بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

وهم القانون واحتكار المجال العام: لماذا تخشى السلطة نقابة المعلمين؟

اقتحمت قوات الأمن منزل الدكتور محمد زهران، مؤسس تيار استقلال المعلمين، واعتقلته للمرة الرابعة. بعد سنوات من الاستدعاءات المتكررة في 2020، ثم في سبتمبر 2023، ثم في مارس 2026. هذا النموذج يدعونا الى النظر الى التعامل الأمني مع أي تنظيم نقابي يقترب من احتكاك حقيقي مع السلطة. وقصة زهران، بتفاصيلها الصغيرة، تحمل في داخلها العديد من عناصر هذه الأزمة الأوسع, اقتصاد يريد بيع التعليم، ومؤسسة تخشى استقلال معلميها، وقانون يتحول إلى وهم كلما اقترب من التطبيق الفعلي.

زهران، وهو كبير معلمين بإدارة المطرية التعليمية، عُرف بلجوئه المتكرر للقضاء للطعن على إدارة أموال النقابة، وكشف قضايا فساد أدت فعليا إلى سجن أحد نقباء النقابة بتهمة الحصول على رشوة من مقاول لتطوير مستشفى المعلمين. هذا التفصيل يوضح الرابط بين نضاله النقابي والسياق الاقتصادي الأوسع, حيث تمضي الدولة بخطى حثيثة نحو “خصخصة مقنعة” لقطاع التعليم. هذه الخصخصة لا تعني بالضرورة بيع المدارس، بل تتم عبر تجفيف ميزانياتها، ووقف التعيينات الرسمية، والاعتماد على عمالة هشة ومؤقتة (معلمي الحصة)، مع نقل التكلفة الفعلية للتعليم إلى جيوب الأسر عبر الدروس الخصوصية.

الدولة تتخلى تدريجياً عن دورها في التعليم لصالح آليات السوق، ولا تنظر إلى نقابة تراقب أموالها وتفضح صفقاتها كشريك، بل كعقبة تعرقل تمرير التقشف وتسليع القطاع. وهنا نرى أن نقابة منتخبة فعلياً، تراقب الميزانية وتفاوض على الأجور والميزانية والتعيينات، تشكل عقبة حقيقية أمام مرور هذه السياسات دون مقاومة.

وهناك سبب آخر لهذا الخوف، أعمق من المال, فالمدرسة ليست مجرد مبنى يؤدي وظيفة، بل هي المصنع الأول الذي تُصاغ فيه عقول الأجيال ووجدانها العام. وهذا يجعل الدولة تريد طاقماً ممتثلاً في الفصول، لا معلمين يفكرون في أنفسهم كأصحاب مهنة لها استقلالها وكرامتها. حين يحمل تيار استقلال المعلمين مشروعاً لتحرير الإرادة المهنية للمعلم، فهو يضرب في هذه الوظيفة تحديداً، وزهران نفسه -بصفته معلماً يمارس التدريس فعلياً قبل أن يكون ناشطاً نقابياً- ليس صوتاً خارجياً يتحدث نيابة عن المعلمين، بل واحد منهم يطالب بحقه في تمثيلهم.

يضاف إلى ذلك ثقل ديموغرافي هائل: نقابة المهن التعليمية تضم أكثر من مليون عضو، منتشرين في كل قرية ونجع بمصر. وحين دعا زهران، في مارس الماضي، المعلمين إلى تفويضه أو من يختارونه لسحب الثقة من اللجنة المعينة على النقابة، لم يكن يطلب شيئاً استثنائياً، بل كان يحاول تفعيل هذه الكتلة البشرية نفسها كجسم له إرادة. جيش بهذا الحجم لو تحرك فعلياً بشكل مستقل، قادر على احداث إرباك يصعب السيطرة عليه، ولهذا فإن إبقاء النقابة تحت “حراسة قضائية” منذ 2014 وحتى اليوم ليس إهمالاً إدارياً، بل خيار أمني لا تقبل الدولة التفاوض حوله.

والمفارقة أن زهران لم يكن يوماً من دعاة القطيعة مع الدولة. شارك الدكتور كخبير في لجان صياغة مواد التعليم بالدستور، وخاض انتخابات برلمانية عن دائرة المطرية، اضافة الى اللجوء إلى القضاء المدني طوال سنوات. دعوى في 2016 لعزل الحراسة القضائية، فحكم في 2018 بإجراء انتخابات لم يُنفذ، ثم دعوى جديدة عام 2023 صدر فيها حكم نهائي في نوفمبر 2025 يُلزم القائمين على النقابة بالدعوة لانتخابات. بمعنى آخر، القانون أعطاه كل ما وعد به، أكثر من مرة. لكن في كل مرة اقترب فيها الحكم من التنفيذ الفعلي، لم يكن الرد تنفيذاً، بل اعتقالاً: في سبتمبر 2023، بتهمة “الانضمام لجماعة إثارية ونشر أخبار كاذبة”، وفي مارس 2026 من جديد على خلفية دعوته لسحب الثقة من اللجنة و الان على خلفية الدعوة لتنفيذ حكم قضائي صدر بالفعل. المسألة إذن أن القانون لا ينهار لأنه عاجز عن حسم النزاع، لكن أن حسمه لم يعد الهدف منه أصلاً. الحكم يبقى نصاً معلقاً في انتظار إرادة أمنية تقرر متى يُفعَّل ومتى يُجمَّد، وهذا هو معنى غياب السياسة الفعلية, أن يتحول أدنى أشكالها -تنظيم، تفاوض، تمثيل مهني- إلى تهمة أمنية بمجرد اقترابه من التنفيذ.

وبدلاً من مواجهة هذه المطالب في ساحة سياسية علنية، اختارت الأجهزة الأمنية أسلوباً أبسط وأرخص, هو الاستنزاف بالتكرار. اعتقالات واستدعائات وكفالات متكررة. في كل مرة، تُستهلك طاقة زهران ورفاقه ومال أسرته في البحث عن مقر الاحتجاز، ودفع الكفالة، وتنظيم حملة إفراج جديدة، بدلاً من الحشد لتنفيذ حكم الانتخابات نفسه. وهكذا يتحول العمل النقابي، مرة تلو الأخرى، من الهجوم إلى مجرد الدفاع عن البقاء، ليس لأن أصحابه ضعفاء، بل لأن الدورة نفسها مصممة لتستنزفهم.

وربما هذا هو الهدف الأعمق من كل ما سبق: ألا يشعر المعلم بأنه جزء من شيء أكبر منه. فحين دعا زهران زملاءه لتفويضه في سحب الثقة من لجنة معينة، لم يكن يطلب تفويضاً شخصياً بقدر ما كان يحاول خلق شعور جماعي بأن للمعلمين إرادة مشتركة يمكن أن تُترجم إلى فعل. وهذا بالضبط ما لا تحتمله السلطة, ليس الشعارات، بل إحساس أفراد متفرقين بأنهم قادرون، معاً، على تغيير شيء. حين يُترك المعلم وحيداً أمام تقشف اقتصادي وتآكل في مكانته، بلا نقابة حقيقية تجمعه بزملائه، لا يبقى له من ملاذ سوى الامتثال لهياكل الدولة الرسمية، فرداً بفرد.

قد تنجح الأجهزة الأمنية اليوم في تعطيل قطار الانتخابات عبر تغييب القيادات وبث الخوف بين القواعد، لكن هذا لا يحل الأزمة، بل يؤجلها، ويؤكد ما بدأنا به: أن القانون، في هذا الملف، لم يعد أداة لكن واجهة.