بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

رؤيتنا

انتصار إيران.. يفتح الطريق لمواجهة خيارات التبعية والافقار في مصر

بعد مضي حوالي أربعة أشهر من الهجمة البربرية الأمريكية الصهيونية على إيران ولبنان، نستطيع وبملئ أفواهنا أن نقول أن إيران انتصرت إنتصاراً مهما بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة والتي تم الكشف عن بنودها خلال الأيام الفائتة.

يتضمن الإتفاق توقيف الإعتداءات الأمريكية الصهيونية كاملاً عن إيران ولبنان مع رفع الحصار البحري الأمريكي والانسحاب الكامل للقوات العسكرية الأمريكية عن المحيط الإيراني في إنجاز ضخم، لم يتخيله كل الحالمين بهزيمة الإمبريالية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

يتضمن الإتفاق أيضاً إنشاء صندوق من 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران تدفع معظمها ممالك وإمارات الخليج في خطوة غير مسبوقة حيث لم يحدث أبداً أن ساهمت الولايات المتحدة في إعادة بناء ما هدمته اَلتها العسكرية من بعد الحرب العالمية الثانية، بل أن الولايات المتحدة سوف تلتزم برفع كل العقوبات الأساسية والثانوية المفروضة على الجمهورية الإسلامية منذ عقود. يزيد عن ذلك أن أمريكا تتعهد بإعفاءات لصادرات النفط الإيراني وكل مشتقاته والإفراج الكامل عن كل الأصول والأموال الإيرانية المجمدة.

أما المقابل الذي تتعهد به إيران فهو توقيف ضرباتها لدول الخليج مع فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية العالمية والالتزام بعدم تطوير أسلحة نووية على أن يتم التعامل في كيفية التخلص من اليورانيوم المخصب الإيراني مع وكالة الطاقة الذرية في وقت لاحق.

تتقزم التعهدات الإيرانية – وهي بالأساس لم تغير من موقفها شيئاً عن ما قبل الحرب – أمام التنازلات الأمريكية المذلة التي ستجعل من إيران قوة إقليمية أكثر هيمنةً في المنطقة وأكثر ثراءاً بعدما عانت المر إقتصادياً خلال السنوات والعقود الماضية.

هذه التنازلات الأمريكية الفادحة جاءت بعد الصمود الإيراني، بدعم صيني وروسي مهم، أمام الضربات الهائلة وقدرتها على استخدام أدواتها بكفاءة شديدة لإيلام أمريكا والكيان الصهيوني ورفع كلفة الحرب عليهما وذيولهما في المنطقة بل والعالم أجمع مما أضطر ترامب وإدارته للإستماتة في الأسابيع الأخيرة لإيقاف الحرب بأي ثمن خصوصاً مع إستمرار الخسائر الإقتصادية الهائلة للرأسمال العالمي واقتراب موعد التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي والذي وصل فيه الحزب الجمهوري لأضعف حالاته بسبب الحرب وتداعياتها على المواطن الأمريكي.

الإنتصار الإيراني، سيكون له تداعيات مهمة على وضع الإمبريالية الأمريكية بعد هزيمتها، ودور الكيان الصهيوني في معادلة الشرق الأوسط بعد تبخر حلمه بالقضاء على ألد وأخطر أعداءه بالمنطقة بل والخضوع لشروط لم يكن يتصور بعربدته أن يخضع لها، وعلى رأسها وقف عدوانه في لبنان، كما تطرح تساؤلات عميقة بشأن مستقبل أنظمة ممالك وإمارات الخليج بعد فداحة خسارة رهاناتها كلها وسقوط ورقة التوت الأخيرة من فوق عمالاتها، والتأثير المتوقع لصعود جديد أقوى للصين وشبكة حلفاءها، والأهم هو تأثير هذا الإنتصار الملهم على شعوب المنطقة والعالم في طريق نضالاتها ضد الإمبريالية وتعبيد الطريق أمام الجماهير لإستعادة ثقتها بإمكانية هزيمة العربدة والهمجية الرأسمالية خصوصاً بشكلها النيوليبرالي اليميني البشع. بيد أن ما سنقوم بالتركيز عليه في معرض هذا المقال هو تأثير الحرب وتداعياتها والانتصار الإيراني ودلالاته على مصر نظاماً وشعباً.

1- سقوط وهم إختيارات التبعية والتذييل للعدو
منذ زيارة السادات للقدس عام 1977 ومن بعدها الدخول في مفاوضات كامب ديفيد وتوقيع معاهدة العار مع العدو الصهيوني والتي نتج عنها تحييد أكبر وأهم دولة عربية عن الصراع العربي الصهيوني وإبعادها عن مشروع تحرير أرض فلسطين المحتلة، دأب النظام المصري من حينها وحتى نظام السيسي على تصدير صورة لنفسه على أنه أكثر النظم عقلانية وبرجماتية في مواجهة إسرائيل وأن اختيار “السلام” هو اختيار استراتيجي بل هو الاختيار الوحيد الممكن لاقتناص بعض المكاسب من هذا الغول الذي تسانده الولايات المتحدة والتي” بيدها 99% من أوراق اللعبة”. لم يحرك النظام المصري إصبعاً وهو يشاهد احتلال إسرائيل لجنوب لبنان واجتياحها لبيروت عام 1982 وطردها لفصائل المقاومة الفلسطينية من جبهة القتال إلى تونس، وقصفها لمشروع العراق النووي، بل أنه وقف بكل الأشكال ضد الإنتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى المعروفة بانتفاضة أطفال الحجارة وقمع كل سبل التضامن الشعبي المصري الواسع معها وتعاون بشكل مخزي مع العدو الصهيوني لإجهاضها وكان عراباً لتفاهمات مدريد عام 1991 وصولاً للضغط على ياسر عرفات للتوقيع على الاتفاق المخزي بأسلو. بدا وقتها ومع دخول عرفات لأريحا أن إختيار الاستسلام والتنازل المصري هو بالفعل الخيار الموضوعي الوحيد ومن ثم فتح الباب لاَلة الوحشية الصهيونية للحرب المفتوحة ضد كل فصائل المقاومة الفلسطينية الشعبية منها والمسلحة برعاية من منظمة فتح (محمود عباس) ونظام مبارك. وإذا كان نظام مبارك حاول لعب دور ما في الإبقاء على توازن ما يستخدمه في تعامله مع الكيان الصهيوني بإبقاء الأنفاق مفتوحة لإعطاء شريان حياة لشعب غزة أثناء الهجمات الصهيونية المتتالية لسحق حركة حماس – أهم الفصائل الفلسطينية المسلحة – والإعتراض على بعض الجرائم الصهيونية، فإن نظام الثورة المضادة بقيادة السيسي كشف عن وجهه القبيح بالاصطفاف الكامل غير المسبوق مع العدو بمسح مدينة رفح المصرية بأكملها من على الخريطة وسد جميع الأنفاق عن غزة وشعبها واستكمال بناء الجدار الجنوبي عليها مما ساهم في ماَساة الإبادة الجماعية التي شهدها العالم منذ 2023.

إن الانتصار الإيراني على أكبر آلة عسكرية شهدها التاريخ البشري وأشدها فتكاً، مع الصمود الأسطوري للمقاومة اللبنانية متمثلة في حزب الله ضد البربرية الصهيونية، أثبت بما لا يترك مجالاً للشك أن خيار المقاومة والتحدي والتصدي للعدو الصهيوني ومن ورائه الولايات المتحدة هو الخيار الإستراتيجي الأكثر نجاعة وكفاءة بل وبراجماتية وهو الوحيد القادر على انتزاع مكاسب من فم الغول وهزيمته وأثبت أيضاً أن خيار “السلام” أو الإستسلام هو خيار بدأه النظام المصري وقاده منذ 1979 – وياللعجب أنه عام قيام الثورة الإيرانية – هو خيار فاشل ومذل وكشف أن كل من سار فيه لا يعبأ إلا بالحفاظ على وجوده ومصالحه ضد مصالح الشعوب العربية في الحرية والتحرر والتحرير.

هذا الانتصار سوف يطرح تساؤلات في وجدان الجماهير المصرية ماذا لو اتخذ نظام مصر الحاكم بجيشه الذي يتغنى بقوته وقدراته موقفاً وإختياراً مشابهاُ للموقف الإيراني .. ماذا لو استخدم النظام المصري الحاكم أدوات القوة مثلما استخدمها النظام الإيراني في إغلاق مضيق هرمز، فنحن نملك أيضاً قناة السويس ونستطيع أن نستخدمها في فرض شروط تفتح الطريق لخنق العدو وتحرير الأرض .. ماذا لو ترك النظام المصري الحاكم للشعب تكوين ميليشيات عسكرية مقاومة على غرار حزب الله وحركة حماس اللتان صمدتا أمام الاَلة المرعبة الصهيونية بإمكانيات بسيطة وبحصار وتضييق من كل الجبهات. كل هذه التساؤلات ستكون لها إجابة واحدة وهي إن من المستحيل أن يتخذ النظام الحالي موقفاً كذلك فوجوده وبقاءه نفسه هو رهن اختياره بالاستسلام والتبعية للعدو الصهيوني والإمبريالية الأمريكية وبالتالي سوف يفتح ذلك طريقا تدرك فيه الجماهير المصرية أن الطريق لتحرير القدس يبدأ بتحرير القاهرة.

2- انهيار اقتصادي مستمر وممتد
منذ أن استتب نظام الثورة المضادة في حكم مصر عام 2013 وهو يأخذ مساراً اقتصادياً كارثياً حتى بأبجديات الرأسمالية الليبرالية البسيطة، فقد مكن المؤسسة العسكرية على السيطرة شبه الكاملة على كل أدوات الإنتاج والسوق المصري بشكل احتكاري لحماية بقاء انقلابه حتى على حساب القطاع الخاص الذي ازدهر في العقد الأخير من حكم مبارك. المصيبة الحقيقية هي توظيف كل هذه الموارد التي احتكرها النظام وزد عليها استدانة بالمليارات في تمويل مشروعات عبثية دون أي دراسات جدوى – فالقائد يحتقرها – مثل حفر ترعة لقناة السويس في سنة واحدة غير ذات فائدة ملموسة، وبناء مدينة كاملة بالصحراء تم الصرف عليها بمئات المليارات منذ عقد على أن تكون دبي مصر وعاصمة جديدة يقطنها 5 مليون مواطن ولا يسكنها حتى اللحظة إلا الأشباح وبعض الاَلاف الذين تم إجبارهم للسكن فيها، وقطارات سريعة ومونوريل يخدم الوصول إليها وغيرها من هذه المشاريع التي لم تعط أي اعتبار لاحتياجات المواطن المصري الذي عانى كثيرا، في مشاريع اقتصادية إنتاجية صناعية وزراعية وخدمية تمكن الارتقاء بمستوى معيشة المصريين وحصولهم على خدمات صحية وتعليمية ومواصلات وخدمات عامة في مدن وقرى مصر من شمالها إلى جنوبها. الأنكى أن كل هذا أدى إلى استفحال الديون الخارجية لمستويات غير مسبوقة تعدت 170 مليار دولار وديون داخلية بتريليونات الجنيهات وتدهور لم نشهده من قبل في قيمة العملة مما أدى لتضخم لم يعتاده المواطن المصري الذي انحدر به الحال في معيشته كما لم يحدث منذ عقود. كان النظام المصري على شفا الانهيار الاقتصادي الكامل باقترابه من العجز الكامل عن سداد ديونه وفوائدها حتى تدخلت الإمارات واشترت قطعة من أرض مصر برأس الحكمة بـ35 مليار دولار لإنقاذ النظام من الانهيار بشكل ذكرنا شايلوك في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير.

الحرب على إيران خلال الشهور الماضية زادت من الأزمة الإقتصادية للنظام المصري بشكل مباشر فقد أفقدته الكثير من الموارد الدولارية التي يعتمد عليها. بطبيعة الحال قد انخفضت مدخلات السياحة بعد أن كانت استردت عافيتها نوعاً قبل الحرب كما تقلصت موارد قناة السويس بسبب التهديد المستمر من الحوثيين – وهي ورقة لم تستخدمها إيران إلا قليلاً – في إغلاق مضيق باب المندب ومن ثم حركة الملاحة بالبحر الأحمر واَثرت معظم شركات الملاحة العالمية إتخاذ الطريق الأطول لكن الأكثر أماناً حول رأس الرجاء الصالح. وجاءت الضربة القاصمة من الإرتفاع الشديد لأسعار البترول والغاز العالمية مع قفل حنفية الغاز الصهيوني عن مصر منذ الأيام الأولى للحرب مما أدى إلى تزايد مضطرد لفاتورة الطاقة على النظام الذي تعامل بشكل مخجل مع موارده المتاحة قبلاَ في حقل زهر وترتيبات الغاز بالبحر المتوسط. أدى ذلك إلى تردي للجنيه مرة أخرى وتبخر أي أمل في إمكانية تعافي بسيط لميزان المدفوعات المصري. بعد الانتصار الإيراني في الحرب وما سيواكبه من إستقرار نسبي بالمنطقة وانخفاض أسعار البترول والغاز، من الممكن توقع تعافي ما إقتصادي للنظام المصري بيد أن هذا الوهم سيتبخر مباشرة لو قرأنا جيداً بنود الإتفاق الإيراني الأمريكي، فصندوق التعويضات وإعادة الإعمار بإيران البالغ قرابة 300 مليار دولار ستدفع معظمه دول الخليج التي عانت اقتصادياتها أشد المعاناة بسبب الحرب ومن المتوقع استمرار معاناتها لسنوات قادمة. معنى ذلك بشكل مباشر أن النظام المصري سوف يفقد أي سند متوقع في السنوات القادمة من دول الخليج وسوف يكون عليه مواجهة أزمته الاقتصادية وديونه المتراكمة وحده دون أي مساعدة.

دأب نظام السيسي على إجبار الشعب المصري دفع فواتير فشله الاقتصادي حتى باتت حياة المصريين اليومية جحيماً لا يمكن تحمله ومع الإنتصار الإيراني وتداعياته على أنظمة ممالك وإمارات الخليج لن يكون له سند في حال إنهيار إقتصادي قادم لا محالة. وقد يفتح ذلك مجالاً لحركة إجتماعية جديدة تواجه سياسات الافقار والاستبداد بعد صبر سنوات … فإذا كانت المقاومة اللبنانية صمدت أمام البربرية الصهيونية.. فلماذا لا نواجه، نحن ايضا، نظام فاشل ومخوخ، حتى ولو بدا مرعباً.