بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

«نباتات الذاكرة» وجذور النضال ضد الإخفاء القسري

شهد يوم السبت الماضي، تدشين أول «غابة ذاكرة»، ضمن حملة «نباتات الذاكرة ومقاومة النسيان». الفعالية، التي نُظمت بالتزامن مع اليوم العالمي للتعايش بسلام، جاءت ثمرة تعاون بين مبادرة «نباتات الذاكرة» وأمانة الحقوق والحريات بحزب المحافظين، لترسيخ الحق في الذاكرة ومقاومة سياسات المحو والنسيان التي تنتهجها السلطة ضد ضحايا الإخفاء القسري.

في ظل تغول القبضة الأمنية ومحاولات السلطة المستمرة لطمس آثار جرائمها، يأتي زرع «نباتات الذاكرة» كفعل مقاومة رمزي وجماعي. فالمبادرة التي أسستها شقيقة المختفي قسرياً أحمد حسن منذ عام 2019، تتجاوز البعد البيئي لتطرح مقاربة نضالية جديدة تعتمد على الحفاظ على الذاكرة الجماعية بهدف زراعة شجرة لكل مختفٍ قسرياً لتثبيت وجودهم في الحيز العام، وتحويل غيابهم إلى حقيقة حية تنمو وتكبر، تقف شاهدة على جرائم النظام وتدحض السردية الرسمية التي تنكر وجودهم أو تصفهم كحالات «تغيب».

تخللت الفعالية رسائل مؤثرة من أسر المختفين، كشفت عن حجم المعاناة النفسية والاجتماعية التي تفرزها هذه الجريمة. فمن رسالة أسرة الطبيب والبرلماني السابق مصطفى النجار، التي أكدت التمسك بالأمل كحق أصيل، إلى رسالة والدة الشقيقين محمد وأسامة السواح، المختفيين منذ 8 سنوات، وصولاً إلى رسالة زوجة المخرج عمر صلاح مرعي، الذي أُخفي مؤخراً، تبرز بوضوح وحشية هذه الممارسة التي تهدف إلى معاقبة الأسرة بأكملها وتكريس حالة من الرعب في المجتمع.

استهداف المعارضين السياسيين والنشطاء، كما أشار محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، يعكس سياسة ممنهجة لإخراس الأصوات الرافضة وتجفيف منابع المعارضة. وتشير إحصاءات المفوضية إلى توثيق ما يقارب 4800 حالة إخفاء قسري خلال السنوات العشر الماضية، مما يثبت أن هذه سياسة دولة.

اللافت في رسالة زوجة المخرج عمر صلاح مرعي هو تسليطها الضوء على استهداف الفنانين والمبدعين، معتبرة إياه محاولة واضحة للسيطرة على الخيال. هذا الاستهداف يعكس خشية السلطة من أي سردية بديلة تقوض هيمنتها الأيديولوجية. النظام لا يكتفي بقمع الفعل السياسي المباشر، بل يمتد قمعه ليشمل الخيال والإبداع، في محاولة لفرض لون واحد وصوت واحد.

تطرقت الفعالية أيضاً إلى التحديات القانونية التي تواجه أسر المختفين، حيث استعرض المحامي أحمد معوض الصعوبات في إثبات وقائع الإخفاء وتوصيفها قانونياً. ويشكل تلاعب السلطة بالمصطلحات، وتوصيف حالات الإخفاء على أنها «تغيب»، جزءاً من استراتيجية التنصل من المسؤولية وإضفاء شرعية زائفة على انتهاكاتها. وقد أكد النائب حسني سبالة أن الأزمة لا تكمن في التشريعات، بل في غياب إرادة سياسية وآليات تطبيق تحترم سيادة القانون. وفي هذا السياق، أعلنت آية عبد الحميد عن تدشين وحدة للعدالة الجنائية بحزب المحافظين للعمل بشكل مؤسسي، في خطوة هامة نحو تفعيل آليات المحاسبة والمساءلة.

قد يصف البعض مبادرة «نباتات الذاكرة» على أنها مجرد فعالية رمزية، لكن الحقيقة هي أن المبادرة تأكيد على أن الذاكرة هي ميدان من ميادين الصراع السياسي، وأنها صرخة في وجه النسيان، وإعلان بأن حكايات المختفين ستظل حية، تنمو وتثمر كالأشجار التي غُرست بأسمائهم، حتى يوم تحقيق العدالة.