وهمُ الدولة المُنقِذة

ثمة شيء يتحرك تحت السطح في هذه اللحظة التاريخية. في نيويورك يصوّت الشباب لاشتراكي ابن الأربعة والثلاثين ليصبح عمدةً لعاصمة الرأسمالية العالمية. في القاهرة والجزائر وعمّان تُرفع صور ناصر من جديد في تظاهرات تتصاعد وتيرتها مع كل قنبلة تسقط على غزة. في لندن وبرلين وسان فرانسيسكو يجلس شباب لم يقرؤوا لماركس يومًا يقولون بكل بساطة إن “الرأسمالية لا تعمل”. الأرقام تقول الشيء ذاته بلغة أكثر برودة: استطلاع كاتو-يوغوف لعام 2025 يكشف أن 62% من الأمريكيين بين الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين يُبدون نظرة إيجابية تجاه “الاشتراكية”، بينما يرفض 87% من أقرانهم فكرة أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. هذا الغضب حقيقي، وهذا الرفض أصيل. المشكلة ليست في عاطفة الرفض، المشكلة في الإجابات التي يجدها هذا الجيل جاهزةً في متناول يده.
الإجابة الجاهزة في الغرب هي رأسمالية الدولة المُعدَّلة: الدولة تتدخل، تُنفق، تُؤمّم جزئيًا، تُقيّد الأثرياء قليلًا، وتُسمّي ذلك كله “اشتراكية ديمقراطية”. والإجابة الجاهزة في المشرق العربي والمغرب العربي هي استحضار أشباح التاريخ: ناصر، والبعث، ورأسمالية الدولة ما بعد الاستعمار في طورها القومي. كلتا الإجابتين تُخاطب الألم الحقيقي بدواء مُزيَّف. وكلتاهما تتفادى السؤال الوحيد الذي لا مناص من طرحه: من يملك وسائل الإنتاج؟ ومن يتحكم في جهاز الدولة؟ وللصالح الطبقي لمن بالضبط؟
لنبدأ من الغرب لأن الأرقام هناك فاضحة بشكل استثنائي. استطلاع هارفارد الأخير للشباب يُظهر أن 13% فقط من الأمريكيين دون الثلاثين يرون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. لا ثقة في الكونغرس، لا ثقة في الرئاسة، لا ثقة في وسائل الإعلام. الذاكرة الاقتصادية لهذا الجيل مُحمَّلة بالجروح: جيل ترعرع في ظل الكساد الكبير لعام 2008، ورأى آباءه يفقدون الوظائف والمنازل ومدخرات التقاعد، ثم وجد نفسه في مواجهة كساد تالٍ بعد الجائحة، وديون طلابية تُلاحقه، وأسعار إيجارات تجعل مفهوم “امتلاك منزل” ضربًا من الخيال. والأرقام الهيكلية أشد وطأة: بين عامَي 2001 و2025 تضاعفت ثروات أغنى 0.1% من السكان أكثر من خمس مرات، من 4.2 تريليون دولار إلى 23 تريليون دولار، بينما لم تتضاعف ثروات النصف الأدنى سوى ثلاث مرات في المدة ذاتها. هذا التناقض الرقمي الصارخ هو الرأسمالية وهي تعمل بالضبط كما صمّمت: لتُركّز لا لتُوزّع.
في هذا الفراغ يظهر الزعيم الإصلاحي حاملًا شعارات التدخل الحكومي وتوسيع الخدمات وضرائب الأثرياء، وتُصفّق له الجماهير لأن ما يقوله يتعارض مع الواقع المُعاش بشكل يجعله يبدو ثوريًا. لكن تروتسكي كان قد لاحظ هذه الآلية منذ أمد بعيد: الإصلاحي لا يُعادي الرأسمالية، بل يُطيل عمرها. هو يُزيل الاحتقان الاجتماعي الكافي كي لا تنفجر المنظومة، لكنه يُبقي بنيتها الطبقية الجوهرية سليمة معافاة. الدولة حين تتدخل في إطار رأسمالي لا تكون بديلًا عن رأس المال، بل تكون مُموِّلًا ومُنقِذًا له حين يقع في الأزمة.
وما يُقال عن الغرب يصح بصورة أكثر تعقيدًا على التجربة العربية مع رأسمالية الدولة القومية. الميل نحو استحضار الناصرية والبعثية اليوم ليس مجرد نوستالجيا ساذجة، وراءه ألم حقيقي وذاكرة انتزاع حقيقية. ناصر أمّم قناة السويس وأهان ثلاث قوى استعمارية في آنٍ واحد في 1956. بنى السد العالي، ووزّع الأراضي على الفلاحين، وأقام صناعة وطنية، وأعلن الوحدة العربية مشروعًا لا حلمًا. كان عالمًا موازيًا لعالم الهيمنة الغربية يبدو مُقنعًا بما يكفي ليُلهم جيلًا كاملًا من ليبيا إلى العراق إلى سوريا إلى اليمن. وفي عصر الإبادة الصهيونية الراهنة، وحين تقف كل الحكومات العربية الرسمية في خانة التطبيع أو الصمت المُخزي، يبدو الرجل الذي أعلن “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” نقيضًا جوهريًا للرخاوة السياسية الراهنة.
لكن الحنين مؤامرة ضد التحليل. الناصرية لم تكن اشتراكية بأي معنى علمي للكلمة. كانت رأسمالية دولة ذات طابع قومي، تحكمها بيروقراطية عسكرية حلّت محل رأس المال الأجنبي دون أن تُلغي التراتبية الطبقية، بل أعادت إنتاجها تحت سلطة الضابط المدير بدلًا من المُلاك التقليدي. أمّمت القطاعات الكبرى لكنها لم تُرسّخ سيطرة الطبقة العاملة على أدوات الإنتاج. قمعت الشيوعيين والتروتسكيين المصريين بالسجون والمعتقلات. منعت تأسيس نقابات مستقلة حقيقية. وحين جاءت اللحظة الحاسمة في يونيو 1967، حين اختبرت المنظومة كلها تحت ضغط أزمة جيوسياسية حادة، انهارت في ستة أيام. ليس لأن العسكر جبناء، بل لأن مشروعًا لم يبنِ قوة اجتماعية مستقلة للطبقة العاملة لا يملك الاحتياطي البشري الثوري الضروري لمواجهة الأزمات الكبرى. الجيش الذي حارب في 1967 لم يكن جيشًا ثوريًا لأنه لم يكن نتاج ثورة طبقية حقيقية.
والبعث كان الوجه الأكثر فجاجةً للمشروع ذاته. في العراق وسوريا تحولت أيديولوجيا “الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة” إلى غطاء لنظام قمع قائم على الولاء القبلي والعائلي والطائفي. استولت الطغمة العسكرية على جهاز الدولة القومي وحوّلته إلى دولة أجهزة قمع، بالضبط كما توقّع تروتسكي حين تحدث عن مصير كل مشروع “وطني” لا يمتلك قاعدة طبقية ثورية راسخة: ينتهي بالانحطاط نحو الاستبداد البيروقراطي أو الانهيار الكامل. انهار البعث العراقي بغزو أمريكي لأنه لم يملك شعبًا مُنظَّمًا ومُؤمِنًا يدافع عنه. وانتهى البعث السوري بعد عقود من الاستبداد إلى سقوط دراماتيكي عام 2024 أمام قوى ليست أكثر ثورية منه، لكنها ملأت الفراغ الذي تركه غياب يسار طبقي حقيقي.
هنا يأتي تروتسكي ليضع إصبعه على الجرح النظري الذي لم يُعالَج. نظرية الثورة الدائمة في جوهرها ليست خطة عسكرية ولا شعارًا لافتًا، هي تشخيص تاريخي ومادي للمأزق التاريخي للبلدان المتأخرة. التشخيص يقول: البرجوازية الوطنية في بلدان التأخر الرأسمالي عاجزة عن إتمام مهام الثورة الديمقراطية، التحرر من الإمبريالية، وإنجاز الإصلاح الزراعي، وبناء الديمقراطية السياسية، لأنها متشابكة عضويًا مع البنى الاجتماعية القديمة من جهة، ومع رأس المال الدولي من جهة أخرى. كل ما يُوقظ الجماهير المُستغَلة يدفعها هي إلى البحث عن التحالف مع الإمبريالية لا عن الحرب معها. هذا ليس حكمًا أخلاقيًا بل حكم مادي: مصالحها الطبقية تقع في تلك الجهة لا في هذه.
والدليل التاريخي الأصرح على صحة هذا التشخيص هو المسار الفعلي للناصرية بعد 1967: السادات أفسد كل ما بناه ناصر في غضون سنوات. فتح الباب أمام رأس المال الأجنبي، باع السيادة في كامب ديفيد، دجّن الحركة العمالية، وسلّم البرجوازية المصرية الناشئة مقاليد الاقتصاد. هل كان السادات خائنًا شخصيًا؟ ربما. لكن الأهم أن الناصرية لم تبنِ القوة الاجتماعية الطبقية المستقلة التي كانت ستجعل هذه الردة مستحيلة. حين غاب ناصر غاب المشروع معه، لأن المشروع لم يكن قد انتقل فعليًا إلى يدي الطبقة العاملة المنظّمة، بل ظل ملكًا للدولة، والدولة ملكٌ لمن يمسك بمقودها.
هذه هي النقطة التي يُميّز فيها تروتسكي بين “دكتاتورية البروليتاريا” و”دولة البروليتاريا الاسمية”: الأولى تقوم على سيطرة طبقية فعلية للعمال المنظّمين على وسائل الإنتاج وعلى جهاز الدولة، والثانية هي ما رأيناه في كل تجارب رأسمالية الدولة القومية: دولة تنطق باسم العمال والفلاحين والشعب، لكنها تُدار بواسطة طبقة بيروقراطية مستقلة لها مصالحها الخاصة. الانحطاط ليس حادثة عارضة بل نتيجة بنيوية حتمية.
واليوم، حين يتصاعد في العالم العربي يسار شبابي جديد ونشاط مناهض للإمبريالية في عمّان وتونس والقاهرة والجزائر، تبقى الفجوة النظرية ذاتها قائمة: هل سيتجاوز هذا النشاط مرحلة المقاومة الثقافية والأخلاقية نحو بناء سياسي مستقل للطبقة العاملة؟ هل سيفهم أن “التضامن مع فلسطين” و”مناهضة التطبيع” ضروريان لكنهما غير كافيَين، لأن الأنظمة التي تُطبّع ليست مجرد أنظمة ذليلة بل هي أنظمة تعبّر بدقة عن مصالح طبقاتها البرجوازية المتشابكة مع الرأسمالية الدولية؟ لا يمكن كسر التطبيع بالإدانة الأخلاقية. يمكن كسره فقط حين تبني الطبقة العاملة قوتها السياسية المستقلة الكافية لفرض سياسة مغايرة من الداخل.
لكن الفراغ الذي تتركه الرأسمالية المنهكة لا يملؤه اليسار وحده، وهذا هو الجرح الأكثر إيلامًا في المشهد الراهن. اليمين المتطرف، من ترامب إلى ميلي إلى حركات القومية الشعبوية الأوروبية، يُجيد قراءة الغضب الطبقي ذاته ويُحوّله إلى وقود لمشروع مضاد للثورة. الشاب الأمريكي الذي يرى مصنعه يُغلق وقريته تتفكك لا يحتاج إلى قراءة “رأس المال” ليشعر بالغضب، يكفيه أن يجد على شاشته من يقول له: “المشكلة ليست في نظام يستغلك، بل في المهاجر الذي يسرق وظيفتك، والنخبة الكوزموبوليتية التي تحتقر قيمك.” هذه الأكذوبة تعمل لأنها تُقدّم جوابًا عاطفيًا فوريًا لسؤال مادي حقيقي. اليمين المتطرف لا يُزيّف المعاناة، يُزيّف تفسيرها، ويُحوّل الصراع الطبقي إلى صراع هوياتي يخدم في نهاية المطاف الطبقة ذاتها التي صنعت الأزمة. وفي العالم العربي يأخذ هذا الفراغ شكلًا مختلفًا: حين يغيب اليسار الطبقي المنظّم تملؤه حركات الإسلام السياسي التي تُقدّم لغة العدالة والكرامة بمضمون يُحافظ في جوهره على علاقات الإنتاج الرأسمالية ويُعادي الطبقة العاملة المنظّمة بقدر ما يُعادي الفساد الفردي. الفراغ لا يبقى فراغًا، هذه هي القاعدة التاريخية التي يدفع ثمن إغفالها الفقراء دائمًا.
والسؤال الذي لا يُريح هو: لماذا لم يملأ اليسار الراديكالي هذا الفراغ هو؟ الجواب المريح هو إلقاء اللوم على القمع والمراقبة والإمبريالية، وهذه عوامل حقيقية لا شك. لكن الجواب الصادق أكثر مرارة. اليسار الراديكالي في معظمه يعاني من ثلاثة أمراض بنيوية تجعله عاجزًا عن تحويل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية فعلية: الأول هو الانعزال عن الطبقة العاملة الفعلية والانغماس في ثقافة أكاديمية تُنتج نصوصًا تقرأها هيئات التحرير لا العمال. الثاني هو التشرذم الفصائلي الذي يُحوّل الخلافات النظرية المشروعة إلى حروب هوية أيديولوجية تستنزف الطاقة في الداخل بدل توجيهها للخارج، وكأن تروتسكيًا وستالينيًا في غرفة واحدة أعداء أكثر من كليهما مع الرأسمالية. والثالث، وهو الأعمق، هو الانفصال بين البرنامج والواقع المعيش: حين يُخاطب اليسار الشاب الذي لا يستطيع دفع إيجار شقة بخطاب يبدأ من الأممية ويصل إلى التحليل البنيوي للرأسمالية المتأخرة، فهو يُقدّم الإجابة الصحيحة بالأسلوب الخاطئ. اليمين يبدأ من الجرح اليومي ثم يصعد إلى الأيديولوجيا، واليسار الراديكالي كثيرًا ما يفعل العكس. بناء قوة سياسية ثورية يستلزم أن تبدأ من حيث يقف الناس، لا من حيث تريد أنت أن يكونوا.
الإمبريالية في طورها الراهن لا تحتاج إلى مظاهر الهيمنة القديمة، لا تحتاج إلى جيوش احتلال في كل عاصمة. تكفيها ديون صندوق النقد الدولي، وشبكات الشركات متعددة الجنسيات، وبرجوازيات محلية تتقاسم معها الريع وترى مصلحتها في الاستقرار لا في التحرر. هذا هو الغُلّ الحقيقي، ليس القاعدة العسكرية على الأرض، بل الاندماج العضوي للطبقات المسيطرة محليًا مع المنظومة الإمبريالية العالمية. ومن هذا يتضح أن الوطنية الاقتصادية وحدها، تأميم هذا القطاع أو ذاك، بناء صناعة وطنية، رفع الرسوم الجمركية، لا تُشكّل بديلًا ثوريًا. إنها ضرورية أحيانًا كأداة مرحلية، لكنها تظل داخل منطق الدولة الرأسمالية ما لم تقترن بنقل فعلي لسلطة الإنتاج والقرار إلى الطبقة العاملة المنظّمة.
ثورة دائمة لا تعني ثورة لا تنتهي بالمعنى الرومانسي، تعني أن مهام التحرر الوطني ومهام الثورة الاشتراكية لا يمكن الفصل بينهما في هذا الطور من تاريخ الرأسمالية العالمية. كل ثورة وطنية تتوقف عند حدود البرجوازية ستُهزم، سواء بالتدخل الإمبريالي المباشر، أو بالانقلاب العسكري الداخلي، أو بالانحطاط البيروقراطي التدريجي. هزيمة يونيو 1967 ليست فقط هزيمة عسكرية، بل هي الشاهد التاريخي الأكثر إدانةً للوهم القائل بأن برجوازية وطنية، ولو مُلبَّسة بأيديولوجيا التحرر والوحدة، قادرة على قيادة مشروع تحرر حقيقي حتى نهايته.
الشباب في القاهرة وبرلين وكاليفورنيا يشعرون بالشيء ذاته: أن هذا العالم لم يُبنَ لهم، وأن المنظومة التي يحيون فيها تُفقرهم وتُهينهم وتُبيد بعضهم. هذا الشعور هو مادة الثورة الخام. لكن المادة الخام لا تبني مشروعًا إلا حين تُشكّلها نظرية صحيحة وتنظيم سياسي مستقل. بدون الأولى تنتهي إلى قائد كاريزمي يُعيد إنتاج الوهم. وبدون الثاني تنتهي إلى احتجاج عابر يُنهيه جنرال أو يستوعبه برلمان. الثورة الدائمة أو الهزيمة الدائمة، ليس ثمة خيار ثالث في هذا الطور الإبادي من تاريخ الرأسمالية العالمية.





