«إما الانتداب أو الاستقالة»… 250 معلمًا بمطروح يواجهون التعسف الإداري بقرار جماعي

في حركة تعكس حجم الضغوط الواقعة على كاهل المعلمين في مصر، لوّح 250 معلمًا من الكوادر التعليمية بالاستقالة الجماعية، وصعّدوا احتجاجهم بتقديم خطاب رسمي إلى وزير التربية والتعليم في 8 أغسطس 2026، بحسب الخطاب الرسمي الموقّع من المعلمين المتضررين، الذي أعلنته حملتهم. جاءت هذه الخطوة بعد أن استنفد هؤلاء المعلمون كل سبل الاحتجاج جراء قرار محافظ مطروح، اللواء محمد الزملوط، بإلغاء انتدابهم وإلزامهم بالعودة إلى مطروح قسرًا، بعيدًا عن أسرهم، وتحميلهم تكاليف سد العجز التعليمي من جيوبهم الخاصة. ولوّحوا بالدخول في إضراب عن الطعام، واللجوء إلى القضاء، وتفعيل استقالاتهم إذا استمرت السلطات في صمتها وتجاهلها لمطالبهم، وفقًا للشكاوى الجماعية التي قدموها.
قضى المعلمون القدامى مددًا تتراوح بين 15 و22 عامًا في مدارس مطروح قبل انتدابهم، بينما جرى التعاقد مع بعض معلمي دفعة تعيينات 2017 بناءً على وعود رسمية بالعمل لمدة ثلاث سنوات في المحافظة، يُسمح لهم بعدها بالعودة إلى محافظاتهم الأصلية، بناءً على شهادات ممثلي حملة المعلمين وقرارات الانتداب الوزارية السابقة. واستمر تجديد الانتدابات سنويًا، بما يسمح للمعلم بالتدريس في محافظته الأصلية، واستقرت مئات الأسر بناءً على هذا الإجراء الدستوري الذي يراعي لمّ شمل الأسر.
جاءت نقطة التحول في أكتوبر 2025، عندما عُطّل انتداب 67 معلمًا بشكل غير مبرر في ظل تضارب بين الجهات الحكومية، بحسب الالتماسات الرسمية التي رفعها المعلمون آنذاك؛ إذ ألقى كلٌّ من وكيل وزارة التربية والتعليم بمطروح، ونقابة المعلمين الفرعية، ومدير التنظيم والإدارة، المسؤولية على المحافظ، فيما ألقى مكتب المحافظة المسؤولية على مديرية التعليم، ليجد المعلمون أنفسهم في متاهة بيروقراطية تحرمهم من معرفة سبب إيقاف القرار الذي يقوم عليه استقرارهم. جاء ذلك على الرغم من تعيين 189 معلمًا جديدًا، للسماح بنقل المعلمين القدامى وتوفير الاستقرار النفسي لهم، وهو ما وثقته البيانات الرسمية الصادرة عن المحافظ السابق خالد شعيب في 3 سبتمبر 2025.
لكن الحقيقة أن المحافظة تواجه عجزًا في قطاع التعليم يُقدّر بالآلاف، وبدلًا من طلب تمويل إضافي من الدولة لتعيين بدلاء بأعداد كافية، لجأت الإدارة إلى الحل المجاني: التنصل من وعود سبتمبر، واستدعاء المعلمين المنتدبين لسد الفجوة قسرًا، من دون إصدار قرار رسمي.
تحول هذا التعنت الصامت إلى سياسة معلنة بمجرد تولي المحافظ الجديد، اللواء محمد الزملوط، منصبه في فبراير 2026. ففي 24 يونيو 2026، أصدر المجلس التنفيذي لمحافظة مطروح قرارًا بحظر تجديد الانتدابات الخارجية لقطاعي التعليم والصحة، ووجّه بإعادة الجميع إلى مطروح بشكل أعمى، ولم يوجّه بإجراء حصر فعلي للعجز في التخصصات إلا بعد أكثر من شهر من الحظر الشامل، في 28 يوليو، وفقًا للمحاضر والقرارات الرسمية الصادرة عن المجلس التنفيذي للمحافظة. وفي الاجتماع نفسه، عرضت المحافظة حوافز مالية وسكنًا مجانيًا لجذب المعلمين إلى قرية قارة أم الصغير النائية، ما يظهر أن الإدارة تعي أن العمل في المناطق النائية يستدعي حوافز مادية، ولا يمكن فرضه بالقسر الإداري.
الاعتماد على تحمّل المعلمين أعباء المسافات الطويلة، باعتباره بندًا مجانيًا في الموازنة، ليس جديدًا؛ ففي 2016، رفض المحافظ الأسبق، اللواء علاء أبو زيد، نقل 120معلمًا، متذرعًا بعجز يبلغ 3000 معلم. فبينما ترفض الدولة تمويل هذا العجز، يظل العبء على كاهل المعلمين طوال عقد كامل، وهو ما عبّر عنه حسن صالح، المتحدث باسم المعلمين، في مقطع فيديو بثه عبر فيسبوك، متسائلًا: كيف لمصر، التي بنت مدنًا جديدة وشبكات طرق عالمية، ألّا تستطيع توفير مخصصات لتوظيف 200 معلم؟
ما كان في نظر الوزارة «سد عجز» كان بالنسبة إلى المعلمين انقلابًا تامًا في حياتهم. فمن جانب، يعانون استنزافًا ماليًا فجًّا؛ إذ وثّقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وأظهرت بيانات ممثلي حملة المعلمين، أن متوسط الراتب الشهري للمعلم يبلغ 8500 جنيه، بينما يتقاضى بعضهم 7300 جنيه، أي أقل من الحد الأدنى للأجور البالغ 8000 جنيه. في المقابل، تبلغ تكلفة استئجار شقة في مطروح 5000 جنيه كحد أدنى، وتكلفة المواصلات 2000 جنيه، بينما لا يتعدى بدل السكن 500 جنيه. فتلتهم تكاليف السكن والمواصلات 82% من الراتب، ولا تترك سوى 1500 جنيه للغذاء والدواء وإعالة الأسرة. ومن جانب آخر، يعانون استنزافًا جسديًا؛ إذ يقطع المعلمون أسبوعيًا، عبر أربع رحلات، مسافة تصل إلى 1000 كيلومتر، ما يتسبب في إصابات جسدية مختلفة. فضلًا عن ذلك، يوجد معلمون مصابون بالسرطان وأمراض العظام، ويحتاجون إلى علاجات غير متوفرة بمطروح، وفقًا للشهادات التي رصدتها المفوضية. ويمتد الاستنزاف إلى التفكك الأسري؛ إذ واجهت معلمات خيارًا بين الطلاق وبين السفر والاستمرار في العمل، ما دفع إحدى المعلمات إلى توجيه استغاثة إلى المحافظ، مستندة إلى المادتين 10 و11 من الدستور، ومتسائلة عن الإنسانية في إجبار مريضة بالسكري على ترك زوجها وطبيبها في الغربية والعيش بمفردها، بحسب مقطع مصور نشرته المعلمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ ففي 9 أغسطس، أعلنت نقابة المعلمين بمطروح أن مجلس المدينة أنذرها، بموجب قرار صادر في 25 يوليو، بإخلاء مقرها التاريخي ونادي المعلمين الذي تشغله منذ الستينيات خلال أسبوع، وطالبها بدفع مقابل انتفاع، ما اضطر النقابة إلى اللجوء إلى القضاء الإداري بالإسكندرية؛ حيث حُدّدت جلسة لنظر الدعوى في 16 أغسطس، بحسب البيان الرسمي الذي نشرته النقابة الفرعية بمطروح عبر صفحتها.
ولا يمكن عزل أزمة معلمي مطروح وتجريد نقابتهم من مقراتها عن سياق قومي أوسع يتسم بفرض سياسات التوظيف الهش لسد العجز الهيكلي؛ إذ اعترف وزير التربية والتعليم بوجود عجز قومي بلغ 655 ألف معلم، ادعت الوزارة تغطية 90% منه عبر العمل بالحصة وزيادة نصاب الحصص بدلًا من التوظيف الدائم، وفقًا لتصريحات الوزير الرسمية في أكتوبر 2024.
ولإحكام السيطرة وتمرير هذه السياسات، تتصاعد حملات التضييق الأمني الشرسة على أي حراك نقابي. ولم يكن إلقاء السلطات الأمنية القبض على الدكتور محمد زهران، مؤسس تيار استقلال المعلمين، في 15 يوليو 2026 سوى امتداد لهذه الحملة؛ إذ وُضع رهن الحبس الاحتياطي على ذمة قضية أمن دولة رقم 5773 لسنة 2026، لمجرد دعوته إلى اجتماع يطالب بتنفيذ أحكام قضائية نهائية بإنهاء الحراسة على النقابة العامة وإجراء انتخابات حرة. لكن أمام هذا السياق الشرس من القمع وانسداد الأفق، يستمر المعلمون في معركتهم ومواجهتهم للتعسف. فقد نظموا أنفسهم ونسقوا جهودهم عبر صفحة على موقع فيسبوك منذ أكتوبر، وتوجّهوا في حشد كبير إلى مقر الوزارة بالعاصمة الإدارية في يونيو، وصولًا إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمام مبنى محافظة مطروح في 14 و27 يوليو، ليثبتوا أن إرادتهم في انتزاع حقوقهم باقية، لم تنكسر.





