بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

الطبيبة أمنية سويدان

من “الفيسبوك” إلى محكمة الجنح الاقتصادية

أحالت النيابة العامة الطبيبة أمنية سويدان إلى محكمة الجنح الاقتصادية لتكون أول جلسات محاكمتها يوم 27 يونيو الجاري لاتهامها بنشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير السلم العام واستخدام حساب الكتروني لارتكاب الجريمة، لتتحول الشاهدة الى مجرمة في ومضة عين.

بدأ الأمر بشهادة الطبيبة عن وقائع تعنيف مختلفة ومتعددة للمريضات عاشتها وشاهدتها بنفسها، خلال فترة تدريبها بمستشفى الشاطبي بمحافظة الإسكندرية، في الفترة الممتدة بين مارس ومايو 2020، وانتهى الأمر، بإحالتها إلى المحاكمة، كحل متكرر يتبعه النظام لإسكات كل من يتجرأ على انتقاد السياسات العامة أو يكشف مواطن فساد، والحجة دائما جاهزة: الحفاظ على سمعة المؤسسات، التي هي جزءا من سمعة مصر.

ومستشفى الشاطبي هو مستشفى تعليمي، يلجأ إليه ملايين الفقراء، الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة العلاج في المستشفيات الاستثمارية، مستشفى كالمستشفيات التي تفتقد إلى مقومات تقديم الخدمة لضعف الإمكانيات والأموال المخصصة من قبل الدولة للإنفاق على الصحة، وتهدر فيها كرامة الباحثين عن علاج في ظل الليبرالية المتوحشة، التي لا تعترف سوى بالزبون القادر على الدفع.

جريمة سويدان الحقيقية أنها جرأت عشرات النساء على التقدم بشهاداتهن، عما تعرضن له مباشرة من وقائع عنف مماثلة في مستشفيات مختلفة، أو عما شاهدنه من حوادث عنفت فيها أقاربهن.

وشملت الشهادات كذلك الأطباء ومختلف الفريق الطبي، الذين تحدثوا عن وقائع العنف الجنسي الطبي المتكررة الذين كانوا شهوداً عليها، وعن التطبيع مع هذه الوقائع في المنظومة الطبية، وغياب المسائلة القانونية بل وتهديد من يقوم بالحديث في الأمر بشكل رسمي من الأطباء وخاصة صغار النواب، الذين يتم تهديدهم بإنهاء فترة نياباتهم.

الطبيبة فريدة محجوب، الباحثة في صحة المرأة والطفل شاركت على “الفيسبوك”، شهادتها عن العنف التوليدي في مصر. في رسالتها للماجستير عن اكتئاب ما بعد الولادة، كانت نسبة بين الأمهات أضعاف النسبة العالمية. وكان يتم تجاهل معاناتهن باعتبار الامهن النفسية شيئا اعتياديا.

وفي الدراسة كانت النساء اللاتي كن أكثر عرضة وتأثرا باكتئاب ما بعد الولادة هن اللاتي تعرضن لصدمة وعنف أثناء الولادة.

بدأت الطبيبة بدراسة بحثية عن العنف التوليدي عام 2018 في مستشفى قصر العيني، وكانت أغلب المريضات لا يعرفن أن تصرف معينا مثلا الصراخ عليهن هو من أنواع العنف التوليدي. وبعد الانتهاء من دراستها البحثية تم تهديد الطبيبة بعدم نشرها زعما أنها تسئ إلى سمعة المستشفى.

العنف الطبي ضد المريضة يبدأ بالاعتداء اللفظي، انعدام الخصوصية، عدم الاستجابة لآلامها وشكواها، وصولا بالاعتداء الجنسي، إجراء تدخلات طبية بدون موافقة المريضة، أو رفض حقها في إجراء طبي.

فتعنيف المريضة والسخرية من آلامها المختلفة أثناء الولادة، والاعتداء عليها بوسائل تتنوع، يظهر من خلال شهادة كلا من المريضات والفريق الطبي كممارسة منهجية متكررة وليس فقط كعدة حالات فردية.

ويمكن تتبع هذا التعنيف إلى ما قبل الوصول إلى غرفة الولادة، أثناء الفحص الطبي الذي يتم فيه إنكار آلام و شكاوي النساء المختلفة واتهامهن بالادعاء والمبالغة.

فتلك الذكورية في التعامل مع أجساد المريضات لم تظهر فجأة في غرفة الولادة. فالممارسة الطبية ممارسة سلطوية في أصلها يضاف إليها الذكورية والأبوية، خاصة في تخصص النساء والتوليد.

فلا يمكن فصل أو تجاوز هذه الديناميكيات إلا بتحليل كل وقائع التعنيف الطبي ضد النساء على مختلف أشكالها.

احدي هذه الممارسات هي عملية “شق العجان”، وهي شق جانبي لفتحة المهبل لمنع تمزق العجان، أثناء ولادة الطفل، وهي أكثر جراحة توسيعية انتشاراً لتسهيل مرور رأس الطفل، والتي كثيرا ما يستسهل الأطباء القيام بها حينما لا يستدعي الأمر ذلك، ضاربين بحق المريضة في الاختيار عرض الحائط.

وفي بودكاست ظهرت طبيبة نساء وتوليد تستنكر رفض النساء القيام بهذا الإجراء، باعتباره إجراء إلزاميا “طبيعيا”، وهذا بالطبع تطبيع لإجراء يتم في أغلب الأحيان حتى بدون علم المريضة وبدون الحاجة له.

وفي جزء آخر من الحلقة تعتبر الطبيبة، أن ألم الولادة طبيعي متجاهلة أيضا حق المريضة في خيارات تحكمها لذلك الألم، خيارات من حق كل مريضة أيا كانت المستشفى المتواجدة بها وأيا كان وضعها المادي.

والواضح أن التطبيع مع ذلك التعنيف، بات اعتياديا بين قطاع من الأطباء وأن هذا الخطاب السلطوي، بات متداول بأريحية لاغيا سيطرة المريضة على جسدها.

والقاء القبض علي سويدان، ليس بحادث منفرد أو الأول من نوعه، فهي عملية متواصلة بداية بعمليات القبض على الأطباء، الذين شاركوا شهادتهم عن سوء الأحوال الصحية خلال فترة جائحة كوفيد، انتهاءا بالقبض على 4 من أطباء أسنان والصيادلة لمطالبتهم القانونية بحقهم في التكليف، قبل أربع شهور.

كلها ممارسات سلطوية متكررة تنتهجها الدولة ضد من ينتقد عجز الدولة عن تقديم الخدمة الصحية اللائقة، ويشكك في مؤسساتها الطبية، التي لا تنفق عليها وفي نفس الوقت ترهب المرضى كي لا يتقدموا بالشكوى وخصوصا من النساء، عما يتعرضوا له من عنف.

غير أن الهجوم على أمنية، لم يتوقف على أجهزة الدولة بل امتد إلى قطاع من الأطباء والطبيبات، ولسان حالهم يقول: أنتم لا تفهموا شيئا، فنحن نمتلك المعرفة وفي نفس الوقت بنشتغل بتراب الفلوس.

صحيح أن مرتبات الأطباء في الدرك الأسفل، ولكن مواجهة هذا التردي يكون بالمطالبة برفع المرتبات. والنساء، بالتأكيد لا يحتاجن إلى التخصص، لكي يدركن الفرق بين الفحص المهبلي، والتحرش في بلد يتعرضن فيها للعنف الجنسي منذ الطفولة.

نقابة الأطباء بدورها تدخلت من بوابة الحفاظ على سمعة الأطباء فقط، بعد انتشار الشهادات، وأصدرت بيانا جاء فيه: “وتؤكد النقابة رفضها القاطع لأي محاولة للمساس بمجهودات الأطباء المصريين أو التشكيك في دورهم الكبير والمشهود في رعاية المرضى وتقديم الخدمة الطبية، كما تشدد على أن المستشفيات الجامعية المصرية تؤدي دوراً محورياً في تقديم الخدمة الصحية، إذ تستقبل وتعالج أعداداً ضخمة من المرضى يومياً، وتقدم خدمات طبية وجراحية متطورة، ويعمل بها آلاف الأطباء وأعضاء الفرق الطبية الذين يؤدون واجبهم المهني والإنساني بكفاءة عالية وإخلاص شديد، رغم التحديات الكبيرة.”

وعلي نفس النهج ، كان رد فعل نقيب الأطباء د.أسامة عبد الحى منفعلا على مذيعة في مداخلة هاتفية على قناة اكسترا نيوز حين سألته كيف تعرف المريضة أن الطبيب يتصرف بطريقة صحيحة ولا يتجاوز الحدود، حيث رد قائلا: “ده سؤال غريب جدا” معتبراً ان “احنا كدة بنخوف المرضي بتوعنا من مستشفياتنا اللي هي الملاذ الوحيد للمريض الغلبان.” وأن هذا يثير الذعر بين الأهالي.

لكن الغريب ألا يعرف المريض حقوقه كاملة وكيف تنتهك وكيف يدافع عن نفسه ويطالب بحقوقه. والأغرب ألا يكون طبيبه حريصا على حقوق مرضاه.

ومن غير المنطقي تبرير هذه الاعتداءات بسبب زيادة العبء على الأطباء والفريق الطبي، وكأننا نحمل المرضي اللوم في الاعتداء عليهم، كما نلوم ضحايا التحرش بأنهم من تسببوا بحدوثه.

وكأن من الطبيعي أن يكون رد فعل الطبيب هو تعنيف مرضاه، وعدم التحقيق في شكاويهم، خاصة فيما يتعلق بأجساد النساء التي يتم انتهاكها واستباحتها.

إن وجود الطبيب والعاملين بالصحة كشواهد عما يحدث في المنشآت الطبية هو دور مهم لهم بنفس أهمية تقديم الخدمة الطبية.

ودفاع الطبيب عن مرضاه بكل الأشكال الممكنة هو واجب أخلاقي وركن أساسي من ميثاق الشرف الطبي، كذلك ستر المريض والحفاظ على كرامته واحترام خياراته، وتوفير آليات توفر الحماية الواجبة لكل المرضى والمريضات بالأخص.

لكل مهنة عبء تاريخي، وأول أخلاقيات ممارسة التخصص هي إعطاء الأهلية للسيدات، والحصول على موافقتهن في كل خطوة وقرار طبي يخص أجسادهن.

ولم يعد خفيا أن النساء من أعراق مختلفة وفي المستعمرات والمجتمعات الأصلانية دفعن أثمان التجارب “العلمية” قسرًا وبالاجبار منذ نشأة الطب كتخصص مهني وسلطة مُمارسة على الجسد في أضعف حالاته وهي المرض والألم.

نحتاج إلى أن نفكك تاريخ الطب الحديث، باعتباره سلطة على أجساد البشر، قائمة على فصل الإنسان عن جسمه/ها من أجل مصالح الاقتصاد السياسي، وليست لإنقاذ حياة البشر، وأن ندرك أن الأطباء والتمريض وكل العاملين بالمهنة جزء من المجتمع المصري، يسري عليهم ما يسري على المجتمع، الكل مكوي بنار الأزمة الاقتصادية الهائلة والتي انحدرت بالأخلاقيات والسلوكيات داخل المجتمع إلى الحضيض.

وتحتاج نقابة الأطباء الى بلورة تيار ديمقراطي، لا يرى دور النقابة ينحصر في الدفاع عن مصالح الأطباء المباشرة فقط، ولكنه ينسحب إلى الدفاع عن حقهم في التعبير عن آرائهم السياسية والنقابيّة بحرية، تيار يدافع عن دور النقابة يتخطى الدفاع عن الأطباء في المستشفيات ليصل إلى الرقابة على تقديم الخدمة الصحية داخل السجون والمعتقلات، تيار يتبنى الشعار الأساسي لكل إضراب للأطباء خلال أعوام الثورة، هو “كرامة الطبيب من كرامة المريض”، وبالتالي يصبح مطلب تحسين شروط العمل والخدمة الصحية داخل المستشفيات وزيادة موازنة الصحة إلى المعايير العالمية بما يضمن خدمة صحية لائقة، في القلب من برنامجه.

وقبل هذا وذاك نحتاج الى أن نقف جميعا الى جانب سويدان دفاعا عن حقها وحق كل سويدان في الإدلاء بشهاداتهن، وأن نطالب بإخلاء سبيلها.