قانون اللجوء الجديد
ملف الحماية الإنسانية في قبضة “الأمن القومي”

بعد تأخير ناهز العام كاملاً عن الموعد المحدد قانوناً، أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الاثنين الماضي، اللائحة التنفيذية لأول قانون لتنظيم اللجوء في مصر. ويمنح القرار اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين مهلة تسعة أشهر فقط لتكون جاهزة للحلول محل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في كل اختصاصاتها المتعلقة بفحص طلبات اللجوء والبت فيها، وهو موعد يعدّه خبراء في الشأن الحقوقي شبه مستحيل في ضوء سجل الإنجاز البيروقراطي الراهن.
وفقاً للائحة، ستتسلم اللجنة الجديدة من المفوضية جميع البيانات الخاصة باللاجئين المسجلين لديها خلال ستة أشهر من بدء عملها، وهو مسار يبدو ضيقاً جداً بالنظر إلى حجم الملف، ما يزيد على مليون ونصف المليون لاجئ سوداني وحدهم نزحوا إلى مصر على خلفية الحرب الأهلية.
وتعاني مفوضية الأمم المتحدة من انكماش في ميزانيتها أدى إلى تباطؤ في إجراءات التسجيل وتجديد الوثائق، فيما تعجز مصلحة الجوازات والهجرة عن استيعاب الزيادة في أعداد المتقدمين، مما يُبقي آلاف اللاجئين لأشهر طويلة بلا وثائق سارية في الشوارع، وعرضةً للحملات الأمنية المتكررة التي يشنها جهاز أمن الدولة، والتي طالت حتى من يحملون تصاريح إقامة سارية.
الأخطر في اللائحة هو صياغاتها القانونية الفضفاضة التي تُفسح الباب لإعادة إنتاج الاستهداف الأمني بغطاء قانوني مشرّع. تُخوّل اللائحة اللجنةَ الدائمة فرض قيود على حرية تنقل اللاجئين وحرياتهم «متى رأت ذلك ضرورياً لدواعي الأمن القومي والنظام العام»، بما في ذلك الإقامة الجبرية في نطاق جغرافي محدد، وحظر دخول المناطق الحدودية، والإخطار الإلزامي عن أي تغيير في بيانات الإقامة خلال 24 ساعة، فضلاً عن مراقبة التحركات بالحضور الدوري. وقد انتقدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هذه الصياغات عند صدور القانون، واصفةً إياها بأنها «واسعة النطاق على نحو مفرط» وتشكّل تهديداً للحقوق المكفولة بالاتفاقيات الدولية.
تنتمي هذه المسألة إلى أزمة أعمق من مجرد قصور إداري. فسحب صلاحيات مفوضية الأمم المتحدة وتأميمها تحت مظلة الدولة لا يُعدّ في جوهره تطوراً نحو «السيادة الوطنية على قرارات اللجوء»، بل هو انتقال من منظومة تستند ولو جزئياً إلى معايير دولية، نحو منظومة تخضع حصرياً لتقدير الأجهزة الأمنية ودواعيها. والشاهد على ذلك أن إعداد القانون تم دون مشاورات جادة مع المنظمات المتخصصة أو مع المفوضية ذاتها، فيما دُعي ممثلو المفوضية لنقاشات لم يحصلوا فيها حتى على نسخة من مشروع اللائحة.
هذا النهج يُعيد تموضع اللاجئ من كونه إنساناً يحمل حقوقاً بموجب الاتفاقيات الدولية، إلى كونه متغيراً أمنياً تُحدد قيمته وضعفه مدى خضوعه للرقابة والضبط الأمني. بعبارة أخرى، القانون الجديد لا يحمي اللاجئ من الدولة، بل يحمي الدولة من اللاجئ.





