طالب برفع الحد الأدنى وزيادة سنوية
“اتحاد المعاشات” يرفض التعديلات الحكومية على قانون التأمينات

في مواجهة محاولة جديدة من الحكومة لإعادة هيكلة قانون التأمينات الاجتماعية بطريقة تُكرس إفقار صناديق المعاشات، وجه الاتحاد العام لنقابات أصحاب المعاشات رداً إلى مجلس النواب يفند فيه التعديلات التي تقترحها الحكومة على القانون 148 لسنة 2019. البيان، يكشف كيف تستخدم الحكومة لغة “الفلسفة التشريعية” و”التوازن الاكتواري” كغطاء للتملص من استحقاقات دستورية واضحة، وللاستمرار في سداد ديون الخزانة العامة لصناديق المعاشات بعوائد متدنية تقل عن معدلات التضخم.
تكمن واحدة من أخطر النقاط التي فندها رد الاتحاد في الخلط المتعمد الذي تمارسه الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي. فبدلاً من أن تحسب الهيئة الحد الأدنى للمعاشات بناءً على الحد الأدنى لأجور العمالة المنتظمة (الذي رفعته الدولة إلى 8000 جنيه ابتداءاً من يوليو القادم)، قامت باحتساب الحد الأدنى للمعاش (1755 جنيهاً) بناءً على أجر اشتراك تأميني خاص بالعمالة غير المنتظمة (2700 جنيه).
هذا الخلط، وفقاً لمذكرة الاتحاد، ليس خطأً حسابياً بل «إقصاء وتهميش ومصادرة لأصل الحق». إنه يعني ببساطة أن الدولة تعترف بضرورة ألا يقل دخل العامل النشط عن 8000 جنيه ليحيا بحد أدنى من الكرامة، لكنها في الوقت نفسه تحكم على المتقاعد الذي أفنى عمره في العمل بالعيش بأقل من ربع هذا المبلغ. وقد طالب الاتحاد بتطبيق المادة 27 من الدستور، التي تلزم بـ «تقليل الفوارق بين الدخول»، بحيث يُحدد الحد الأدنى للمعاش بنسبة %80 من قيمة الحد الأدنى للأجور للعمالة المنتظمة، أي 6400 جنيه اعتباراً من يوليو 2026.
المعركة الثانية والأهم التي يخوضها الاتحاد تتركز حول المادة (111) الخاصة بجدولة ديون الخزانة العامة لصناديق المعاشات. الحكومة، التي اقترضت تاريخياً أموال التأمينات لسد عجز موازنتها، قررت في قانون 2019 سداد هذه الأموال (التي تبدأ من 160.5 مليار جنيه) على أقساط تمتد لـ 55 عاماً بفائدة لا تتجاوز %6 تقريباً.
هذا الترتيب ليس أكثر من مصادرة مقنعة. ففي ظل معدلات تضخم تتجاوز العشرينيات وأسعار فائدة في البنك المركزي تتخطى الـ%19، فإن تسديد الديون بفائدة %6 يعني أن القيمة الحقيقية لأموال المعاشات تتآكل وتتبخر لصالح الخزانة العامة. لذلك، رفض الاتحاد التعديل الحكومي وطالب بأن تُسدد ديون الخزانة بفائدة أذون وسندات الخزانة المعلنة من البنك المركزي المصري، وهو التعديل الوحيد الذي يضمن نمواً حقيقياً لأموال المشتركين ويحميها من مخاطر التآكل، كما تقتضي المادة 17 من الدستور التي تنص على أن أموال المعاشات «تستثمر استثماراً آمناً وهى وعوائدها حق للمستفيدين منها».
تمثل أزمة المعاشات في مصر التجسيد الأكثر فجاجة للعنف الهيكلي لرأس مال الدولة. أموال التأمينات ليست منحة من الخزانة العامة، بل هي أجور مؤجلة؛ جزء من فائض القيمة الذي خلقه العمال واقتُطع من قوة عملهم على مدار عقود تحت وعد بردّه إليهم في شيخوختهم.
عندما تستولي الدولة على هذه الأموال لتمويل عجز الموازنة، ثم تقرر إعادتها على نصف قرن بفائدة تقل عن التضخم، وعندما تفصل مسار المعاشات عن الحد الأدنى للأجور لتثبيتها عند أرقام الجوع، فإنها فعلياً تقوم بعملية تراكم عن طريق السلب، أي تخفيف أزمات الرأسمالية من خلال نهب أموال العمال وإفقارهم عند وصولهم إلى مرحلة عمرية ليس لديهم خيارات أخرى.
مشروع الحكومة المعروض حالياً على مجلس النواب، والذي يتحدث عن «الاستدامة المالية» و«معالجة التشابكات»، لا يسعى إلى استدامة معيشة المواطنين، بل إلى استدامة قدرة الدولة على التنصل من التزاماتها التاريخية. وما رصدته مذكرة اتحاد أصحاب المعاشات بشأن حرمانهم من علاوات الحد الأدنى المتتالية منذ 2014 وحتى وصول الأجر لـ 8000 جنيه في 2026 هو توثيق لهذا الانسحاب التدريجي للدولة من دورها الرعائي.
إن إصرار اتحاد أصحاب المعاشات على تقديم مشروع قانون بديل يلزم الدولة برفع المعاشات نضال لانتزاع حق الحياة لمن استُنزفت قوة عملهم وتم إلقاؤهم خارج دائرة الحسابات الدولة.





