صرخة من زمن متجمد
جلال البحيري يضرب عن الطعام دفاعًا عن حقه في المعرفة

يواصل الشاعر جلال البحيري إضرابه المفتوح عن الطعام، الذي بدأه في 2 يوليو الجاري، كخطوة تصعيدية ردًا على قرار إدارة السجن مصادرة كتبه وأوراقه وأقلامه، ومنع دخول الملابس إليه. يتزامن هذا الإضراب مع إتمام البحيري عامه السادس والثلاثين، قضى منه أكثر من ثماني سنوات خلف القضبان. وعكست رسالته الأخيرة حجم العزلة المفروضة عليه؛ إذ تضمنت تحيات وسلامًا لأشخاص فارقوا الحياة بالفعل، في دلالة على انقطاعه التام عن مجريات العالم الخارجي. لتبدو كلماته وكأنها صرخة من زمن متجمد، تعكس حسرة إنسان يُسرق عمره ببطء، ويحاول التشبث بدفء الحياة وذكرياتها، بينما تستكثر عليه الجدران عزاء الورقة والقلم.
يأتي هذا الإضراب حلقةً جديدةً في مسار الانتهاكات القانونية التي يواجهها البحيري منذ القبض عليه في 3 مارس 2018. طوال هذه السنوات، لم يكن بقاؤه في السجن نتاج إجراءات تقاضٍ طبيعية، بل نتيجة استغلال منهجي لآلية “التدوير”. فبعد إخلاء سبيله في قضيته الأولى (رقم 480 لسنة 2018)، حوكم عسكريًا في القضية رقم 4 لسنة 2018، وأنهى عقوبتها بالكامل في يوليو 2021. وبدلًا من الإفراج عنه، جرى تدويره في القضية رقم 2000 لسنة 2021 (حصر أمن دولة). واستمرت المنهجية ذاتها بفتح قضيتين جديدتين ضده في أغسطس 2023 (رقم 2369 ورقم 3391)، لضمان استمرار حبسه الاحتياطي لأجل غير مسمى، بالاتهامات المتكررة نفسها.
إن لجوء سجين سياسي إلى تجويع نفسه لانتزاع حقه الأساسي في الحصول على ورقة وقلم يكشف بوضوح طبيعة السلطة وأهدافها. فالإصرار على تجريد السجناء من أدوات المعرفة والتعبير ليس مجرد إجراء عقابي داخل أسوار السجن، بل هو انعكاس مكثف لسياسة الدولة المنهجية في خفض سقف التعبير وقمع أي محاولات لرفعه. وحرمان جلال والتضييق على سجناء الرأي ليسا إجراءين معزولين عن واقع المجتمع، بل هما من تجليات محاولات النظام المستمرة لخفض سقف الحريات، وتطبيع القمع، وفرض حصار الكلمة كأمر واقع يطال المجتمع بأسره.





