فسحة العيد كمرآة لتحولات المدينة:
قراءة في تآكل المساحات الخضراء وإعادة تشكيل القاهرة

قضيتُ سنواتٍ طويلة من طفولتي في حديقة الميريلاند بمصر الجديدة. كانت قريبة بما يكفي من بيتنا لأن تبدو امتدادًا طبيعيًا له؛ فسحة “حنيّنة ع الجيب”، وملاذ الأمهات المرهقات، وعزاء الآباء الذين يريدون إسعاد أطفالهم دون أن ينفقوا نصف الراتب. لديّ ألبومات صور كاملة هناك: أنا بفساتين صغيرة تتبدل كل سنة، أقف جوار أحواض الزهور أو أمام البحيرة، أمد يدي للوز، وأصفق بحماس للدلافين، ثم أنحني، بجدية طفلة تكتشف العالم للمرة الأولى، لأشم أكبر عدد ممكن من الأزهار. كان أبي يحملني على كتفيه لأرى العصافير فوق الأغصان العالية؛ أراقب ارتجافها الخفيف وقفزاتها القصيرة بين الفروع، وأصغي إلى صفيرها الذي بدا لي، دائمًا، ممتلئًا بالبهجة، كما لو أن الشجر نفسه يغني.
وفي كل جمعة، اليوم الغير رسمي للتجمعات العائلية في مصر، كنا نجتمع في بيت جدتي، فتضمنا حفيدًا حفيدًا، ثم تطردنا بلطف من الشقة حتى موعد الغداء صارخةً خلفنا: “روحوا العبوا في الجنينة!” فنهرب من أهالينا لـ”الجنينة” التي كانت في الحقيقة ميدان في منتصف شارع عمومي…مكتظة بالشجر والأزهار نلعب كرة القدم و”استغماية” و “عسكر وحرامية”.
وقبل كل عيد تقريبًا، لأن أبي كان يكره الزحام، كان يأخذني صباحًا إلى حديقة الحيوان في الجيزة. كنت أطعم الزرافة بيدي الصغيرة المرتبكة، وأقف مأخوذة أمام الأسد، وأصطحب معي أحيانًا دميتي المفضلة لكي ترى الحديقة هي الأخرى. وبعدها نمشي على الكورنيش. أو يمشي أبي، بينما يحملني نصف الطريق تقريبًا. يأكل تينًا شوكيًا من عربة على الرصيف، ويشتري لي غزل البنات، ثم يبتسم متآمرًا ويطلب مني ألا أخبر أمي ولا جدتي.
هذه الصور ستبدو مألوفة لملايين المصريين الذين نشأوا في مدن كانت، رغم قسوتها وفقرها، تترك مساحة للناس كي يتنفسوا؛ فيها أماكن يمكن للناس أن يجلسوا فيها دون أن يُطلب منهم شيء: لا تذكرة باهظة، ولا فاتورة، ولا تصريح، ولا بوابة حديدية، ولا رجل أمن يسألك “أنت واقف هنا ليه؟”.
في العيد، لا أملك غير أن أفكر في أن أبي، لو حاول تكرار هذه النزهات اليوم، لن يعرف إلى أين يذهب بي.
ومع كل عيد منذ انقلاب يوليو 2013 يصبح تخيل شكل الفسحة وتدبيرها أصعب قليلًا. فالمساحات التي كانت تستقبل الطبقات الوسطى والعاملة والفقيرة تتقلص باطراد، بينما تتمدد مدينة أخرى فوق أنقاضها؛ مدينة الكومباوندات والكردونات والأسوار والخرسانة والاستثمار وبيع الأصول والإحلال الطبقي (gentrification) لأجل عيون الخلايجة والطبقة الحاكمة المصرية. حتى الحدائق التاريخية التي نجت لعقود من التحولات المتتالية، مثل حديقة الزهرية في الزمالك، لم تعد آمنة من منطق التطوير نفسه الذي حوّل الكورنيش إلى صف طويل من الكافيهات والحواجز، والشوارع إلى ممرات رمادية كئيبة وملتهبة بلا ظل.
ويصبح سؤالي الآن هو…من الذي يعيد تشكيل المدينة بهذا الشكل، وبأي منطق تُعاد هندسة حياتها — وحياتنا — اليومية؟
الحدائق العامة والأشجار في القاهرة: بين خطاب التوسع الأخضر وممارسات تقليصه
شهدت الحدائق العامة التاريخية في القاهرة العقد الماضي موجة متصاعدة من الجدل المرتبط بأعمال “التطوير” وإعادة التوظيف العمراني، خصوصًا مع تكرار وقائع إزالة الأشجار، وتقليص المساحات الخضراء، وتحويل أجزاء من الحدائق إلى أنشطة استثمارية وتجارية. وقد تزامنت هذه التحولات مع خطاب رسمي يؤكد التوسع في التشجير وتحسين البيئة الحضرية، من خلال المبادرة الرئاسية لزراعة «100 مليون شجرة»، التي أعلنت وزارة التنمية المحلية، في مايو الجاري، الانتهاء من مرحلتها الرابعة، متضمنة زراعة أكثر من 200 ألف شجرة في المحافظات والطريق الدائري بالقاهرة الكبرى، ضمن خطة تستهدف تحسين جودة الهواء وخفض درجات الحرارة ومواجهة آثار التغير المناخي.
غير أن هذا التوسع الرسمي في خطاب التشجير جاء بالتوازي مع تزايد المخاوف المرتبطة بتآكل الحدائق التاريخية داخل القاهرة نفسها. ففي تقرير نشره موقع «مدى مصر» خلال مارس 2025 حول حديقة المسلة بالزمالك، حذر سكان المنطقة وجمعيات أهلية من “الاعتداء على الحديقة التاريخية” عبر تنفيذ أعمال إنشائية لصالح شركة استثمارية خاصة تهدف إلى إنشاء مطاعم ومقاهٍ وتحويل الحديقة إلى “ملتقى تجاري”. وأشارت رئيسة جمعية تنمية الزمالك، نادرة زكي، إلى أن الأعمال الجارية تخالف الدليل الاسترشادي للتعامل مع الحدائق التراثية، مؤكدة أن السكان فوجئوا ببدء الإنشاءات دون إخطار مسبق أو مشاركة مجتمعية.
وربط التقرير نفسه بين ما يجري في حديقة المسلة وبين اتجاه أوسع لتحويل الحدائق التراثية إلى فضاءات استهلاكية وتجارية. كما أشار إلى طلب الإحاطة الذي تقدمت به النائبة سميرة الجزار في فبراير 2025، ووصفت فيه ما يحدث داخل حدائق الزمالك وضفاف النيل بأنه “تغول على حقوق المواطنين والسكان” ومخالفة للقانون والدستور، خاصة مع إدراج حديقة المسلة رسميًا ضمن المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز بموجب قرار وزارة الإسكان رقم 817 لسنة 2020.
وتنص المادة (32) من الدستور المصري الحالي على أن “موارد الدولة الطبيعية ملك للشعب، تلتزم الدولة بالحفاظ عليها وحسن استغلالها وعدم استنزافها، ومراعاة حقوق الأجيال القادمة فيها” كما تنص المادة (45) من الدستور على أن الدولة “تكفل حماية وتنمية المساحة الخضراء في الحضر، والحفاظ على الثروة النباتية والحيوانية والسمكية، وحماية المعرض منها للانقراض أو الخطر، والرفق بالحيوان”.
وفي مايو الجاري، نشر موقع «باب مصر» تقريرًا موسعًا حول أعمال إزالة الأشجار داخل سور حديقة الميريلاند في مصر الجديدة، وهي الحديقة التي تمتد على مساحة 22 فدانًا وترتبط تاريخيًا بهوية حي هليوبوليس. ونقل التقرير شهادات لسكان المنطقة وخبراء تخطيط عمراني اعتبروا أن إزالة الأشجار تمثل امتدادًا لتشويه الهوية العمرانية والبصرية للحي، الذي عُرف تاريخيًا بكثافة أشجاره وحدائقه المفتوحة. كما أشار التقرير إلى إزالة حدائق صغيرة ومساحات خضراء في شوارع مثل الحجاز وعبد العزيز فهمي والسباق وشهاب الدين خفاجة، ضمن توسعات مرورية ومشروعات تطوير عمراني شهدها الحي خلال السنوات الأخيرة.
واعتمد التقرير على تصريحات للدكتور محمود غيث، أستاذ هندسة التخطيط العمراني ورئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمراني، الذي ربط بين اختفاء الأشجار القديمة وبين فقدان “الذاكرة الجمعية” و”التوجيه البصري” داخل المدينة، موضحًا أن الأشجار المعمرة ليست مجرد عنصر جمالي، بل جزء من إدراك السكان للمكان وعلاقتهم النفسية به.
ولم تقتصر المخاوف على الميريلاند أو المسلة فقط، إذ نشر «مدى مصر» في نوفمبر 2025 تقريرًا بعنوان «جمعية الزمالك تحذر من تسليم حديقة النهر التراثية للتطوير»، تناول القلق المتزايد من احتمالات تكرار نموذج “تطوير” حديقة المسلة داخل حديقة النهر بالزمالك. وأكدت جمعية تنمية الزمالك، بحسب التقرير، أن الحدائق التراثية تمثل “المتنفس الأخير” لسكان القاهرة، محذرة من أن تحويلها إلى مرافق تجارية سيؤدي إلى فقدان المدينة جزءًا من ثروتها البيئية والثقافية، فضلًا عن زيادة التكدس المروري والضغط العمراني داخل الحي.
وفي أكتوبر 2024، تناولت «المنصة» مستقبل حديقة أم كلثوم بالمنيل، بعد صدور قرارات بإنهاء حق الانتفاع الخاص بعدد من منشآت طرح النهر تمهيدًا لتطوير المنطقة تحت إشراف جهات تابعة للقوات المسلحة. ونقلت الصحيفة عن مدير الحديقة، المهندس هاني إبراهيم، قوله إن العاملين لا يملكون معلومات واضحة حول مصير الحديقة أو طبيعة المشروع المرتقب، متسائلًا عما إذا كانت الحديقة ستظل مساحة خضراء مفتوحة أم ستتحول إلى مشروعات سياحية وتجارية “مثل ممشى أهل مصر”.
كما أشار إبراهيم إلى أن الحديقة، التي تستقبل نحو ألف زائر يوميًا، تمثل متنفسًا لمحدودي الدخل، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة الخروج في القاهرة، وإغلاق حدائق أخرى مثل الحيوان والأورمان. وأوضح أن الحديقة تؤدي أدوارًا اجتماعية تتجاوز الترفيه، إذ تستخدمها أسر مرضى مستشفيات القصر العيني وأطفال السرطان كمكان للاستراحة والتنزه. وقد أغلقت الحديقة بعد شهرين من نشر المقال.
وفي سياق متصل، وثّق تقرير آخر لـ«مدى مصر» عمليات تجريف جرت في محيط حديقة الحرية بالزمالك بالتوازي مع أنباء عن تحويل أجزاء من المنطقة إلى مشروع استثماري. وأوضح التقرير، بالاستناد إلى دراسة أكاديمية منشورة عام 2007 بعنوان «التركيب النباتي لبعض الحدائق النباتية التاريخية في القاهرة الكبرى»، أن حديقة الحرية التي أُنشئت عام 1876 على مساحة 28.7 فدانًا فقدت أكثر من 75% من مساحتها الأصلية عبر اقتطاعات متتالية لصالح منشآت ومؤسسات مختلفة، بينها نادي القاهرة ومتحف مختار والحرس الجمهوري وفندق شيراتون الجزيرة، حتى لم يتبقَّ فعليًا سوى نحو سبعة أفدنة فقط تحت إدارة محافظة القاهرة.
ذلك وقد أظهرت صور حديثة ملتقطة عبر الأقمار الصناعية في مايو الجاري، نشرتها منصة «متصدقش»، استمرار تراجع الغطاء الشجري في حديقتي الأورمان والحيوان، مع اتساع نطاق التجريف داخل مساحات كانت مغطاة بالنجيل والأشجار، بالتوازي مع توسع أعمال إنشائية جديدة داخل الحديقتين. ووفق تحليل المنصة لصور أقمار صناعية سابقة ملتقطة في 2 إبريل 2023 وصورة Sentinel-2 بتاريخ 29 أبريل 2026، فإن هناك انخفاضًا تدريجيًا في كثافة الغطاء النباتي، وهو ما تعزّز في صورة 2 مايو 2026 من شركة “بلانيت”، التي أظهرت تراجعًا إضافيًا في المساحات الخضراء واستمرار أعمال الحفر والإنشاء.
وتشير المواد المصورة إلى أن حديقة الحيوان شهدت إعادة تشكيل في عدد من القطاعات، بينها إزالة أشجار في المنطقة الشمالية الشرقية لصالح استكمال منشآت قرب أقفاص الأسود وبيت الثعالب، إلى جانب إعادة تصميم المنطقة الفاصلة بين بيت الثعالب ومتحف الحيوان. كما رُصدت تغييرات في بعض العناصر التراثية، من بينها إعادة طلاء كشك ياباني، وأعمال تبطين لبحيرة جزيرة الشاي دون إعادة ملئها بالمياه حتى تاريخ التقاط الصور.
أما في حديقة الأورمان، فتظهر صور «متصدقش» توسع عمليات إزالة الغطاء النباتي في مناطق متعددة من الحديقة، بما في ذلك محيط البحيرة في المنتصف، وتحول أجزاء خضراء إلى مواقع إنشاءات جديدة، من بينها مبانٍ يُقدّر طول أحدها بنحو 80 مترًا على الأقل. كما رُصدت أعمال حفر في شمال غرب الحديقة، واستكمال منشآت في الجنوب الغربي، إلى جانب بناء وحدات جديدة في القطاع الغربي يُرجّح أن تكون مطاعم وكافيهات، بعد أن كانت المنطقة مغطاة بالكامل بالنجيل الأخضر.
وتضيف المنصة أنه في حديقة الحيوان أيضًا، جرى إعادة تخطيط مناطق كاملة، بما في ذلك منطقة بحيرات أفراس النهر، حيث ظهرت منشآت مكان البحيرة الصغيرة، إلى جانب تفريغ البحيرة الأكبر وإعادة تصميمها مع اقتطاع أجزاء منها لإنشاء مبانٍ ملحقة. كما رُصد بناء عدة منشآت جديدة في غرب الحديقة وإزالة مساحات خضراء مجاورة لها.
ويقوم بتنفيذ أعمال المشروع، بحسب التقرير، شركة الإنتاج الحربي للمشروعات والاستشارات الهندسية، وشركة أبناء سيناء للتشييد والبناء المملوكة لرجل الأعمال إبراهيم العرجاني، وشركة حدائق لإدارة الحدائق والمنشآت الترفيهية، التي يرأسها محمد كامل، الرئيس السابق لشركة استادات، المملوكة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة لجهاز المخابرات العامة. ويشاركهم أيضًا شركة الأهلي فاروس التابعة للبنك الأهلي المصري.
وقد كتب الدكتور نبيل الهادي، أستاذ العمارة في كلية هندسة بجامعة القاهرة، في دراسة بعنوان Mapping Trees in Egyptian Cities نشرت في مايو الجاري: “جاءت أخبار التطوير المخطط لحديقتي الحيوان والأورمان النباتية كصدمة لكثير من الناس، بمن فيهم أنا”، قبل أن يربط هذه الصدمة بسؤال أوسع يتعلق بعلاقة سكان المدينة بالطبيعة نفسها، وبمعنى وجود الأشجار داخل فضاء حضري يتغير باستمرار.
ويخصص الهادي جزءًا مهمًا من دراسته لتاريخ حديقتي الأورمان والحيوان بوصفهما نموذجًا لفكرة “التراث الأخضر” في القاهرة. ويوضح أن حديقة الأورمان كانت جزءًا من حدائق الجيزة الخديوية التي أُنشئت عام 1873 على مساحة تقارب 200 فدان، قبل أن تتعرض مساحتها لتقليصات متتالية لصالح جامعة القاهرة وحديقة الحيوان وهيئة المساحة ومديرية أمن الجيزة، حتى تقلصت إلى نحو 28 فدانًا فقط. كما يشير إلى أن الحديقة تضم واحدة من أغنى المجموعات النباتية في مصر، بما يزيد على 835 نوعًا نباتيًا من 115 فصيلة، بينها أشجار نادرة ونباتات عصارية وصبارات ونباتات مائية ومتحف نباتي يحتوي على أكثر من خمسة آلاف عينة محفوظة.
أما حديقة الحيوان، فيوضح الهادي أنها أُنشئت على جزء من الحدائق الخديوية بالجيزة، وضمت عبر تاريخها عناصر معمارية ونباتية نادرة، بينها جسور ومغارات صناعية وحدائق صبار وبحيرات ونباتات استوائية. كما سجلت الدراسة وجود 325 نوعًا نباتيًا داخل الحديقة تمثل 68 فصيلة نباتية مختلفة. ويؤكد الهادي أن أخبار “تطويرحديقتي الحيوان والأورمان جاءت “كصدمة” لكثيرين، لأنها لا تتعلق فقط بمصير مبانٍ أو مرافق، وإنما بمصير منظومة نباتية وتاريخ بيئي كامل تشكّل عبر أكثر من قرن ونصف.
وتكشف هذه الوقائع، الممتدة عبر عدد من الحدائق التاريخية في القاهرة، عن تحوّل تدريجي في وظيفة الفضاءات الخضراء العامة، من كونها مساحات مفتوحة للترفيه والتنزه والراحة البيئية، إلى مواقع تخضع بصورة متزايدة لمنطق الاستثمار وإعادة التوظيف الاقتصادي.
المساحات العامة بين الضبط والتسليع
يمكن فهم التحولات المعاصرة في المدن، وخاصة في سياقات مثل القاهرة، ضمن توسع غير مسبوق في شكلين متداخلين من إعادة إنتاج الفضاء الحضري: تعميق الضبط الأمني والإداري (العسكري، في حالتنا) من جهة، وتوسيع منطق التسليع والتمويل العقاري والاستهلاك من جهة أخرى. هذا التداخل لا يعكس مجرد سياسات عمرانية، بل يعكس نمطًا عالميًا لتحول المدينة إلى أداة مركزية في إدارة التناقضات الاجتماعية والاقتصادية للرأسمالية المعاصرة.
يشرح الماركسي الأمريكي-البريطاني ديفيد هارفي، أستاذ الأنثروبولوجيا والجغرافيا، في نص له بعنوان The Right to the City (الحق في المدينة) أن في هذا الإطار، تصبح المدينة أكثر من مجرد فضاء للسكن أو التفاعل الاجتماعي، وتتحول لبنية تعمل على امتصاص الفائض الاجتماعي والمادي عبر إعادة تدوير الأرض، والعمل، والفضاء نفسه في دورات متتالية من الاستثمار والتوسع. تظهر هذه العملية بوضوح في الطفرات العمرانية الكبرى عالميًا، حيث تتزامن مشاريع البنية التحتية الضخمة—من الطرق والمطارات إلى المراكز التجارية والمجمعات السكنية المغلقة—مع توسع مناطق الإقصاء الحضري والهشاشة.
في المقابل، يتشكل ما يمكن وصفه بـ”الوجه الآخر” لهذا التوسع: مدن غير رسمية، مناطق عشوائية، وسكان يعيشون خارج أنظمة التخطيط والخدمات الأساسية، أو، في أحسن تقدير، على هامشها. هذا التباين الحاد هو جزء بنيوي من نمط إنتاج المدينة، حيث يُعاد توزيع الثروة والمخاطر بشكل غير متكافئ داخل نفس الفضاء الحضري.
في حالة القاهرة، يتجلى هذا التناقض في توازي عمليتين: من جهة، إعادة تنظيم الميادين والساحات العامة، وتكثيف الحضور الأمني، وتقييد أشكال الاستخدام الجماعي؛ ومن جهة أخرى، توسع أنشطة استثمارية داخل الفضاء العام نفسه، مثل تحويل أجزاء من الأرصفة أو المساحات تحت الكباري إلى مشاريع مدفوعة (كافيهات ومطاعم ومساحات استهلاك). هذا التوازي يكشف أن الفضاء العام لا يتم فقط “ضبطه”، بل يتم أيضًا إعادة إدخاله في دوائر القيمة الاقتصادية.
وبذلك، يمكن قراءة التحولات التي طرأت على ميدان التحرير—من مساحة احتشاد سياسي مفتوح ورمز لأكبر ثورة شعبية في تاريخ مصر الحديث إلى فضاء شديد التنظيم والمراقبة—بوصفها جزءًا من إعادة تعريف وظيفة المجال العام: من فضاء احتمالات جماعية إلى فضاء مُدار، يُسمح فيه بالحركة لكن ضمن شروط صارمة تحدد من يظهر، وكيف، ومتى.
هذا التحول لا ينفصل عن منطق أوسع لإدارة المدينة ككل، حيث يتم إنتاج الفضاء الحضري كوسيلة لاحتواء التناقضات بدلًا من حلها. فالتوسع في البنية التحتية أو إعادة تطوير الفراغات لا يستهدف فقط تحسين “الخدمة” كما تدعي حكومة الثورة المضادة، بل أيضًا خلق مجالات جديدة لاستيعاب الفائض الاقتصادي، سواء عبر الاستثمار العقاري، أو إعادة توظيف الأرض، أو توسيع أنماط الاستهلاك الحضري.
في الوقت نفسه، تُظهر التفاوتات في توزيع المساحات الخضراء والخدمات أن الفضاء الحضري نفسه يُعاد تقسيمه وفق خطوط طبقية واضحة. فالوصول إلى البيئة الجيدة، أو الفراغات المفتوحة، أو البنية التحتية، أصبح نتيجة موقع داخل خريطة اجتماعية-اقتصادية غير متكافئة بل وتتسع فيها الفجوة بين الطبقة الحاكمة وباقي الشعب بشكل شديد السرعة. تشير البيانات المتعلقة بانخفاض نصيب الفرد من المساحات الخضراء في القاهرة، وتركّز المخاطر الحرارية في مناطق بعينها، إلى أن البيئة لم تعد خلفية محايدة، بل أصبحت جزءًا من آلية إعادة إنتاج عدم المساواة.
تخبرنا اخر البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) المتعلقة بخط الفقر أن نسبة السكان تحت خط الفقر بلغت 32.5% عام 2018، مع تباين واضح في الوصول إلى الخدمات والمساحات العامة بين الفئات الاجتماعية المختلفة.
كما تشير بيانات بيئية رسمية ودراسات أكاديمية صادرة عن منظمة الصحة الدولية (WHO) ومعايير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) إلى أن الحد الأدنى الموصى به من المساحات الخضراء للفرد يتراوح بين 12 و18 مترًا مربعًا في الدول النامية، ويرتفع في الدول الأعلى دخلًا إلى ما بين 20 و40 مترًا مربعًا للفرد.
في المقابل، تُظهر تقديرات بيئية أن نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء لا يتجاوز 0.5 متر مربع، مع إجمالي مساحات خضراء يُقدّر بنحو 5.4 مليون متر مربع فقط، في مقابل احتياج يتجاوز 58 مليون متر مربع، أي أقل من 10% من الحد الأدنى اللازم.
وتشير دراسات بيئية دولية منشورة في دورية نيتشر في 2015 إلى أن نصيب الفرد من الأشجار في مصر يُعد من الأدنى عالميًا، حيث يقارب شجرة واحدة للفرد.
كما تُظهر دراسة صادرة عن جامعة القاهرة عام 2019 أن 13 منطقة من أصل 46 منطقة داخل القاهرة معرضة لمخاطر مرتفعة جدًا من موجات الحرارة، مع ارتباط واضح بين هذه المناطق ومستويات الكثافة السكانية والفقر.
وتشير بيانات أخرى إلى أن متوسط نصيب الفرد من الغطاء الأخضر في القاهرة الكبرى كان قد بلغ نحو 1.5 متر مربع عام 2008، وفقًا لتقديرات تخطيطية سابقة (مشروع رؤية القاهرة 2050 الصادر عام 2009)، والذي استهدف رفع هذا المتوسط إلى 18 مترًا مربعًا للفرد، إلا أن الواقع الفعلي لم يقترب إطلاقًا من هذا الهدف.
كما تراجع ترتيب مصر في مؤشر أداء تغير المناخ إلى المركز 38، بعدما كانت تحتل المركز 20 في عام 2023.
ويأتي هذا التراجع رغم ما رافق فترة استضافة مصر لمؤتمر التغيرات المناخية COP27 في شرم الشيخ من تعهدات وتمويلات دولية موجهة لدعم التحول نحو الطاقة النظيفة، من بينها نحو 500 مليون دولار مقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. ويثير هذا الانخفاض تساؤلات بشأن مدى كفاءة إدارة وتوجيه هذه التمويلات، في ظل استمرار ملاحظات متكررة حول محدودية الشفافية في القطاع البيئي.
غير أن تقاطع الضبط والتسليع لا يظل عند حدود الشارع أو الميدان أو الجنينة، بل يمتد إلى البنية التحتية التي تُنتج شرط وجود هذه المساحات أصلًا—وأبرزها الماء.
يُظهر مشروع مثل «چريان» كيف يُعاد تشكيل “العام” نفسه داخل هذه المنظومة: فالنيل، بوصفه موردًا جمعيًا وذاكرة مائية ممتدة، يُقدَّم في الخطاب الرسمي كرمز مشترك للحياة والتنمية، بينما يُعاد توزيعه فعليًا كأصل استثماري داخل مجمعات سكنية فاخرة ومشروعات عقارية تُبنى على ضفاف مجرى مائي مُصمم خصيصًا ليخدم قيمة الأرض قبل أن يخدم حاجات الري…وبهذا يتحول النيل من مورد عام إلى عنصر مُسعَّر داخل السوق.
ولا يحدث هذا التحول بمعزل عن إعادة تنظيم جغرافية أوسع للعلاقة بين المركز والهامش. فبينما تُسحب كميات ضخمة من مياه فرع رشيد لتغذية مشروع «الدلتا الجديدة» في الصحراء الغربية، تتعرض قرى الدلتا القديمة لضغوط متزايدة من العطش وانقطاع الري وتدهور جودة المياه. ولا يتعلق الأمر بمجرد توسع عمراني أو زراعي، بل بإعادة توزيع قسري للموارد بشكل يعيد تعريف العدالة المكانية! تقرر سلطة الثورة المضادة من له حق الوصول إلى الماء ومن يُعاد تشكيل شروط حياته أو يُدفع خارج شبكة التوزيع أصلًا.
ولذلك، يمكن القول إن إنتاج المساحات العامة في السياق الراهن لا ينفصل عن إنتاج الندرة نفسه. فبدل أن يؤدي التوسع العمراني والزراعي إلى توسيع دوائر الوصول إلى الموارد، يتم خلق وفرة مُركزة في نقاط محددة، مقابل ندرة مُمنهجة في الأطراف. وهكذا تصبح المساحات العامة جزءًا من آلية لإعادة توزيع غير متكافئ للحياة، حيث لا يُعاد فقط تنظيم المدينة، بل يُعاد أيضًا تحديد من يمكنه أن يكون داخلها ومن يُترك خارج شروطها المادية.
كما أن توسع خطاب الاستدامة والمشروعات البيئية لا يخرج بالضرورة عن هذا المنطق، إذ غالبًا ما يتم إدماجه داخل آليات التمويل وإعادة التطوير الحضري، بحيث تتحول البيئة نفسها إلى مجال جديد للاستثمار وإدارة المخاطر، بدلًا من كونها أفقًا لإعادة توزيع الموارد أو إعادة تعريف العدالة الحضرية.
ذلك وتُعد مصر من بين الدول الأكثر هشاشة أمام آثار التغيرات المناخية، إذ تواجه سيناريوهات مستقبلية تتضمن احتمالات ارتفاع منسوب سطح البحر بما قد يهدد أجزاء من دلتا النيل، إلى جانب خسائر محتملة في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتراجع في الكتلة العمرانية والسكانية في المناطق الساحلية، بما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بتسارع التغير المناخي على البنية الجغرافية والاقتصادية للبلاد.
تحضرني في هذه اللحظة كلمات الشاعر أحمد فؤد نجم في قصيدة “الممنوعات” التي كتبها للقاهرة:
حبيبتى يا سفينه
متشوقه و سجينه
مخبر فى كل عقده
عسكر فى كل مينا
يمنعنى لو أغير
عليكى أو أطير
بحضنك أوأنام
فى حجرك الوسيع
وقلبك الربيع
ولذلك، أذكر نفسي وإياكم أن كل شبر من مصر—شجرها وظلّه، ماؤها المالح والعذب، نيلها الذي يتنفس فينا، وردها وثمرها وحبات رملها—من حقّنا جميعًا.
وما يُسمّى “ثروات الوطن” ليس شيئًا خارج الناس، بل هو ما يخرج من تعبهم ومن المفترض أن يعود إليهم.
وأي سلطة تمد يدها لتحجب البحر عن أهله، أو تقتطع الجزر كما لو كانت أوراقًا في دفتر بيع (كما فعلوا مع تيران وصنافير)، أو تدفع الناس بعيدًا عن سواحلهم لتقيم عليها مدنًا لا تشبههم، فهي، في جوهر الفعل، تكتب نفسها خارج المعنى الأوسع للوطن.





