بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السجن كسلاح النظام المركزي: قراءة في تطور المعتقلات المصرية بعد 2013

«في التطبيع مع السجون إعلان وفاة للمجتمع وللدولة من قبله، إعلانٌ لوفاة الإنسان، ذلك الذي جوهره الحريّة، وما نراه اليوم من غليان إقليمي ليس إلا القشرة الخارجية؛ أمّا الجمر الحقيقي فهو يتقد تحت «بُرش» المعتقل […] فالجدران التي تبنيها السلطات اليوم لتأمين كراسيها، هي نفسها التي ستنهار فوق رؤوس الجميع غداً.»

هكذا أنهى أحمد دومة مقاله «من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن»، والذي كان «السبب» في إعادة اعتقاله في إبريل الماضي.
أما أنا، فأكتب هذا المقال في محاولةٍ لفهم تطوّر منظومة السجن في الجمهورية الجديدة، لعلّنا ننتقل حينها من الاكتفاء بالمناداة بحرية المعتقلين إلى التفكير فيما يمكن فعله لتحريرهم وتحريرنا.

تمهيد (وتنويه)
لقد شُيِّد نظام السجون الحديث لإخضاع الطبقة العاملة وتأديبها، لا استجابةً لنزعة إنسانية أزلية إلى معاقبة المخالفين، بل بالتزامن مع نشوء نمط الإنتاج الرأسمالي وفي خدمته. فقد جعل الفقر جريمة، وحوَّل العمل الشاق إلى أداة للانضباط، ومنح الدولة وسيلة لإدارة الفئات التي أنتجتها سياسات التسييج ونزع الملكية بوصفها «فائضًا سكانيًا».

وتنبع أهمية ذلك من أن السجون غالبًا ما تُنتقد فقط عندما تضم سجناء الرأي؛ أي المعارض السياسي أو الصحفي أو الناشط النقابي أو الاجتماعي الذي يُعاقَب بسبب مواقفه. غير أن هذا التصور يفترض ضمنًا مشروعية بقية النظام العقابي، وكأن حبس الفقراء بسبب فقرهم ظاهرة منفصلة وأقل إثارة للقلق. أما من منظور ماركسي، فإن السجن الحديث ليس مؤسسة طبيعية أو أبدية، بل نتاج للرأسمالية، أُنشئ لاحتواء الطبقة العاملة وإخضاعها وتحقيق الربح منها، ولإدارة «الفائض السكاني» الذي يعيد منطق التراكم الرأسمالي إنتاجه باستمرار.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل الجريمة، أو ما يسمى «الانحراف»، عن التراكم الأولي لرأس المال. فعندما جرى تسييج الأراضي المشاع وتجريم الحقوق العرفية في الانتفاع بموارد المعيشة، كما في النزاعات حول جمع الأخشاب التي تناولها ماركس، كان الفعل نفسه الذي جرّد الفلاحين من وسائل عيشهم هو الذي حوّلهم إلى مجرمين حين واصلوا استخدام الوسائل التقليدية للبقاء. وبذلك لم يكن الفقر سابقًا على التجريم، بل كان التجريم إحدى الآليات التي أُنتجت بها، منذ البداية، طبقة لا تملك أرضًا ولا ملكية.

ومن ثم لم يكن السجن مجرد استجابة للجريمة، بل أحد صُنّاعها وشركائها في التكوين؛ إذ أعاد رسم حدود القانون بما يتوافق مع علاقات الملكية الجديدة، فكل ما هددها أُدرج في دائرة التجريم. وما إن وُجدت البروليتاريا المجردة من الملكية حتى تغيرت وظيفة السجن، فلم يعد يقتصر على تسهيل نزع الأراضي والموارد، بل أصبح معنيًا أيضًا بتدريب العمال الجدد على الانضباط الصناعي: الالتزام بالمواعيد، والطاعة، والعمل المتواصل؛ وهي عادات فُرضت بالقسر على من انتُزعوا حديثًا من أنماط معيشة تقوم على الاكتفاء الذاتي.

ولهذا ارتبط تاريخ السجن الإصلاحي الحديث بتاريخ الرأسمالية الصناعية. فالفترة التي شهدت صعود الانضباط في المصانع شهدت أيضًا استبدال التعذيب والإعدام العلنيين بمؤسسة عقابية قائمة على الانضباط الصارم، كما تجسد في افتتاح سجن بنتونفيل عام 1842، وهو النموذج الذي توقف عنده إنجلز في «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا». وقد صُمم هذا النموذج بهدف «إصلاح» المجرم عبر إعادة تشكيله ليصبح صالحًا لذلك النمط من العمل المنضبط الذي تتطلبه المصانع. وهكذا لم يكن «الإصلاح» تخفيفًا للسيطرة الطبقية، بل انتقالًا إلى صورة أكثر كفاءة وأشد تشبعًا بالأيديولوجيا؛ صورة لم تعد تستهدف الجسد مباشرة، بل النفس والوعي والسلوك.

ومن ثم فإن فهم السجن بوصفه مؤسسة أُنشئت لإدارة السكان الذين جرَّدتهم الرأسمالية من وسائل عيشهم، وفي الوقت نفسه لتأديب الفئة التي تحتاج إليها بوصفها قوة عاملة، يشكل الأساس لفهم هذا المقال.

وانطلاقًا من ذلك، ينبغي التمييز بين فئتين كثيرًا ما تُدمجان في خطاب واحد: السجن بوصفه معتقلًا سياسيًا، والسجن بوصفه أداة اجتماعية. الأولى هي حالة الصحفي أو الناشط السياسي أو النقابي الذي يُعتقل صراحةً بسبب آرائه أو نشاطه، وهي الفئة التي يُعرف أفرادها بسجناء الرأي، ويُنظر إلى سجنهم، حتى في الأطر الليبرالية لحقوق الإنسان، باعتباره انتهاكًا واضحًا لأنه عقاب على موقف سياسي. وفي السياق المصري يرتبط هذا المجال ارتباطًا وثيقًا بجهاز أمن الدولة، الذي تتمثل وظيفته المباشرة في مراقبة المعارضة وقمعها.

أما الفئة الثانية فهي أقل وضوحًا لأنها لا تُقدَّم باعتبارها سياسية. فعمليات الضبط الشرطي اليومية، التي تُعرض بوصفها مجرد مكافحة للجريمة وحفظ للنظام، هي المجال الذي يحدث فيه معظم الاحتجاز والسجن. وهنا تظهر أهمية التحليل الماركسي؛ فعندما يُسجن شخص بسبب السرقة، أو التشرد، أو البيع الجائل، أو الديون، تُصنف هذه القضايا باعتبارها مسائل قانونية محضة، مع أن هذا التمييز ذاته يؤدي وظيفة أيديولوجية؛ إذ يحجب أن تجريم الفقر فعل سياسي يحمي الملكية الخاصة والانضباط المفروض على قوة العمل. فالعامل الذي يُعاقَب بسبب سرقة دفعت إليها الحاجة، أو الذي يُجرَّم لأنه يعمل خارج القنوات الرسمية، يخضع للعلاقات الطبقية نفسها التي يُعاقَب بسبب مقاومتها السجين السياسي، وإن اختلفت صورة القمع بين حالة صريحة وأخرى بنيوية.

ولهذا، فرغم إمكان التمييز بين هاتين الفئتين تحليليًا، فإن الفصل بينهما سياسيًا غير ممكن. فالاقتصار على نقد أوضاع المعتقلين السياسيين، على ضرورته، يترك دون مساءلة جهازًا أوسع يمارس يوميًا وظيفة تأديب الطبقة العاملة وإخضاعها دون أن يحتاج إلى استدعاء السياسة بالاسم. كما أن الادعاء بأن السجن «الجنائي العادي» منفصل عن السياسة ليس موقفًا محايدًا، بل هو نفسه موقف سياسي يضفي طابعًا طبيعيًا على الانضباط الطبقي ويقدمه بوصفه مجرد تطبيق للقانون.
ومع ذلك، ونظرًا لموضوع هذا المقال، فسأقتصر فيما يلي على تتبع تطور السجن بوصفه معتقلًا سياسيًا في مصر، خاصةً منذ 2013.

الاعتقال السياسي في مصر من عبد الناصر لمبارك
ظن كثيرون في مصر أن سقوط الملكية وقيام الجمهورية في 1952 سيؤسسان لدولة أكثر احترامًا للحريات والحقوق، كتجسيد حقيقي للشعار الوطني «مصر للمصريين»، لكن الواقع سار في اتجاه مغاير.

فألغى جمال عبد الناصر دستور 1923، وحل الأحزاب، واحتكرت الدولة الحياة السياسية، فلم يعد السجن مجرد إجراء استثنائي، بل تحول إلى إحدى الأدوات الرئيسية لإدارة المجال العام وإقصاء المعارضين.

وكما يوضح كمال مغيث في مقاله بـ«المنصة» بعنوان «ذهبت الملكية وجاءت الجمهورية لتتوحش المعتقلات»، فإن نظام عبد الناصر لم يرث منظومة الاعتقال الاستعمارية فحسب، بل أعاد تشكيلها وتوسيعها. فقد أُنشئت المحاكم الاستثنائية، واتسعت حملات الاعتقال ضد الإخوان المسلمين والشيوعيين وغيرهم، وتحولت السجون إلى فضاءات للعقاب والتعذيب، حيث وثقت مذكرات المعتقلين وقائع الضرب والجلد والتجويع والعمل القسري، ووصل الأمر إلى وفاة بعض المعتقلين تحت التعذيب، مثل شهدي عطية الشافعي في سجن أبو زعبل، والدكتور فريد حداد في سجن القلعة.

وهكذا، لم يكن التحول من الملكية إلى الجمهورية انتقالًا من دولة الاعتقال إلى دولة القانون، بل كان، في كثير من جوانبه، انتقالًا إلى منظومة أكثر مركزية واتساعًا في استخدام السجن باعتباره أداة للسيطرة السياسية.

لم يتوقف هذا النهج برحيل عبد الناصر، وإن شهد بدايات مختلفة. ففي إطار ما عُرف بـ«ثورة التصحيح» عام 1971، أفرج الرئيس أنور السادات عن معارضي العهد الناصري، وفي مقدمتهم قيادات الإخوان المسلمين، بهدف تثبيت حكمه والتخلص من مراكز القوى الناصرية، كما سمح لهم بهامش من النشاط السياسي لموازنة نفوذ اليسار.

غير أن هذا الانفتاح كان مؤقتًا. فمع تصاعد المعارضة في أواخر السبعينيات، عاد النظام إلى سياسة الاعتقالات الواسعة، وانتهى الأمر بحملة سبتمبر 1981، التي عُرفت لاحقًا باسم «اعتقالات سبتمبر»، وشملت 1536 شخصًا من مختلف التيارات السياسية والدينية والفكرية، من بينهم فؤاد سراج الدين، ومحمد حسنين هيكل، وصلاح عيسى، وصافيناز كاظم، ونوال السعداوي، والشيخ عبد الحميد كشك، والبابا شنودة الثالث، وحافظ سلامة، وعبد المنعم أبو الفتوح وغيرهم.

ومع ذلك، فإن هذه الأرقام تكشف فارقًا جوهريًا عن المراحل اللاحقة؛ إذ لم تكن السجون المصرية آنذاك مشيدة لاستيعاب عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، فضلًا عن السجناء الجنائيين. وحتى أكبر حملات الاعتقال في القرن العشرين ظلت تستهدف، في المقام الأول، قيادات الأحزاب والمثقفين ورموز المعارضة، ولم تتحول بعد إلى سياسة اعتقال جماعي واسعة النطاق.

تولى حسني مبارك السلطة عقب اغتيال السادات، وحرص في أيامه الأولى على تقديم نفسه بوصفه رئيسًا تصالحيًا. وفي نوفمبر 1981، أفرج عن واحد وثلاثين من «معتقلي سبتمبر»، مع وعد بالإفراج عن الباقين.

غير أن هذه البداية الهادئة سرعان ما تلاشت. فقد استمر العمل بقانون الطوارئ طوال ثلاثين عامًا من حكم مبارك، وأصبح الاعتقال والحبس الإداري من السمات الثابتة للنظام. وفي هذا السياق برزت حركة «كفاية» عام 2004، التي جعلت من مقاومة التعذيب والاستبداد أحد محاور نشاطها، كما تحولت قضية خالد سعيد، الذي قُتل تحت التعذيب على أيدي أفراد من الشرطة، إلى رمز لانتهاكات الدولة، وإحدى الشرارات المباشرة التي أشعلت ثورة يناير.

لكن ثورة يناير لم تكن مجرد لحظة احتجاج ضد نظام مبارك، بل مثلت صدمة عميقة للدولة نفسها. فقد كان المعتقل السياسي، في نظر السلطة لعقود، شخصية تنتمي إلى «الانتلجنسيا» أو النخبة المثقفة. ولذلك انصب اهتمامها على احتواء هذه النخب وإقصائها عن المجال العام.

غير أن الثورة كشفت خطأ هذا التصور. فقد أثبتت أن الفعل السياسي لم يكن يومًا حكرًا على النخب، بل إن البلاد كانت تزخر بعشرات الآلاف من القادرين على التنظيم والحشد والاحتجاج، خرجوا من الجامعات والمصانع وأحياء المدن والقرى. ولم يكن الطلاب والعمال والموظفون مجرد جمهور استجاب لدعوات النخب، بل كانوا القوة الاجتماعية التي صنعت الثورة، مدفوعة بتراكم طويل من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتجارب الاحتجاج اليومية.

ولعل الصورة التي التقطها حسام الحملاوي لكلسون شرطي يرفرف فوق قسم الأزبكية، كانت من أكثر الصور تعبيرًا عن تلك اللحظة؛ إذ اختزلت انقلابًا رمزيًا في علاقة السلطة بالمجتمع، ورسالة يصعب تصور أن الدولة قد نسيتها.

ولذلك، حين دخلت مصر صيف 2013، لم يكن التحدي أمام السلطة مجرد احتواء معارضة سياسية، بل منع تكرار تجربة أثبتت أن المجتمع نفسه قادر على إنتاج السياسة خارج الأطر التقليدية. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة اتسمت بتوسع غير مسبوق في الاعتماد على الاعتقال.

ورغم نجاح الثورة المضادة في استعادة السيطرة، فإن تجربة يناير ظلت حاضرة في وعي السلطة.

وربما يفسر ذلك ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح «الأوكتاجون» في يوليو 2026: «ليه القيادة الاستراتيجية للدولة موجودة هنا؟ لأن كان في يوم من الأيام بيتم محاصرة المحكمة الدستورية، وفي يوم من الأيام بيتم محاصرة مجلس الوزراء، وفي يوم من الأيام بيهددوا وزارة الدفاع. […] كان لا بُد إن الدولة تخرج من العاصمة عشان الكلام ده ميتكررش تاني […]كان لا بُد أن الدولة متبقاش موجودة، البرلمان مايبقاش هناك، وميبقاش مجلس الوزراء هناك، ووزارة الدفاع هناك، الكلام ده خلاص.»

تدشين الجمهورية الجديدة بالحديد والنار والدم
في الأشهر التي أعقبت الانقلاب العسكري الذي أطاح بأول رئيس منتخب في تاريخ مصر في يوليو 2013، رصدت منظمات حقوقية مصرية ودولية تحولًا حادًا في أنماط القمع داخل مصر.

وفقًا لـ«ويكي ثورة»، وهي مبادرة يديرها «المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، توفي ما لا يقل عن 80 شخصًا أثناء الاحتجاز بين يوليو 2013 ومنتصف مايو 2014، كما جرى احتجاز أكثر من 40 ألف شخص في نفس المدة.

وفي تقرير مشترك صدر مطلع عام 2014 تحت عنوان «أذرع الظلم»، وثّقت منظمات من بينها «مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب» و«المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» و«حرية الفكر والتعبير» و«الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» و«نظرة للدراسات النسوية»، تصاعدًا غير مسبوق في الاعتقالات والاحتجاز التعسفي والتعذيب.

وثّقت مؤسسة «حرية الفكر والتعبير» احتجاز 510 طلاب جامعيين بين يوليو ونوفمبر 2013، بينما سجّلت «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» 112 انتهاكًا بحق صحفيين وإعلاميين خلال ثلاثة أشهر فقط، شملت الاعتداء والاعتقال والقتل. أما فيما يخص النساء، فرصدت مؤسسة «نظرة» القبض على 184 امرأة وفتاة بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، وتعرض بعضهن لفحوص مهبلية قسرية داخل السجون.

وقد وصف التقرير عدة انتهاكات، أولها تكرار ممنهج لما يسمى بـ«حفلة الاستقبال»، وهي فترة تعذيب جماعي تستمر يومًا أو يومين عند دخول المحتجز الجديد، إضافة إلى التعرية القسرية والتقييد وتعصيب العينين.

وثانيها إجراء تحقيقات داخل مقار الشرطة بدل النيابة وقد وثّق التقرير مثال بتاريخ 30 ديسمبر 2013 في «معسكر السلام» للأمن المركزي، حيث جرت تحقيقات مع طلاب جامعة الأزهر في قاعة يقف خلف كل متهم فيها جندي شرطة، ورفضت النيابة إثبات الانتهاكات رغم شكاوى المحامين الحاضرين. وقد أدى ذلك إلى حالات قتل متزايدة في مراكز الشرطة.

وأكد التقرير على الغياب التام للرقابة القضائية. فبالرغم من أن قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 يمنح النيابة العامة والقضاء، في المادتين 85 و86، حق دخول أماكن الاحتجاز في أي وقت للتفتيش والتحقق من عدم وجود محتجزين بلا سند قانوني، يخلص التقرير إلى أن هذا الحق نادراً ما يُمارَس بانتظام.

أما «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» فخلصت، في تقرير صدر في 17 يونيو 2014، إلى أن الأوضاع الصحية والمعيشية في 16 سجنًا ومركز شرطة تفتقر للحد الأدنى من المعايير الصحية وتُعرّض حياة المحتجزين للخطر. كما وثّق عبدالله النجار، مدير «المركز العربي الأفريقي للحقوق والحريات»، 732 حالة كسور وجروح ناتجة عن اعتداءات بالضرب على المعتقلين، إلى جانب حالات منع متكررة للإسعاف والعلاج الطبي عنهم.

وفي السياق ذاته، رصدت حملة «أنا ضد التعذيب» في تقريرها السنوي عام 2013 نحو 250 واقعة تعذيب داخل السجون المصرية، أودت بحياة 114 سجينًا.

وفي مقابل هذه الأرقام، أفاد مدير عام المنطقة الطبية الشرعية بالقاهرة والجيزة، في تصريحات صحفية بمنتصف يوليو 2014، بأن عدد القضايا التي تلقتها المنطقة الطبية منذ منتصف 2013 والمتعلقة بالاعتداء البدني واستعمال القسوة داخل الأقسام بلغ نحو 650 حالة، مع وصول ما يقارب 20 حالة أسبوعيًا للكشف الطبي على ذمة اعتداءات مماثلة.

ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو 2014، استمر النمط الذي وثّقته التقارير الحقوقية.

فقد وثّق «مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب»، في أرشيف صحفي مخصص بعنوان «أرشيف التعذيب في أول 100 يوم من حكم عبد الفتاح السيسي» غطى الفترة من 8 يونيو حتى 15 سبتمبر 2014، عشرات الوقائع اليومية للتعذيب داخل أقسام الشرطة والسجون، معتمدًا فقط على ما نشرته الصحافة الورقية، مستبعدًا عمدًا مداهمات المنازل والاعتقال العشوائي وحالات القتل في المظاهرات والفصل من الجامعات، وهو ما يجعل الحصيلة المرصودة حدًا أدنى موثقًا إعلاميًا لا حصرًا شاملًا للانتهاكات.

تكرر النمط الذي رصدته التقارير السابقة بوتيرة يومية تقريبًا: توفي عشرات المحتجزين داخل أقسام الشرطة خلال هذه الفترة، غالبًا في القاهرة والجيزة والإسكندرية، فيما دأبت الداخلية على تفسير الوفيات بأسباب طبيعية كهبوط الدورة الدموية أو أمراض سابقة. غير أن تقارير الطب الشرعي التفصيلية جاءت في عدد من الحالات لتناقض هذه الرواية بشكل صريح.

من أبرز الأمثلة كانت حالة الموظف بوزارة المالية عزت عبدالفتاح سليمان الغرباوي، 46 عامًا، والذي توفي داخل حجز قسم شرطة المطرية في 8 مايو 2014، وأظهر التقرير الشرعي النهائي وجود كسور في تسعة من أضلاعه ونزيف بالمخ وفي التجويف الصدري، ورجّح أن الإصابات نتجت عن أجسام صلبة كاللكمات والركلات، لا عن أداة حادة كما زعمت روايات أولية.

أما إبراهيم أحمد إسماعيل، ابن الـ17 عام، توفي اختناقًا داخل سجن نجع حمادي في 21 أغسطس 2014، إثر انقطاع الكهرباء وارتفاع درجة حرارة الزنزانة، مع إصابة نزيلين آخرين بحالات اختناق مشابهة في الواقعة ذاتها.

برزت الأماكن ذاتها التي وثّقتها التقارير الحقوقية في 2013-2014 كمواقع متكررة للانتهاكات.

فقد شهد سجن وادي النطرون اقتحامات متكررة للزنازين وثّقتها بيانات مشتركة لعدة منظمات حقوقية، بينما تكررت في سجن القناطر للنساء شهادات عن ضرب وتحرش جنسي بالمعتقلات على يد سجينات جنائيات، بتحريض أو تغاضٍ من إدارة السجن بحسب الشهادات.

ذلك وقد تضمن الأرشيف أيضًا شهادات موثقة عن اغتصاب جماعي طال شبانًا وشابات معتقلين في موقع احتجاز غير رسمي على طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي، ووثّق باحث قانوني بمؤسسة «الكرامة لحقوق الإنسان» حالة تفصيلية لامرأة معتقلة تعرضت للاغتصاب أثناء التحقيق معها في مبنى مجهول، مشيرًا إلى شهادات مماثلة من معتقلات أخريات شهدن اعتداءات مشابهة خلال فترة احتجازهن.

في مقابل هذا التوثيق، حافظت الجهات الرسمية على خطاب نفي شبه ثابت. ففي يوليو 2014، وصف مساعد وزير الداخلية لشؤون الإعلام والعلاقات السجون بأنها تحولت إلى ما يشبه الفنادق، ردًا على اتهامات بوقوع حالات اغتصاب أو تعذيب داخلها. كما نفى مصدر أمني بالداخلية، في تصريحات لاحقة، وجود أي حالات تعذيب بعد 30 يونيو 2013، واصفًا أغلب الشكاوى الواردة للوزارة بأنها غير حقيقية ولا تمثل أي مخالفة قانونية، مقدرًا نسبة الشكاوى «الصحيحة» بـ1-2% فقط من إجمالي ما يصل للوزارة.

2013-2020: ماذا فعلت الدولة بميراث السجون القديمة؟
بحلول عام 2015 أقر «المجلس القومي لحقوق الإنسان» بأن السجون المصرية تعمل عند 150% من طاقتها الاستيعابية.

لم تكن المشكلة بالنسبة للدولة مجرد كيفية التعامل مع المعارضة أو الاحتجاجات المتفرقة، بل كيفية إدارة هذا العدد المتزايد من المحتجزين داخل منظومة عقابية صُممت أصلًا لاستيعاب أعداد أقل بكثير. ومع كل موجة احتجاج جديدة كانت الأزمة تتفاقم. ففي أعقاب تظاهرات سبتمبر 2019 ألقي القبض على أكثر من 4400 شخص، ثم شهد سبتمبر 2020 اعتقال ما لا يقل عن 2400 آخرين، فيما أوقفت السلطات أكثر من 800 شخص خلال الاستعدادات لمؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ عام 2022 مع انتشار دعوات احتجاجية على الإنترنت.

من هذه النقطة بدأت عملية إعادة بناء شاملة للمنظومة العقابية المصرية، ليس فقط من خلال زيادة عدد السجون، بل عبر تطوير أدوات الاحتجاز والمراقبة والإدارة الأمنية نفسها، تكمن في ثلاث محاور.

أولًا: تطوير آليات التعذيب وكثافتها
يكشف تقرير بعنوان «لا تراجع عن التعذيب في مصر: اختلاف المسؤولين ومنهجية أدوات التعذيب ووحدتها: تحليل لـ 569 شهادة تعذيب في مرحلة ما قبل المحاكمة من 2013 إلى 2021» لـ«الجبهة المصرية لحقوق الإنسان» عن منهجية واضحة في ممارسة التعذيب داخل مقرات الاحتجاز المصرية، إذ يتصدر الصعق بالكهرباء قائمة الأساليب من حيث الانتشار، حيث تبين من تحليل وإحصاء أوراق التحقيق الخاصة بالمتهمين الـ569 أن نسبة 96% منهم تعرضوا لهذا النوع من التعذيب، وسُجلت هذه الممارسة في سجن العازولي والكتيبة 101 بالعريش وعدد من مقرات الأمن الوطني على مستوى الجمهورية.

ويليه في الخطورة أسلوب التعليق، وهو تقييد الشخص من يديه ورجليه خلفياً وتعليقه من الحديد أو على الأبواب، وهي ممارسة توصف بأنها من أكثر الأساليب تخليفًا لعاهات وإصابات مستديمة يصعب تداركها لاحقًا، أبرزها خلع الكتف وفقدان الإحساس بالذراعين. أما وضعية «الشواية»، وهي تقييد الأطراف الأربعة بحيث يُحاكي الجسد وضع الذبيحة المعلقة فوق النار، فقد تعرض لها نحو 320 متهماً وفقاً لتحليل التقرير، وغالباً ما تُمزج بالصعق الكهربائي لمضاعفة الألم.

وبخصوص التعدي بالضرب، أظهر تحليل أوراق التحقيقات والتجديدات أن جميع المتهمين الـ569 دون استثناء أفادوا بتعرضهم للضرب خلال فترة احتجازهم، بأدوات متعددة من العصي والكرابيج إلى الأساليب اليدوية المباشرة، وسُجل استخدام الكرباج تحديداً ضد نحو 7 متهمين في قضية 137 عسكرية. كما وثّق التقرير أساليب أخرى أقل توثيقاً من الناحية الجنائية لكنها موجودة وشائعة، منها الحرق باستخدام مواد حارقة أو النار المباشرة، والتهديد بالاغتصاب أو إيذاء أفراد الأسرة أو القتل المباشر، والحرمان من النوم الذي يستخدمه جهاز المخابرات العامة تحديداً للحصول على اعترافات دون اللجوء لأدوات العنف الجسدي المباشر، والوقوف المستمر لفترات طويلة قد تصل لثلاثة عشر يوماً متواصلة كما ورد في إحدى الشهادات. ويشير التقرير إلى أن هذه الأساليب نادراً ما تُستخدم منفردة، بل يجري الجمع بين اثنين أو أكثر منها في آنٍ واحد، وهو ما تعكسه شهادات المتهمين المتكررة في القضايا الاثنتي عشرة محل الدراسة.

ثانيًا: أمن الدولة: من إدارة السجون إلى الهيمنة الأمنية
لطالما كان للأجهزة الأمنية دور داخل السجون المصرية. قبل 2011 كان «جهاز الأمن الوطني»، المعروف سابقًا باسم «أمن الدولة»، يمتلك نفوذًا داخل بعض المنشآت، خاصة فيما يتعلق بالسجناء السياسيين. لكن بعد 2013 تغير حجم هذا الدور وطبيعته.

يشرح حسام الحملاوي في كتابه «الثورة المضادة في مصر: جمهورية السيسي الجديدة» أن قطاع السجون بعد الثورة لم يعد يعمل بالطريقة نفسها التي كان يعمل بها قبلها. ففي السنوات الأولى بعد 2013 ظل قطاع السجون التابع لوزارة الداخلية هو المسؤول الإداري الأساسي، مع وجود للأمن الوطني داخل بعض الملفات الحساسة. لكن منذ 2016 و2017 تقريبًا، بدأ نفوذ الأمن الوطني داخل المنظومة يتوسع بصورة كبيرة.

وأصبح الأمن الوطني حاضرًا في تفاصيل تتعلق بإدارة المحتجزين السياسيين، من أماكن الاحتجاز إلى الزيارات والعزل وظروف المعيشة. ولم تعد إدارة السجن وحدها صاحبة القرار الكامل، بل أصبحت هناك طبقة أمنية أعلى تتدخل في التفاصيل اليومية.

هذا التحول يعكس تغيرًا في وظيفة السجن نفسها. فالسجن التقليدي هو مكان لتنفيذ العقوبة بعد صدور حكم. أما في النموذج الذي تشكل بعد 2013، فقد أصبح السجن جزءًا من منظومة أوسع لإدارة المخاطر السياسية والأمنية.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين نوعين من المحتجزين داخل النظام: المحكوم عليهم في قضايا جنائية، والمحتجزين على خلفيات سياسية. فبينما يواجه الجميع مشكلات عامة مرتبطة بالاكتظاظ والخدمات، تشير التقريرات الحقوقية إلى أن المحتجزين السياسيين كانوا الأكثر تعرضًا لإجراءات استثنائية مثل العزل المطول والقيود على الزيارات.

ثالثًا: قانون طوارئ بلا قانون طوارئ…أو اختراع التدوير
كان بناء السجون الجديدة هو الحل الظاهر لمشكلة تضخم أعداد المحتجزين، لكنه لم يكن يعالج السبب الأعمق: استمرار تدفق المحتجزين إلى المنظومة، وبقاء أعداد كبيرة داخلها لفترات طويلة قبل صدور أحكام نهائية. هنا أصبح الحبس الاحتياطي أحد أهم مفاتيح فهم الدولة العقابية الجديدة التي تشكلت بعد 2013.
في القانون، يفترض أن يكون الحبس الاحتياطي إجراءً استثنائيًا ومؤقتًا لضمان سير التحقيقات أو منع الهروب أو التأثير على الأدلة. ويحدد قانون الإجراءات الجنائية المصري مددًا قصوى للحبس الاحتياطي بحسب نوع الجريمة: ستة أشهر في الجنح، و18 شهرًا في الجنايات، وسنتين في الجرائم التي تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد.

لكن بعد تعديل قانون الإجراءات الجنائية في سبتمبر 2013، أصبح سقف السنتين لا ينطبق على بعض حالات الطعن وإعادة المحاكمة في أحكام الإعدام أو المؤبد. وبحسب حقوقيين ومحامين، ساهم هذا التعديل في خلق مساحة أوسع لاستمرار الاحتجاز لفترات طويلة.

مع الوقت ظهرت ممارسة أطلق عليها النشطاء والمحامون اسم «التدوير». الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها غيرت طبيعة الحبس الاحتياطي داخل المنظومة، فعندما يقترب محتجز من نهاية المدة القانونية أو يصدر قرار بإخلاء سبيله، لا يغادر السجن بالضرورة. قد يُنقل إلى قسم شرطة أو أحد مقار الأمن الوطني، يختفي لفترة، ثم يظهر في قضية جديدة باتهامات مشابهة، ليبدأ مسار الاحتجاز مرة أخرى.

قدّر تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أن نحو 4500 شخص وقعوا داخل هذه الدائرة خلال ستة أشهر فقط بين سبتمبر 2020 وفبراير 2021. وفي بعض الحالات، مر محتجزون عبر أربع أو خمس أو حتى ست قضايا مختلفة دون خروج فعلي من السجن.

هذا النظام كان له أثر مباشر على بنية السجون. فحتى مع بناء منشآت جديدة، لم تكن المشكلة مجرد عدد الداخلين، بل طول مدة بقائهم. كلما طال الاحتجاز قبل المحاكمة، احتاجت الدولة إلى مساحة أكبر وموارد أكثر، ما أدى إلى استمرار دورة البناء والتوسع.

من السجن إلى المجمع العقابي: التحول المعماري والأمني والاقتصادي لمنظومة الاحتجاز من 2021
ولكن خريطة السجون تغيرت بصورة دراماتيكية بين عامي 2013 و2021. لم يعد الحديث يدور حول إضافة عنبر جديد أو توسعة منشأة قائمة، بل عن بناء منظومة كاملة من السجون الجديدة وذلك لأن «تحديث السلاح»–السجن–أصبح ضروريًا.

وفق تقرير لـ«المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، أُنشئت سبعة سجون جديدة تابعة لمصلحة السجون خلال هذه الفترة، ليرتفع عدد السجون الخاضعة للمصلحة من 42 إلى 49 سجنًا. لكن هذه الزيادة لم تكن سوى جزء من الصورة. ففي الفترة نفسها صدرت 24 قرارًا وزاريًا لتخصيص أراضٍ من أجل إنشاء منشآت احتجاز جديدة، وأسفرت هذه القرارات عن إنشاء 31 سجنًا مركزيًا جديدًا تابعًا لمديريات الأمن في المحافظات المختلفة.

وتشير تقديرات أخرى إلى أن عدد السجون التي أُنشئت بعد 2013 وصل إلى 34 سجنًا جديدًا على الأقل بحلول عام 2021. وبذلك أصبحت مصر تمتلك واحدة من أكبر شبكات الاحتجاز في تاريخها الحديث.

وقد تزامن هذا التوسع مع ارتفاع كبير في الإنفاق الحكومي. فبحسب بيانات الموازنة العامة ارتفعت نفقات السجون التابعة لمصلحة السجون من نحو 780 مليون جنيه خلال العام المالي 2013/2014 إلى أكثر من 2.18 مليار جنيه في 2020/2021، أي بزيادة تجاوزت 1.4 مليار جنيه خلال سبع سنوات فقط. وشملت الزيادة بند الأجور والمكافآت وبند السلع والخدمات اللازمة لتشغيل المنشآت العقابية.

المثير للفضول في نفقات السجون ليس ما يظهر في الموازنة، بل ما يُستبعد منها.

فالكلفة الحقيقية للسجن أكبر بكثير مما تبدو عليه، لأن جزءًا كبيرًا منها لا تتحمله الدولة أصلًا، بل تُلقي به على عاتق الأسر، وبالأخص النساء. فالسجن لا ينتهي عند بوابته؛ بل يمتد إلى الخارج، حيث تقف الأمهات ساعات طويلة في طوابير الزيارة، وتتنقل الزوجات بين المواصلات والرسوم والإجراءات البيروقراطية، ويكبر الأطفال في غياب آبائهم.

يعتمد النظام العقابي على هذا العمل غير المرئي: النساء يجمعن المال لأتعاب المحامين، ويوفرن الطعام الذي يعوض رداءة «التعيين»، ويرسلن الحوالات، ويتحملن تكاليف الزيارات والطبلية والمواصلات، ويوثقن الانتهاكات التي ترفض السلطات الاعتراف بها. لا تحتاج الدولة إلى إنفاق هذه الأموال لأنها نقلت عبء إعالة السجين إلى أسرته، ولا سيما إلى النساء اللاتي أصبحن جزءًا من البنية التي يقوم عليها السجن نفسه.

وكشفت سارة الحارث في مقال بعنوان «زيارات السجون..«الإعاشة» و«الطبلية» تحت وطأة التضخم» لـ«المنصة» في مايو 2024 كيف يتحول هذا العبء إلى استنزاف اقتصادي كامل للأسر. فسمـاح محمود، على سبيل المثال، كسرت وديعة قيمتها 100 ألف جنيه، كانت تمثل ميراثها الوحيد، لتغطية نفقات زيارات زوجها المسجون وإعالـة طفلتيها. وكانت تنفق على زيارتين شهريًا ما يزيد على 7000 جنيه، قبل أن تضطر إلى تقليص الطعام والحوالات مع ارتفاع الأسعار.

أما ندى خليفة فوجدت نفسها مضطرة إلى العمل لأول مرة بعد سجن زوجها، وإلى تقليص احتياجات طفليها لتستطيع توفير الحد الأدنى من متطلبات الزيارة. ولا تقتصر هذه النفقات على الطعام، بل تشمل المواصلات إلى السجون البعيدة، والحوالات، والملابس، والأدوية، وحتى السجائر التي أصبحت عملةً داخل السجن، في ظل رداءة الطعام الرسمي وارتفاع أسعار الكانتين. وهكذا تتحول تكلفة السجن من بند في موازنة الدولة إلى عبء اقتصادي واجتماعي طويل الأمد تتحمله الأسر، بينما يظل الجزء الأكبر من هذه الكلفة غائبًا عن أي حساب رسمي.

ولا تقل تكلفة الزيارة الواحدة اليوم عن 4000 جنيه وقد تصل إلى 8000 جنيه كحد أقصى.

أما تكلفة بناء السجون نفسها فبقيت غامضة في معظم الحالات، لكن بعض التقديرات أشارت إلى أن تكلفة إنشاء أحد السجون الجديدة بلغت نحو 750 مليون جنيه. ومع تعدد المشروعات الجديدة، يصبح من المرجح أن تكون الدولة قد أنفقت مليارات الجنيهات على البنية التحتية العقابية خلال العقد الماضي.

ولم يكن ذلك يحدث في فراغ اقتصادي. ففي الفترة نفسها كانت مصر تشهد واحدة من أسرع موجات التوسع في الاقتراض الخارجي منذ عقود، ما يطرح تساؤلات حول موقع الإنفاق العقابي داخل أولويات الدولة خلال تلك السنوات. فبينما كانت الحكومة تطلق مشروعات عمرانية كبرى وتبني طرقًا ومدنًا جديدة، كانت في الوقت نفسه تشيد شبكة سجون جديدة على نطاق غير مسبوق.

وفي أغسطس 2021 أعلنت وزارة الداخلية تغيير اسم قطاع السجون إلى «قطاع الحماية المجتمعية»، وأعلنت استبدال تسمية السجون بـ«مراكز الإصلاح والتأهيل». وبعدها بأشهر افتتح مجمع وادي النطرون، ثم بدأ تشغيل مجمع بدر شرق القاهرة.

قدمت الدولة هذه المجمعات باعتبارها نموذجًا جديدًا للسجون الحديثة المبنية على «الطراز الأمريكي».

فما هو «الطراز الأمريكي» للسجون؟
يوضح دومينيك موران، وييفون جيوكس، وجينيفر تيرنر في فصل «تصميم السجون والحيّز السجني» ضمن كتاب «دليل السجون» (2007) أن تصميم السجن ليس مجرد مسألة معمارية، بل تجسيد مادي لفلسفة نظام العدالة الجنائية ورسالة يبعثها المجتمع إلى السجناء والجمهور حول معنى العقاب وغايته.

ويعكس الطراز الأمريكي بوضوح فلسفة عقابية تقوم على مبدأ «الأهلية الأدنى»، الذي يفترض أن السجين ينبغي أن يعاني. وقد تعزز هذا التوجه منذ أواخر القرن العشرين مع صعود «التشدد العقابي الجديد»، فاتجهت السجون الأمريكية والبريطانية إلى أسوار أعلى، وإجراءات أمنية أشد، ومؤسسات تتجاوز في صرامتها تصنيف «الأمن العالي»، بأنظمة داخلية غير مسبوقة منذ قرن ونصف.

ويرى بعض الباحثين أن هذه المرحلة لم تعد تستهدف الردع أو إعادة التأهيل كما في نموذج «البانوبتيكون»، بقدر ما تنتج الخوف والعنف والموت. وعلى المستوى المؤسسي، يخضع بناء السجون لمنطق الكلفة والكفاءة والأمن؛ إذ أدى الاعتماد على البناء المسبق الصنع إلى منشآت متشابهة تفتقر إلى السمات المعمارية، بواجهات باهتة ونوافذ محدودة وزخارف شبه معدومة.

ويؤكد الباحثون أن هذا الحياد الشكلي ليس خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل يعكس تراجع التعاطف مع السجين ويُسهّل تجاهل معاناته، فيما تخفي تلك الواجهات بيئات داخلية معقمة وآلية أقرب إلى خطوط التجميع منها إلى أماكن معيشة إنسانية.

وقد أكدت معتقلة سياسية مصرية سابقة لـ«بوابة الاشتراكي» صحة هذا التحليل، مشيرةً إلى أن طبيعة السجون القديمة، مثل سجن القناطر، خلقت مساحات غير رسمية للتواصل والتضامن بين السجينات، على عكس السجون الحديثة التي اتسمت بدرجة أكبر من العزل والتحكم. فالتقسيمات الداخلية في تلك السجون لم تكن تمنع التواصل بشكل كامل؛ إذ لم يكن يفصل بين عنبر السياسيات وباقي العنابر سوى حائط من الطوب، الأمر الذي أتاح تمرير الرسائل بسهولة أكبر، كما سمح بالتواصل عبر النوافذ ليلًا بعيدًا عن رقابة إدارة السجن.

ولم يقتصر أثر هذه البنية المادية على تسهيل التواصل، بل ساهم أيضًا في تشكيل علاقات اجتماعية وسياسية بين السجينات. فقد أتاح صغر حجم السجون القديمة وكثافة التواجد داخل العنابر فرصًا أكبر للتعارف وتبادل الخبرات وبناء روابط تضامن قوية، امتدت في كثير من الأحيان إلى ما بعد انتهاء فترة الاعتقال. كما جعل هذا القرب المكاني عملية تنظيم الإضرابات والاحتجاجات أكثر قابلية للتنسيق، إذ كان من الأسهل تداول المعلومات، وتوحيد المواقف، وحشد السجينات حول مطالب مشتركة. ومن ثم، لم تكن محدودية المساحة في هذه السجون مجرد قيد مادي، بل تحولت في بعض الأحيان إلى عامل ساعد على تكوين شبكات اجتماعية وسياسية داخل السجن، وفّرت للسجينات–سياسيات وجنائيات–قدرًا من الدعم الجماعي في مواجهة ظروف الاعتقال.

لم تعد الصورة هي السجن التقليدي المغلق، بل منشآت واسعة مصممة وفق تصور أكثر تنظيمًا: عنابر حديثة، خدمات داخلية، مناطق طبية، محاكمات عن بعد، وشبكات مراقبة. في وادي النطرون وبدر، أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من التشغيل. الكاميرات منتشرة في الممرات، ونظم المراقبة مرتبطة بغرف تحكم، كما أصبح نقل المحتجزين إلى المحاكم أقل اعتمادًا على الحركة التقليدية بعد إدخال جلسات الفيديو كونفرانس. هذه التكنولوجيا لا تعمل داخل السجن فقط، بل تتصل بتحول أوسع في إدارة المجال العام. فالدولة التي تبني سجونًا جديدة تبني أيضًا شبكة أوسع من كاميرات المراقبة في الشوارع والمؤسسات والجامعات.

وفي هذا السياق يصبح مجمع السجن الجديد جزءًا من نموذج «الدولة المراقِبة»: مكان لا يعتمد فقط على الجدران والحراس، بل على البيانات والكاميرات والمتابعة المستمرة.

وبحلول أكتوبر 2023 أعلنت وزارة الداخلية أن خمسة مجمعات سجون عملاقة جديدة قد تم بناؤها، بينما أُغلقت 26 من السجون القديمة أو جرى هدمها لاستخدام الأراضي التابعة لها كأصول للدولة.

ورغم كل ادعاءات الإنسانية الزائفة، فإن الحقيقة التي يؤكدها المساجين هي أن «السجن مش حيطان، السجن إدارة». فالسجن لا يتحدد فقط بجدرانه أو تصميمه، بل بمنظومة الإدارة التي تصنع تجربة الاعتقال اليومية، وتحدد مساحات الحركة والتواصل، وأنماط الرقابة والعزل، وطبيعة العلاقة بين السجين ومن يدير المكان. ومن هذا المنطلق، لا يبدو سجن بدر الجديد، على سبيل المثال، إلا امتدادًا أكثر اتساعًا وقسوة لسجن العقرب؛ فهو وريثه الأكبر والأكثر شراسة.

ختام
ولم يكن مصادفة أن تتوسع منظومة السجن في مصر بالتوازي مع تعميق التبعية للاقتراض الخارجي وتشديد سياسات التقشف. فكلما ضاقت قدرة الدولة على شراء الرضا الاجتماعي عبر الدعم والخدمات، اتسعت حاجتها إلى أدوات الضبط القسري. والسجن هنا ليس مؤسسة معزولة عن الاقتصاد السياسي، بل أحد أعمدته. ولا تتحمل الدولة كلفته وحدها، بل تنقل جزءًا كبيرًا منها إلى الأسر، وتحديدًا إلى العمل غير المأجور الذي تؤديه النساء، والذي يعيد إنتاج قوة العمل المحتجزة ويُبقي المعتقل حيًا من دون أن تتحمل الدولة كلفة ذلك. فالبيت يستكمل ما تعجز عنه الزنزانة، تمامًا كما يُستكمَل خارج المصنع ما يبدأ داخله من استغلال.

ومن هذه الزاوية أيضًا يمكن فهم الجدران التي تحدث عنها السيسي في افتتاح الأوكتاجون، والتي قيل إنها بُنيت لحماية مؤسسات الدولة من تكرار محاصرتها. فهي اعتراف ضمني بأن ثورة يناير لم تُهزم نهائيًا، وأن الشروط التي أفرزتها لم تختفِ. لذلك تنفق السلطة المليارات على بناء سجون جديدة، وتستبدل اسم “السجون” بـ”مراكز الإصلاح والتأهيل”، لأنها تدرك أن الاحتواء المادي وحده لا يكفي، وأن السيطرة المستمرة تتطلب توسيع الجهاز العقابي وإعادة إنتاج شرعيته، ما دامت الأسباب المادية التي جعلت الانفجار ممكنًا لا تزال قائمة.

لذلك فإن فهم منظومة السجن ليس ترفًا تحليليًا، بل شرطًا لتفكيكها. فمعرفة كيف تُبنى الزنازين، وكيف يُدار “التدوير”، وكيف تُموَّل هذه الشبكة العقابية في ظل دولة مثقلة بالديون، تكشف أن السجن ليس قدرًا محتومًا، بل مؤسسة سياسية واقتصادية نشأت في ظل علاقات إنتاج محددة، ولذلك فهي قابلة للمساءلة والتفكيك كما كانت قابلة للبناء. ومن هنا تبدأ المسافة بين الاكتفاء بالمطالبة بحرية المعتقلين وبين العمل على إزالة الشروط التي تجعل إنتاج المعتقلين ممكنًا أصلًا.

لكن ماذا يعني ذلك عمليًا؟
إن رفع شعار “الحرية لـ…”، على ضرورته، لا يكفي وحده. فقد يتحول، إذا انفصل عن نقد المؤسسة نفسها، إلى مطلب يقتصر على مطالبة الدولة بأن تُحسن معاملة فئة بعينها من سجنائها، من دون المساس بوظيفة السجن أو بموقعه داخل النظام الاجتماعي.

ولهذا تظل المطالبة بتطبيق الحد الأدنى من حقوق السجناء ضرورة لا غنى عنها: وجبات كافية وصحية، ورعاية طبية حقيقية، وهواء وضوء، ووقت للتريض، وأخصائيون نفسيون، وأسرّة تحفظ كرامة الإنسان. هذه مطالب إصلاحية، ويجب طرحها بوصفها كذلك، فهي الحد الأدنى الذي يمكن انتزاعه من دولة لا تمنح شيئًا طوعًا.

فالإصلاح، بهذا المعنى، ليس نقيض الثورة، بل أحد ميادين الصراع، شريطة ألا يتحول إلى بديل عنها. لذلك ينبغي أن تسير المطالبة بحقوق السجناء جنبًا إلى جنب مع فضح السجن ذاته كمؤسسة، ورفض التطبيع مع وجوده باعتباره الحل الطبيعي لمشكلات يصنعها النظام الاجتماعي نفسه. فالعمل السياسي لا يقف عند حدود ترميم الزنزانة، بل يمتد إلى تفكيك المنطق الذي يجعل الزنزانة ضرورية أصلًا: منطق التراكم الرأسمالي، والملكية الخاصة، وتأديب العمل المأجور.

ومن هنا، فإن ما أحلم به، أنا وغيري، ليس سجون “أفضل” أو حتى عنابر خالية من المعتقلين السياسيين، بل عالم بلا سجون على الإطلاق؛ عالم لا تُدار فيه علاقات الناس ببعضهم عبر الجدران والعقاب، بل عبر علاقات إنتاج واجتماع لا تحتاج أصلًا إلى هذا الجهاز القمعي لكي تستمر.