بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

لن يكون الأخير

دماء “أبو عبده” على أسفلت التطوير

فقد المواطن البورسعيدي أبو عبده “محمد السيد”، حياته يوم الأحد الماضي، 9 أغسطس، متأثرا بحروقه داخل مستشفى السلام. أشعل أبو عبده النار في نفسه بحي المناخ في رد فعل على قلة حيلته أمام حملة الإشغالات التي استهدفت هدم محل التنجيد خاصته ومصدر رزقه الوحيد. وفي محاولة سريعة لاحتواء الغضب الشعبي، أصدر محافظ بورسعيد حركة تغييرات لرؤساء الأحياء منهم رئيسة حي المناخ، شيماء العزبي، مع إحالة الواقعة للتحقيق.

لكن خلف هذا الحدث والمشهد الدعائي تختبئ الأزمة الهيكلية الحقيقية، ما حدث لأبو عبدو ليس حادثا استثنائيا، أو قسوة مستقلة من إدارة حي متعسفة، إنما هو ذروة مأساوية لواقع يومي خانق. ففي ظل موجة واسعة من التضييق على المشاريع الصغيرة، تتشدق الدولة بضرورة تقنين الأوضاع واستخراج التصاريح، لكن النظام الذي تبنيه يجعل من شبه المستحيل، للطبقة العاملة، الاستيفاء بالشروط والإلتزامات المادية. نتيجة لذلك يتم دفعهم دفعاً للعمل في القطاع الغير رسمي الذي يمثل 29% من إجمالي العاملين في القطاع الرسمي وغير الرسمي. وبدلاً من توفير مسارات آمنة، ترد السلطة بحملات الإشغالات التي تصادر بضائعهم وأماكن رزقهم وتجرم محاولاتهم في البقاء والعيش.

فبينما تنفق المحافظة الملايين على أعمدة الإنارة، ورصف الشوارع، لخلق صورة لمدينة مثالية، يعتبر المواطن الكادح الذي يبحث عن لقمة عيشه “تلوثاً بصرياً”، ليتم كنسه تحت سجادة الأسفلت النظيف.

الإسراع بإقالة رئيسة الحي لا يعني التراجع عن السياسات، فالحقيقة أنها لم تعزل لأنها خالفت القانون، لكن لفشلها في المحافظة على الآلة الدعائية. فضح أبو عبده العنف الكامن الذي تمارسه الدولة بإحراق نفسه علنا، وكشف الوضع المزري خلف الواجهات المزينة. فشلت المسؤولة ليس في تطبيق القانون، لكن في إدارة بؤس الطبقة العاملة بهدوء، فتسببت بأزمة علاقات عامة أضرت بالصورة التي تحاول المحافظة رسمها، ليس لتدمير حياة مواطن.

تقديم كبش فداء كان ينفذ أوامر السلطة ليس عدالة، العدالة الحقيقية تتحقق بتفكيك السياسات الاقتصادية التي تدفع الناس إلى الموت. العدالة تعني منع هذه الظروف الطاحنة من الأساس، وتوفير سبل عيش كريمة ومستقرة بدلا من المطاردة في الشوارع كأعداء للدولة.