غياب التضامن وانتهازية النقابات أبرز الأسباب
الحكومة تحجب نتيجة تكليف الكوادر الطبية

حالة من الغضب تسيطر على خريجي الكليات الطبية (أسنان-علاج طبيعي-صيادلة) دفعة 2023 بسبب تباطؤ وزارة الصحة في إعلان أسماء المقبولين للعمل في مستشفيات الدولة وفقا لنظام التكليف حسب الاحتياج، بحجة وجود “أعطال فنية”.
والتكليف، الذي كان الزاميا منذ الستينيات، وبمقتضاه يعمل خريجو الكليات الطبية لمدة عام أو عامين في مستشفيات للدولة، ويؤهلهم لانجاز الدراسات العليا، قررت الحكومة فجأة العام الماضي تحت عنوان الحوكمة، تحويله ليكون حسب الاحتياج، وهو الاسم الحركي لتخفيض أعداد العاملين حسب هذا النظام.
ولم تلتفت الوزارة إلى اعتراضات مجالس النقابات لهذا القرار، بل قررت تطبيقه بأثر رجعي على الدفعات التي التحقت بالكليات بالفعل، وهو ما دفع نقيب أطباء الأسنان د.إيهاب هيكل للإعلان أنهم لم يصدقوا على القرار وطالبوا بتأجيله خمس سنوات “حتى يتم تكليف الطلاب الذين التحقوا بالفعل بالدراسة في الكليات.”
كانت حركة خريجي دفعة 23 ضد تعديل نظام التكليف، قد تلقت ضربة قاصمة بالقبض في نهاية شهر فبراير الماضي، على أربع أطباء (أسنان وصيدلة) سعوا للتنسيق فيما بينهم لمقاومة القرار الجائر ورفعوا قضية ضد القرار.
ومن يومها يقبع الأطباء الاربعة في سجن العاشر، ويتم تجديد حبسهم دوريا لمدة 15 يوما، كان آخرها يوم أمس الأحد، في انتهاك صريح للمواثيق الدولية والقوانين التي لا تجرم العمل النقابي، بينما مجلسي نقابتي الأسنان والصيادلة، “عاملين نفسهم من بنها”، وباعوا الأطباء المحبوسين من أجل عيون الأجهزة الأمنية، صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة.
كما لم تحتشد الجمعية العمومية لأطباء الأسنان، وراء الطبيب محمد أسامة، أحد رموز معركة التكليف، والذي ترشح من محبسه، وبالتالي فشل في الحصول على مقعد في انتخابات التجديد النصفي التي جرت قبل 3 شهور.
باختصار غياب التضامن بين الأطباء، يعد هو المسمار الأول في نعش حركة مقاومة إلغاء التكليف الإلزامي، وما يزال، فلم نر حتى اليوم عشرات الأطباء يعتصمون في نقابتهم من أجل الإفراج عن زملائهم وللضغط على مجالس نقاباتهم للتحرك الجاد في معركة التكليف.
واقتصرت الحركة حالياً على مناشدات على وسائل التواصل الاجتماعي، وكتابة شكاوى الى مجلس الوزراء، وانتقاد مجالس النقابات، دون أي حراك ولو محدود أو رمزي، ولم تعد قضية الأطباء المحبوسين تشغل بال أحد سوى عدد محدود للغاية من الأطباء، وأهالي المحبوسين، الذين لا يجدون من النقابيين والأجهزة الأمنية سوى الوعود بقرب الإفراج عن ذويهم!
إلغاء التكليف..قرار سياسي
حقيقة الأمر أن قرار وزارة الصحة بجعل “التكليف حسب الاحتياج”، يتماشى مع سياسة الدولة في التقليص المستمر في الإنفاق على الصحة خلال الأعوام السابقة.
ويعد القرار، حلقة في سلسلة تستهدف العاملين بأجر بالحكومة، بدأت بتمرير قانون الخدمة المدنية الصادر عام 2016، بتعليمات من صندوق النقد الدولي، بهدف إلى تقليص الإنفاق على الأجور الحكومية من خلال خفض عدد العاملين بالمؤسسات الحكومية، من بينهم الكوادر الطبية، ووقف التعيينات.
وتعد مصر من أقل الدول العربية من حيث نسبة عدد الأطباء والممرضين مقابل إجمالي عدد السكان، وهي نسبة لا تتجاوز ثلث المعدلات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية لتقديم رعاية صحية جيدة.
ووفقا لمنظمة هيومن رايتس ووتش فإن ميزانية الصحة من 2021/2022 إلى 2026/2025 تراوحت بين 1:1.4 % من الناتج المحلي، أي أقل من نصف الحد الأدني الذي ينص عليه الدستور، كما أنه أقل بكثير من المعايير الدولية وما له علاقة بالاتفاقيات التي وقعت عليها مصر.
وفي عام 2001 وقعت مصر على إعلان أبوجا الذي ينص على تخصيص 15% من الإنفاق الحكومي للصحة. كما أن منظمة الصحة العالمية أوصت بنسبة 5:6% من الناتج المحلي الإجمالي لتحقيق التغطية الصحية الشاملة.
ومن هنا فالتذرع “بحجة الاحتياج” لا يتناسب مع واقع الأمر الذي تقره النقابات الطبية، حيث وصفت نقابة العلاج الطبيعي أن عدد التعيينات في التكليف لدفعة 2023 “مخيب للآمال والطموحات” ولا يعبر فعليا عن الاحتياج الفعلي في القطاع الصحي ولا يتناسب مع عدد الخريجين.
وأكدت على الحاجة لوجود أطباء تأهيل في الأقسام المختلفة، عظام وأعصاب وأطفال ونساء وتوليد، وفي الرعايات المركزة، وما بعد العمليات، وفي مراكز رعاية ذوي الإعاقة، وفي الوحدات الصحية المختلفة.
ولفتت إلى أن غياب التأهيل يؤثر على مستوى الرعاية الصحية المقدمة للمرضى ومدى تعافيهم الكامل. كما ناشدت النقابة، الأمين العام للمستشفيات الجامعية بالتدخل العاجل لوقف تقديم الخدمة من غير المتخصصين.
غير أن أحد أكثر المشاكل التي تواجه الكوادر الطبية، خاصة مع قرارات التكليف الجديدة، هو الزيادة الكبيرة في عدد الكليات الطبية، بالأخص الكليات الأهلية والخاصة.
فمثلا تجاوز عدد كليات العلاج الطبيعي أكثر من 70 كلية وهو ما لا يتماشى مع توافر فرص العمل للخريجين، ويرفع من معدلات البطالة.
وضربت الحكومة بعرض الحائط بمطالب نقابتي الأسنان والعلاج الطبيعي بوقف التوسع في الكليات الخاصة وضرورة اتباع الكليات الجديدة لمعايير الجودة التعليمية الملائمة للتدريس والتدريب الطبي، لضمان مستوى مهني عالي للخريجين.
وفي الوقت ذاته، ترفض حكومة الجباية زيادة الإنفاق على الصحة، بما يتوافق مع معايير منظمة الصحة العالمية، على الأقل كبداية، ووفقا للنسبة المنصوص عليها في الدستور وهي 3%، لتحقيق خدمة طبية جيدة، وتحسين ظروف العمل والمرتبات الخاصة بالأطباء وكافة الطاقم الطبي، مما قد يساعد في خفض معدلات الهجرة الصحية المرتفعة.
ما العمل؟
غير أن معارضة نظام التكليف وزيادة الإنفاق على الصحة بما يخدم كلا من مقدمي الرعاية الصحية والمرضى، ويحافظ على حقوقهم، يستدعي عودة التنسيق بين نشطاء النقابات الطبية للضغط على مجالس النقابات، للمطالبة بالإفراج الفوري غير المشروط عن أطباء الأسنان محمد أسامة ومصطفي عرابي والصيدلي إيهاب سامح، وللتحرك “فعلا لا قولا “ضد قرار التكليف الجائر، وألا تقتصر التحركات على النضال القانوني بل تمتد الى كل الوسائل الكفاحية المتاحة، مع الانفتاح على النقابات والقوى السياسية.





