بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل فصل السيدات في الأتوبيس الترددي حلاً لمشكلة التحرش؟

أعلنت شركة الأتوبيس الترددي إطلاق حافلات خاصة بالسيدات على الطريق الدائري، تنطلق كل خمس عشرة دقيقة في ساعة الذروة. مجرد الإعلان أشعل نقاشاً صحياً على وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيدين يرون في الحافلات أداةً لرفع عبء القلق اليومي عن كاهل النساء، ومعارضين يرون فيها مسكّناً مؤقتاً لمشكلة بحاجة إلى علاج جذري. وقبل أن نُبدي رأياً، دعونا نرى أبعاد الموقف.

أزمة التحرش في وسائل النقل العام
لا يخفى على قريب ولا بعيد حجم مشكلة التحرش في القاهرة؛ ففي عام 2017 صنّفت وكالة رويترز القاهرة باعتبارها أسوأ عاصمة في العالم لسفر النساء. ومحلياً، كشف استطلاع أجرته الأمم المتحدة عام 2013 أن 99% من النساء المصريات يتعرضن للتحرش بصورة متكررة، وأن 86% منهن لا يشعرن بالأمان في وسائل النقل العام.

وإذا لم تكن هذه المشكلة مفزعة بحد ذاتها، فقد قدّرت دراسة متخصصة أن التكلفة الإجمالية للعنف القائم على النوع الاجتماعي في وسائل النقل بلغت 241 مليون جنيه عام 2015، تشمل تكاليف التقاضي وتغيير المسار والتغيب عن العمل، فضلاً عن 329 مليون جنيه خسائر ناجمة عن التحرش في الفضاء العام بوجه عام. غير أن هذه الأرقام لا تُجسّد الثمن الأقسى الذي تعانيه النساء من استنزاف يومي لطاقتهن، وتقليص حريتهن في التنقل، واضطرار كثيرات منهن إلى التخلي عن وجهاتهن أو تأخير مواعيدهن تجنباً للمخاطرة. استخدام وسائل نقل أكثر تكلفة..

وتجدر الإشارة إلى أن رحلات النساء في وسائل النقل العام تختلف عن رحلات الرجال طبيعةً وتوزيعاً؛ إذ تتنوع أغراضها بين العمل والتسوق وإيصال الأطفال لمدارسهم وزيارة الأقارب، ما يجعلهن في حاجة إلى وسيلة نقل متعددة المحطات ومرتبطه بالدور الاجتماعي الرعائي الموكل للمرأة في المجتمع المصري.

تجربة عربة سيدات المترو منذ 1989 حتى الآن
فكرة عربات السيدات في وسائل النقل جُرّبت على نطاق واسع في البرازيل والهند والمكسيك واليابان وحتى نيويورك. لكن تجربة القاهرة تحديداً تُعدّ من أقدم هذه التجارب؛ إذ انطلقت عربة السيدات في مترو الأنفاق عام 1989 أي بعد عامين فقط من افتتاح الخط الأول. قد يؤكد لنا قطاع واسع من السيدات راحتهن وأمانهن في عربات السيدات أكثر من العربات المختلطة، إن اقتصرنا السؤال على عربات السيدات. لكن علينا أن نسأل أيضاً بعد أربع عقود من المترو، هل مترو أنفاق القاهرة آمن للسيدات وخال من التحرش؟

ربما المترو بالفعل أكثر أماناً من الأتوبيسات والميكروباص، لكنه ليس آمناً بالمعنى الكافي. ففي استطلاع رأي النساء عن أكثر وسائل النقل خطورة، صنّفت 35% الأتوبيسات باعتبارها الأقل أماناً، بينما صنّفت 8% منهن المترو كذلك. وهذه نسبة ليست صغيرة، خاصةً أن المقصود هو وسيلة النقل التي تضم عربة مخصصة للسيدات منذ 4 عقود. وكشفت مجموعات للنقاش أن الازدحام الشديد يُضاعف المخاطر، إذ أفادت النساء بأن “بعضهم يستغل الزحام ليتحرش”، وأن اكتظاظ الركاب يجعل المرأة التي تحمل طفلاً أو حقيبة ثقيلة هدفاً أسهل. في هذا السياق، تعد عربة السيدات ملاذ حقيقي للكثيرات. ولذلك أيّدن 90% من النساء في الاستطلاع وجود عربات مخصصة للسيدات في المترو وأقسام خاصة بهن في حافلات النقل، مما يكشف عن حاجة حقيقية وعميقة للأمان. لكن هذا التأييد لا يعني أن العربات وحدها كافية، بل يكشف عن حجم الأزمة: حين تصل نساء إلى درجة تمنّي الفصل التام لأنهن يائسات من الحماية في الفضاء المشترك، فهذا دليل إدانة للوضع القائم ولعدم أمانهن في المساحة العامة.

ماذا يحدث خارج عربة السيدات؟
مشكلة عربات السيدات التي ينبهنا لها كثير من المعلقات والمعلقين أنها تأتي كاعتراف بمشكلة التحرش الموجودة بالفعل وليس لتقديم حلول. فالسيدات اللاتي سيركبن العربات المشتركة لم يعلن عن أي طريقة لحمايتهن، مع العلم أنهنّ مستحقات تماماً لاستخدام أي عربة بسبب عدم كفاية عربات السيدات لكل السيدات وزيادة زمن التقاطر لعربات السيدات في الأتوبيس الترددي عن باقي العربات فتكون السيدات مضطرات إما للانتظار الطويل وإما للمخاطرة في العربات المختلطة دون حماية. وينبهنا الاستطلاع السابق ذكره أن 60% من النساء أفدن بتعرضهن للتحرش الجسدي في محطات الانتظار، فيما تجاوزت نسبة من تعرضن للتحرش اللفظي الـ 80%.

وهنا، تبرز مشكلة إضافية: يعتبر كثير من الرجال العربات المختلطة في مترو القاهرة “عربات رجال” بالثقافة السائدة، مما يجعل وجود النساء فيها أمراً يستوجب التعليق أو الضغط أو التحرش. فما كان يُفترض أن يكون حقاً مشتركاً تحوّل إلى فضاء معادٍ، وهذه الثقافة لا تتغير بإضافة عربة منفصلة، بل تتكرّس بشكل أعمق.

وثمة خطر آخر من ناحية الإدارة والتخطيط هو أن يُخلق وهم بأن المشكلة قد حُلّت ببعض عربات السيدات، فتتوقف الضغوط المجتمعية والمؤسسية عن المطالبة بإجراءات حقيقية. وهذا تحديداً ما يجعل الحل الجزئي أحياناً أكثر إضراراً من الفراغ الصريح.

ماذا نريد بدلاً من ذلك؟ حلول حقيقية عاجلة وبعيدة المدى
السؤال الحقيقي ليس “هل نوافق على عربات السيدات؟” بل “كيف نجعل وسائل النقل العام آمنةً للنساء فعلاً؟” وهناك إجابات عملية، بعضها قابل للتطبيق الفوري.

أولاً: آليات الإبلاغ والردع الفورية: أثبتت تجربة مدينة كيتو الإكوادورية نجاحاً لافتاً في هذا المجال؛ إذ أتاحت للركاب الإبلاغ عن التحرش عبر رسالة نصية من الموبايل تُنبّه السلطات والسائق فور استقبالها، وتُفعّل إعلاناً مضاداً للتحرش داخل الحافلة، فيما تتلقى الضحية اتصالاً دعماً نفسياً. يستقبل هذا النظام ما لا يقل عن ثماني حالات يومياً بين السادسة صباحاً والتاسعة مساءً. واللافت أن الرسالة النصية أثبتت فاعلية أكبر من التطبيقات الذكية في بعض المدن البرازيلية والهندية، لأنها لا تحتاج إلى اتصال بالإنترنت، كما أن الإعلان الصوتي داخل الحافلة يُفعّل الرقابة المجتمعية للركاب الآخرين.

ثانياً: الكاميرات ومنظومة الشكاوى: يُوصي باحثو نظام الأتوبيس الترددي في القاهرة بتركيب كاميرات مراقبة داخل الحافلات ووضع منظومة واضحة لتلقي الشكاوى والمتابعة. فبدون توثيق، يصعب المحاسبة، وبدون محاسبة يصعب الردع.

ثالثاً: التوقف عند الطلب في الليل: تطبّق مدن مثل مونتريال وتورنتو وباريس وبنغالور خدمة “إيقاف عند الطلب” المماثلة لأي أتوبيس أو ميكروباص في القاهرة بدون الحاجة للوقوف في المحطة تحديداً كما في الأتوبيس الترددي. تتيح الخدمة (حسب موقعها) للمرأة النزول في أي نقطة بين المحطات لتقليل المسافة التي تمشيها في الظلام.

رابعاً: تعيين النساء في قطاع النقل وخاصة داخل الحافلات: تُقدّر نسبة النساء في طواقم العمل بالنقل في القاهرة بأقل من 2% بما فيهن الوظائف الإدارية والصيانة. هذا الغياب له ناتج مباشر في حالة التحرش، فقد يصعب على المرأة أن تثق بآليات الإبلاغ أو شجاعة الحكي أمام رجال غرباء خاصة مع ظاهرة دفاع الرجال التلقائي عن الرجال، أو أن يشعر المتحرش بأن البيئة متساهلة. وتجربة شبكة الحافلات في داكار بالسنغال تُلهمنا هنا، فقد صمّم الأتوبيس الترددي في سياق بيئة مماثلة ووضع القائمون عليه هدفاً لتعيين 25% من موظفي الشبكة من النساء مقارنةً بالسابق حيث لم تتجاوز نسبة العاملات في النقل 4%، بما في ذلك سائقات. ونجح المشروع فعلاً في تعيين 43% من القوى العاملة من النساء.

خامساً: التدريب على التعامل مع التحرش: لا تمتلك أيٌّ من شركات النقل المصرية سياسةً مكتوبة للتعامل مع التحرش الجنسي وفق ما رصدته الدراسات. يعني ذلك أن السائق أو المشرف الذي يشهد حادثة لا يعرف ماذا يفعل، أو لا يشعر بأنه مُلزَم بالتدخل ويترك الأمر لضميره. التدريبات قد تكون حلاً جيداً حين يتعثر تعيين النساء كسائقات.

سادساً: تغيير الثقافة المؤسسية والشعبية جُرّم التحرش في مصر قانونياً عام 2014 بعد حملات مجتمعية طويلة، لكن تطبيق القانون ظل متذبذباً. الضغط المستمر على تطبيق عقوبات رادعة، واعتماد نظام إبلاغ بسيط وجدي، هو ما يجعل القانون فعال.

القضاء على التحرش بدلاُ من نقله من عربة إلى أخرى
الاعتراض ليس على وجود عربات السيدات في حد ذاته؛ فأي إجراء يُخفف من وطأة الخطر اليومي مرحَّب به. الاعتراض على الاكتفاء بها، والتصرف على أساس أن المشكلة قد حُلّت. نريد أن ينزل الرجل الذي يتحرش من الحافلة بقرار قانوني، وتحت رقابة مجتمعية، لا أن تنتقل المرأة المتحرش بها إلى حافلة أخرى. نريد بيئة نقل عام آمنة للجميع، لأن ذلك ممكن، وتجارب العالم تثبت أنه ممكن. والنساء اللواتي يقضين حاجات المجتمع الرعائية بخوف يستحققن أكثر من انتظار حافلة تأخذ مدةً أطول بين كل رحلة والأخرى.