بدلاً من التحقيق في الانتهاكات
اعتقال طبيبة إثر فضحها العنف ضد النساء بمستشفى الشاطبي

في خطوة تعكس سرعة استجابة الأجهزة الأمنية لحماية سمعة المؤسسات على حساب أرواح وكرامة المواطنات، ألقت الشرطة القبض على المخرجة والطبيبة السابقة أمنية سويدان من منزلها بمدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، مساء الثلاثاء 16 يونيو 2026. جاء الاعتقال بعد ساعات من نشرها شهادة مروعة كشفت فيها عن انتهاكات جسدية وجنسية وتمييزية ممنهجة ضد المريضات في قسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية إبان فترة تكليفها قبل ست سنوات. وتُعد سويدان حالياً في عداد المختفين قسرياً، حيث أنكر قسم شرطة بندر دمنهور وجودها، وفقاً لتصريحات محاميات حقوقيات لـ”مدى مصر”.
لم تكن شهادة سويدان مجرد “رأي” بل كانت بمثابة توثيق لواقعة تحول فيها الفضاء الطبي، الذي يُفترض أن يكون مساحة للرعاية، إلى حيز للعقاب المجتمعي والاستغلال الذكوري. وثّقت الطبيبة أربع وقائع رئيسية:
تحرش جنسي وعنف بدني ضد فتاة (19 عاماً) أثناء فحص عنق الرحم، بغرض “تأديبها” على صراخها خلال أول ولادة لها، وسط سخرية طاقم التمريض.
اعتداء طبيب بالصفع على وجه مريضة أخرى أثناء الولادة، واستهزاء الطاقم الطبي باعتراض سويدان وزميلتها.
امتناع عمدي عن تقديم الرعاية لحالة تهتك في الرحم ناتجة عن محاولة اغتصاب، بناءً على أحكام أخلاقية مسبقة تتعلق بملبسها وحيازتها للسجائر.
تعريض حياة امرأة معنّفة (إجهاض غير مكتمل) لخطر تسمم الحمل برفض علاجها بحجة غياب “قسيمة الزواج”، ومحاولة وصمها بتذكرة طبية تحمل عبارة “اشتباه حمل سفاح”.
كما أشارت الشهادة إلى ممارسات عنف توليدي هيكلية، كإجراء “شق العجان” التعسفي، والضغط المبرح على الرحم بالكَوع لإنزال المشيمة، وإجراء قيصريات غير ضرورية لدوافع ربحية بحتة عبّرت عنها بجملة “عشان نلم أقساط شاليه العلمين”.
و قد أصدرت نقابة الأطباء بياناً تحذّر فيه من “التعميم والتشكيك في دور الأطباء المصريين”، واشترطت تقديم “شكوى رسمية موثقة” للتحقيق في الادعاءات. لكن الواقع أثبت أن اللجوء للعلن هو الخيار الوحيد أمام انسداد قنوات المحاسبة؛ وبدلاً من أن تتدخل النيابة العامة لحماية الشاهدة والتحقيق في الوقائع بوصفها جنايات (هتك عرض، ضرب، امتناع عن علاج)، تحركت وزارة الداخلية للقبض على أمنية سويدان واختطافها، في تطبيق حرفي لسياسة “كسر المرآة التي تعكس القبح” بدلاً من تنظيفه.
تمثل مستشفى الشاطبي تكثيفاً لتناقضات النظام الأبوي داخل مؤسسات الدولة. أجساد النساء لا تُعامل كذوات تستحق الرعاية بل كموضوعات للتحكم التأديبي، من الصَّفع للتأديب على الصراخ، والمحاكمة الأخلاقية والامتناع عن علاج ضحية اغتصاب غير متوافقة مع الصورة النمطية، إلى الاستغلال المادي والقيصرية غير الضرورية.
استدعاء شرط “قسيمة الزواج” لإنقاذ حياة مريضة ينزف رحمها هو توظيف واضح للمؤسسة الطبية كحارس لحدود النظام الأبوي الذكوري، حيث لا قيمة لجسد المرأة وحياتها خارج إطار مؤسسة الزواج المعترف بها.
أما الاعتقال الفوري لأمنية سويدان، فهو يؤكد أن الدولة لا تعتبر هذه الممارسات انحرافات فردية، بل “أعرافاً مؤسسية” يتوجب حمايتها بالتستر والإخفاء. معاقبة الطبيبة التي تجرأت على كسر “قانون الصمت” (Omertà) وليد أسلوب العصابات الاجرامية، داخل نقابتها ومستشفاها، هي رسالة ترهيب لكل الكوادر الطبية، التي عانت مؤخراً من أزمات إدارية في المستشفى ذاتها، مفادها أن الولاء للمنظومة العفنة يسبق قسَم أبقراط، وأن الدولة ستستخدم جهازها الأمني لحماية استغلال الأطباء الأقدمين ضد أي كشف لآليات هذا الاستغلال.





