قانون الأحوال الشخصية في مصر 2026: مصلحة الطفل أم إدامة السلطة الأبوية والعبء على المرأة؟

يروج النظام المصري إلى أن قانون الأحوال الشخصية الجديد هو خطوة كبيرة نحو تحقيق العدالة وحماية الأسرة المصرية، يأتي هذا وسط شكاوى عديدة من منظمات المجتمع المدني تتهم النظام بمحاولة الاستئثار بمشروع القانون دون طرحه للنقاش المجتمعي بشكل علني أو على الأقل وسط الخبراء الحقوقيين المستقلين، وفي هذا المقال سأحاول تناول واقع المرأة المصرية في ظل القانون الحالي والاشتباك مع حالة النقاش المجتمعي التي يحاول النظام دوما التعالي عليها عبر فرض وصايته الذكورية على الجميع.
ولا ينبغي هنا أن نتغافل عن التأثير العميق لسياسات التقشف التي قام بها النظام المصري خلال السنوات السابقة والتي دفعت بقطاعات عريضة من المجتمع المصري تحت خط الفقر، وخلقت أزمة اقتصادية عميقة داخل المجتمع ظهرت تجلياتها في العديد من الأمراض الاجتماعية كارتفاع معدلات الجريمة،الانتحار، العنف الأسري، الطلاق، التسرب من التعليم..الخ. ومن سخرية القدر أن الدولة التي دفعت بمعدلات العنف الأسري والطلاق إلى هذه المستويات، هي من ترفع صوتها اليوم وتنصب نفسها حامي حمى الأسرة المصرية.
عن الحضانة والولاية التعليمية
وفق لقانون الأحوال الشخصية الحالي فإنه في حالة الانفصال تنتقل الحضانة إلى الأم المطلقة، وكذلك الولاية التعليمية، ولكن تسريبات القانون الجديد تقترح أن تنتقل الولاية التعليمية للأب، مع بقاء الحضانة للأم، وهذا تناقض لا يصب في صالح الأطفال خاصة في حالات النزاع.
بداية دعونا ننظر لرحلة امرأة مطلقة داخل اروقة المحاكم المصرية لنستطيع تحليل الموقف بشكل موضوعي والبحث عن جذور الأزمة وبالتالي كيفية حلها.
في الإسكندرية، كان هناك منزل يضم طفلين بريئين: محمد في الصف السادس الابتدائي، وإسراء في الفرقة الأولى الإعدادية. كانا يدرسان في مدرسة “النهضة” بإدارة العامرية التعليمية، يذهبان كل صباح إلى مدرستهما، ويعودان إلى حضن أمهما زغلولة سعيد زكي أبو شنب، التي كانت تتابع دراستهما وتهتم بحياتهما اليومية.
لكن الطلاق غيّر كل شيء.
اندلع صراع أسري حاد بين الأب والأم، وامتد إلى الجدتين: جدة الأب والأم. أصبح الطفلان كرة تتقاذفها الأحكام المتلاحقة من محكمة الأسرة، حيث صدرت صدرت ثمانية أحكام متضاربة حول الحضانة والولاية التعليمية؛ مرة للأم، ومرة للجدة للأب، ومرة أخرى للجدة للأم… حتى أصبح مستقبل الطفلين معلقاً بين الإسكندرية والبحيرة.
واخيراً الأب لجأ إلى محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، مطالباً بنقل ملفي الطفلين إلى مدرسة “النجاح” في أبو المطامير بالبحيرة، حيث يقيم. كان يرى في ذلك حقه كولي طبيعي. أما الإدارة التعليمية، فقد وقفت حائرة: “لدينا 12 حكماً متناقضاً… كيف ننفذ؟”
في جلسة يوم 21 مارس 2016، وقف المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي (نائب رئيس مجلس الدولة) على رأس الدائرة الأولى. استمع إلى الجميع، ثم طلب سماع الطفلين أنفسهما. في لحظة مؤثرة، ارتمى محمد وإسراء في حضن أمهما باكيين، وطلبا من القاضي أن يضع حداً لهذا الصراع الذي حرمهما من الامتحانات وألقى بظلاله على حياتهما الدراسية.
أصدرت المحكمة حكمها التاريخي: رفض نقل الملفات. أيدت قرار الإدارة التعليمية، وأكدت أن مصلحة الطفل الفضلى هي الأصل. قالت الحيثيات بكل وضوح: الرعاية التعليمية مرتبطة بالحاضن الفعلي (الأم غالباً)، لأنها الأقرب إلى قلب الطفل وأكثر شفقة ورحمة. أما استخدام الولاية التعليمية كأداة انتقام أو “نكاية” في الأم، فهو أمر يعرض حياة الطفلين للخطر النفسي والتعليمي، ويجب أن يُمنع.
أسدلت المحكمة الستار على هذه “القصة الدرامية”، التي جسدت أسوأ ما يمكن أن يحدث للأطفال في نزاعات المحاكم وكيف يمكن للأب بدافع الانتقام من الأم يعرض حيات أبناءه ودراستهم للخطر نكاية في الأم. أصبح الحكم رمزاً لمبدأ مهم: لا يجوز أن يتحول الطفل إلى سلاح في يد أي طرف، والاستقرار التعليمي والنفسي له الأولوية المطلقة.
هذه القضية (رقم 12217 لسنة 15 قضائية) ليست استثناءً، بل نموذج يتكرر يومياً. ومؤشر خطير إذا تم منح الولاية التعليمية للأب.
هذا المقترح الجديد يعبر عن رؤية ذكورية متعالية ترى المرأة ناقصة الأهلية، غير قادرة على اتخاذ قرارات مالية أو تعليمية تتعلق بأبنائها.
وبالتالي من الضروري أن يؤكد القانون الجديد على الربط الإلزامي بين الحضانة والولاية التعليمية، بحيث تكون في يد الحاضن الفعلي (الذي يعيش مع الطفل يومياً).
كما يجب حظر صريح لاستخدام الولاية كسلاح انتقامي – وغالباً ما يكون الطرف المتسبب هو الأب – مع عقوبات رادعة، واشتراط موافقة الحاضن أو إذن قضائي مسبق بناءً على تقرير نفسي واجتماعي متخصص قبل أي نقل دراسي.
كما يجب حماية الطفل من صدمة المحاكم، فلا يصح أن يُعرَّض الطفل للشهادة أمام القاضي في جلسات علنية مؤلمة. يجب أن تتولى لجان خبراء متخصصة (اجتماعية، نفسية، تربوية) التعامل مع الأطفال في جلسات مغلقة، وتكتب هذه اللجان تقاريرها رسمياً ويجب أن ينص القانون أن تكون هذه التقارير ملزمة للمحكمة. وبالطبع يجب أن تتحمل الدولة تكلفة هذه اللجان بالكلية. هذا يصون كرامة الطفل ويحول دون تحويله إلى “أداة ضغط” في النزاعات كما يحميه من صدمات نفسية عميقة قد تتسبب في انحرافات نفسية وسلوكية في المستقبل.
أزمة التهرب من النفقة: الواقع المأساوي
تكشف دراسة ميدانية حديثة لجمعية نهوض وتنمية المرأة (عينة 41,750 شخص من 16 محافظة، 2025-2026) أرقاماً صادمة: 80% من الآباء يتهربون من دفع النفقة، 87% من الأمهات يضطررن للجوء إلى القضاء، 81% يصفن النفقة بأنها غير كافية أو غير منتظمة، و94% من الآباء لا يساهمون في المصروفات التعليمية الأساسية.
يستخدم الأب النفقة كورقة ضغط وانتقام، ويصعب إثبات الدخل في الاقتصاد غير الرسمي. النتيجة: الأطفال يعانون، والأم تتحمل العبء المزدوج من رعاية و عمل وإجراءات قضائية طويلة ومكلفة، مما يتسبب في ضغوط مهولة على المرأة المعيلة وأبنائها ويرغمها في الكثير من الأحيان على القبول بخيارات غير آمنة ومدمرة لصحّتها النفسية والاجتماعية والذي ينعكس على الأبناء بالطبع.
وبالتالي بدلاً من الاعتماد على النزاعات الطويلة في المحاكم، نحتاج إلى حزمة تشريعية متكاملة تجعل الدولة هي الداعم الأساسي لكل طفل، سواء أنفق عليه والده أم لا. على الدولة ان تتحمل مسؤوليتها الدستورية في حماية الفئات الضعيفة بالمجتمع ولتحل هي مشكلتها مع الأب عبر لجان مختصة لتقييم وضع الأب ودخله وظروفه النفسية والاجتماعية.
• اولاً النص على إنشاء صندوق دعم أسري يوفر كافة الخدمات الأساسية للطفل والأم من صحة وتعليم ومواصلات وسلع أساسية ونفقات أساسية يمول من أموال الضرائب، وعلى الطرف الآخر تكون الدولة ممثلة في وزارة التضامن هي الخصم الحقيقي للأب في القضاء.
• ثانياً تشكيل لجان متخصصة (اجتماعية ونفسية) تصدر تقريرًا رسمياً مفصلاً حول وضع الأسرة سواء الأب أو الأم أو الأبناء يقيم على أساسه حجم النفقة مع وضع حد أدنى للنفقة مبني على تقارير علمية مختصة ويتم مراجعته بشكل سنوي لمراعاة التضخم وأسعار السلع على أن يكون هذا التقرير ملزمًا للمحاكم.
• ثالثاً عمل حد أقصى زمني للنظر في قضايا الأسرة بالمحاكم بحيث لا تتجاوز فصل دراسي واحد بما يضمن سرعة التقاضي وتوفير الوقت والجهد والمال لتربية الأطفال تربية سليمة في مناخ صحي.
• رابعاً يجب أن ينص القانون الجديد على توحيد كافة أنواع النفقة (زوجية، أطفال، تعليم، مسكن، علاج) في دعوى واحدة. وليس كما هو ساري اليوم من عمل دعوى لكل نوع، مع ضرورة التأكيد مرة أخرى على أن إلا تتجاوز إجراءات التقاضي عاماً دراسياً واحداً.
هذه المطالب لا تُعفي الرجل من مسؤوليته القانونية ولكنها تؤكد على أن تتحمل الدولة مسؤوليتها الدستورية والقانونية تجاه الفئات الضعيفة بالمجتمع وتمنع تحول المحاكم إلى ساحات تعذيب للأم والأطفال.
الخلع.. أسطورة “انهيار الأسرة”
تركز الدولة ووسائل الإعلام على تقييد “الخلع” بحجة حماية الأسرة المصرية، وهذا فضلاً عن كونه إعادة إنتاج للرؤية الجندرية التي تفرق بين المواطنين على أساس الجنس، وترى المرأة ناقصة الأهلية في اتخاذ قرار الانفصال، وتحملها مسئولية تفكك الأسرة، ولكن ايضاً تكذبه الإحصاءات الرسمية حيث أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2024 أن حالات الخلع لم تتجاوز (5% فقط من حالات الانفصال، وفي المقابل فإن 95% من حالات الانفصال هي حالات طلاق منفرد من الزوج عبر المأذون.
الخلع ليس سبباً رئيسياً للطلاق، بل هو محاولة نسائية باهظة الثمن (رد المهر + تنازلات) للخروج من زيجة فاشلة وضاغطة نفسياً واجتماعياً. وكلفته الباهظة هذه أصلاً مقيدة له حيث لا تقبل عليه في الغالب سوى نساء الطبقات الوسطى والعليا، بينما تضطر الطبقات الأضعف من النساء إلى البقاء في علاقات استغلالية وتستنفذ طاقتها النفسية والاجتماعية وتؤثر على نفسية وسلوك الأبناء، أو اللجوء إلى حبال المحاكم الطويلة والمرهقة.
ولكن بدلاً من السعي لإتاحة الحق في الانفصال من العلاقات السامة لعدد أكبر من النساء، تخرج علينا منابر الدولة لتصفه بأنه السبب في ضياع الأسرة المصرية، وأن تقييده أو الحد منه هو إنقاذ لها، وكأن إكراه المرأة على البقاء في علاقة استغلالية سامة يساوي حماية الأسرة، أو أن المرأة ناقصة الأهلية ولا تستطيع تقييم العلاقة بينما يستطيع الرجل ذلك، هذا ايضاً مخالف للدستور الذي لا يفرق بين المواطنين على أساس الجنس، ومحاولات تقييده هي جزء من ترسيخ علاقات القهر والاستغلال داخل المجتمع.
هل الدولة تبني عدالة حقيقية أم تحمّل المرأة فاتورة النظام؟
النظام المصري يسعى للتهرب من مسؤولياته الدستورية والقانونية بحق الفئات الأضعف، كما يحاول مخاطبة النزعات المحافظة داخل المجتمع لترميم شعبيته التي تتهاوى تحت مطرقة الإجراءات التقشفية المجحفة بحق المواطنين المصريين.
كما يحاول النظام أيضا تصدير أزمته لأسفل وضرب الفئات الأضعف ببعضها بدلاً من تحمل مسؤوليته الدستورية عن الجميع، وتستخدم في ذلك أحط شئ، وهو مغازلة الخطاب المحافظ والذكوري في المجتمع المصري وتصدير أن الأزمة في الأقليات أو المهاجرين أو المرأة بدلاً من تقديم حزمة ضمان اجتماعي شامل، والسعي لتذويب الفوارق بين الطبقات.
البرلمان اليوم أمام اختيارين إما إصلاح حقيقي يضع مصلحة الطفل فوق السلطة الأبوية، أو إعادة إنتاج الظلم تحت شعار “تماسك الأسرة”. ونحن نرفض بكل قوة ان تكون النساء والأطفال “كبش فداء”.





