بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

تحقيق لـ"أريج" يرصد معاناتهن:

الصحفيات بين مطرقة التحرش وسندان غياب الحماية النقابية

في بيئة صحفية تعاني من تآكل الحريات، يضيف التحرش الإلكتروني عبئاً مضاعفاً على الصحفيات المصريات، محوّلاً صالات التحرير والفضاءات الرقمية للعمل إلى مساحات غير آمنة. هذا ما يكشفه تحقيق موسع نشرته شبكة “أريج” للصحافة الاستقصائية في 15 يونيو 2026، بعنوان “صمت مفروض”. التحقيق يوثّق بالأرقام والشهادات كيف يؤدي غياب سياسات الحماية داخل المؤسسات الصحفية ونقابة الصحفيين إلى فرض الصمت على الناجيات، اللواتي يجدن أنفسهن أمام خياريْن كلاهما مرّ: إما التعرض لحملات تشهير وفقدان الوظيفة إن اشتكين، أو الانسحاب من المهنة بصمت.

أظهر استبيان أجرته معدتا التحقيق شمل 34 صحفية، أن 26٪ منهن تعرضن لأشكال مختلفة من التحرش والعنف الإلكتروني. ورغم هذه النسبة المرتفعة، لم تتقدم سوى ثلاث صحفيات فقط ببلاغات رسمية، بينما فضّلت 31 صحفية الصمت خوفاً من “الوصم الاجتماعي” و”تشويه السمعة”، أو خشية فقدان فرص العمل المستقبلية.

المفارقة الأبرز تكمن في المؤسسات ذاتها: 9٪ فقط من المؤسسات الصحفية تمتلك سياسات حماية من التحرش. وفي حين تفتقر المؤسسات التقليدية الكبرى التابعة للمجلس الأعلى للصحافة إلى أي لوائح رسمية، بادرت بعض المواقع الإلكترونية الخاصة، مثل المرصد المصري للصحافة والإعلام، والمنصة، وباب مصر، وفكر تاني، إلى وضع سياسات واضحة تعتبر التحرش “قضية مؤسسية”، غير أن هذه السياسات ما زالت تفتقر إلى بنود صريحة تتعلق بـ”الحماية الرقمية” من الاختراق والمراقبة الداخلية.

من المفترض أن تكون نقابة الصحفيين هي الدرع الواقي للزميلات، إلا أن آلياتها الحالية تعكس قصوراً فادحاً. وفقاً للتحقيق، قُدمت 7 شكاوى فقط للجنة المرأة خلال الدورتين الأخيرتين (2023-2025)، و”حُفظت جميعها في الأدراج”.

كما كشف التحقيق عن إجراءات نقابية تبدو مُعيقة أكثر منها مساندة:
النقابة لا تتعامل مع شكاوى التحرش إذا لجأت الصحفية إلى المسار القانوني الرسمي أولاً.
الصحفيات من غير العضوات بالنقابة لا يحظين بفرص حقيقية للتحقيق النقابي إلا إذا كان المشكو في حقه عضواً، مما يتركهن بلا غطاء يحميهن من المديرين المتنفذين.

وتواجه محاولات إقرار “مدونة سلوك” شاملة داخل النقابة مقاومة داخلية، حيث أشار نقيب الصحفيين خالد البلشي إلى عدم وجود إجماع في المجلس حولها، وأن قانون النقابة الحالي (الذي يعود للسبعينيات) لا يتضمن نصوصاً واضحة لحقوق النساء.

في ظل التضييق المادي والسياسي على مهنة الصحافة، تنمو أشكال الهيمنة غير الرسمية، والتحرش هنا، سواء كان بطلب لقاءات خارج العمل، أو التدخل في الملابس، أو إرسال صور معدلة بالذكاء الاصطناعي، ليس مجرد انحراف سلوكي فردي، بل هو “آلية ترهيب وتأديب” تُمارَس ضد الصحفيات الأصغر سناً والأقل أماناً وظيفياً، لترسيخ سلطة المديرين والزملاء الذكور.

لجوء الإدارات الصحفية إلى معالجة هذه الانتهاكات بـ”التسويات الودية” بدلاً من العقاب الرادع، وحفظ النقابة للشكاوى، وتفضيل الضحايا الانسحاب كلها أعراض لغياب “الضمانات الجماعية”. الرأسمالية الإعلامية، التي تتجسد في إدارات المؤسسات، تستفيد من هذا الوضع؛ فالتحرش يُبقي الصحفيات في حالة هشاشة مستمرة، ويقلل من قدرتهن على التنظيم والمطالبة بحقوقهن المهنية والمالية.

حين يُجبر زميل صحفي زميلته على ترك العمل هرباً من تحرشه، فهو عملياً يصادر حقها في العمل والإنتاج. وتخلي النقابة، ككيان عمالي ومهني يفترض به الدفاع عن المنتجين، عن دورها في حماية بيئة العمل، يحولها من مؤسسة تضامنية إلى امتداد للسلطة الأبوية التي تعتبر شكوى الصحفية من التحرش “إزعاجاً” أو “تشهيراً” أكثر من كونها مطلباً عادلاً بحقوق العمل الآمن.