الصمود – رفض الانكسار، والأمل، الذي هو البعد الزمني للصمود، إصراره على أن الحالة الحالية ليست دائمة، وأنه يوما ما سيخرج كل سجين سياسي، وأن يذبل النظام.
تطرح هانا آرندت في النص الشهير، “أصول الشمولية”، ت بأن الأنظمة الشمولية تزدهر بترسيخ إحساس الوحدة وتستخدم الإرهاب لتفكيك المجال العام بشكل ممنهج وتقسم الجماعة إلى أفراد أو وحدات معزولة. لكن أرندت تتجاوز مجرد العزلة. في نهاية هذه العملية، تصف حالة تسميها الفائض، وهي الشعور بأن وجود الإنسان قابل للاستغناء، وأن اختفاءه لن يُلحظ. لا يقتصر الرعب لا يفصل الناس عن بعضهم البعض فقط، بل يشعرهم كذلك أن الذات التي انفصلت لم تكن لها قيمة من الأساس.
وفي سياق الإفراج عن مؤسس الوايت نايتس سيد مشاغب، الذي اتهم في القضية رقم 910 لسنة 2021، بالانضمام إلى جماعة محظورة، ونشر أخبار كاذبة واتهامات أخرى، ثم القبض عليه بعد 3 ساعات كانت الرسالة واضحة التواصل مع مشاغب لن يمر بسلام، ولس خافيا على أحد ما يتعرض له أقارب المعتقلين من صنوف التنكيل.
تستخدم الدولة جرائم مثل الإرهاب، وتكدير السلم العام، ونشر الأخبار الكاذبة لتوجيه الاتهام للمناضلين والمعارضين كشكل من أشكال الأدوات الاجتماعية للقمع، وليس فقط كوسيلة قانونية.
تحول هذه الاتهامات الشخصية السياسية التي قد يولد سجنها تضامنا، إلى مجرم يحمل الارتباط به المخاطر والعار. وعندما يفشل ذلك—كما في احتفال مشاغب—يصبح الفرح نفسه دليلًا على فشل مشروع العزل: إعلانًا بأن السجن لم يلوث أو يعزل أو يصنع الخوف والهزيمة. هو تأييد للتعددية كما تصفها هانا آرندت ودليل على أن مشروع التجزئة الخاص بالدولة ربما ليس قويا كما كان يتصور.
لا يصبح الفرح الجماعي فقط محل شبهة بالنسبة للدولة الشمولية، بل لا يحتمل. فمشهد الناس وهم يغنون ويرقصون، كما في استقبال سيد مشاغب، يستعيد ما تسميه آرندت “التعددية”: الوجود بين الآخرين الذين يرونك ويعرفونك ويؤكدون أنك حقيقي وضروري. فيصبح الفرح الجماعي دحضًا مباشرًا لمفهوم الفائض. لذا تتعلم دولة الثورة المضادة التمييز بين أنواع التجمعات. الحزن الجماعي على شكل الجنازات مقبول، فمشاركيه يتأملون الماضي وبدون جلبة أو ضوضاء، ولا يطالبون بشيء. أما الفرح الجماعي فخطير لأنه عام، متطلع إلى المستقبل، ويعلن: نحن هنا، ولنا قيمة، ونتذكر شعور الحرية.
لم تكن مشاهد استقبال مشاغب سوى احتفال عادي: زغاريد، شماريخ، بهجة مألوفة نراها في الأعراس في الأحياء المصرية. ومع ذلك، تحوّلت إلى لائحة اتهامات: التجمهر، التظاهر، حيازة شماريخ، استعراض القوة، قطع الطريق، تعريض حياة المواطنين والممتلكات للخطر، وتكدير السلم العام.
ويعلمنا فجر الدولة في الخصومة تجاه شاب أمضى 11 عاما في سجون النظام، درسا مهما مفاده: أن التركيز على منع الفرح في قصيدة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم لم تكن مجرد صدفة، فالحزن هو الحالة المفروضة الدائمة للثورة المضادة والاهم ان الفرح نوع من أنواع المقاومة.





