طريق “كفر داود” يواصل حصد الأرواح والدولة شاهد ما شفش حاجة

لم يكد الصباح ينجلي عن آلام الأيام الفائتة، حتى عادت الشاحنات تطحن أجساد الكادحين على الطرقات المصرية. ففي صبيحة يوم الخميس 20 أغسطس 2026، شهد طريق “كفر داود – السادات” بمحافظة المنوفية فاجعة جديدة تنضم إلى سجل طويل من الدماء التي تُسفك ثمناً للبحث عن لقمة العيش. انقلب ميكروباص متهالك يقل عشرات العمال اليوميين المتوجهين إلى أعمالهم في مدينة السادات، مما أدى إلى مصرع عامليّن، وإصابة نحو 19 آخرين تراوحت أعمارهم بين الخامسة عشرة والخامسة والستين، حيث تنوعت إصاباتهم بين كسور مضاعفة، وجروح قطعية، وارتجاجات ونزيف حاد. هؤلاء العمال هم جزء من نظام يومي من التنقل القسري عبر وسائل نقل تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة، ليتم شحنهم كبضائع رخيصة تقطع مسافات طويلة في ساعات الفجر الأولى.
طريق “كفر داود – السادات” هو مجرد شريط أسفلتي ضيق يعمل باتجاه واحد، ويفتقر للإنارة وأدنى مقومات السلامة. رغم كونه شرياناً يعبره آلاف العمال، تجاهلت الدولة طوال السنوات الماضية كل النداءات لتوسعته، أو حتى تزويده بحواجز أمان كما ينبغي لوقف نزيف الدم، ليُترك على حاله كممر متكرر المآسي. ففي 2 أغسطس 2026، انقلب ميكروباص آخر على ذات الطريق أسفر عن إصابة 10 عمال. وقبلها، في 2 أبريل 2026، شهد الطريق تصادماً مروعاً لسيارة ربع نقل تحمل عمالاً زراعيين أسفر عن وفاة 9 عمال وإصابة 3 آخرين. و31 مايو 2026 حين حصد الطريق ذاته روح عامل وأصاب 25 آخرين. وتتجاوز المأساة حدود الأسفلت، إذ تمتد لتشمل شرايين التنقل المائية بالمحافظة، فذاكرة الطبقة العاملة لا تزال تنزف إثر غرق 11 فتاة من عاملات الزراعة في معدية “أبو غالب” في مايو 2024، وقبلهن 8 أطفال ابتلعهم النهر في معدية “منشأة القناطر” في يناير 2022. تتكرر المشاهد، وسط غياب تام لشبكة مواصلات عامة آمنة تضمن سلامة الملايين من عمال اليومية.
وفي ذات اليوم، 20 أغسطس 2026، في محافظة بني سويف، سقط ثلاثة عمال من أبناء قرية “دموشيا” من بينهم طفل ابن 16 عام, من فوق سقالة غير مؤمنة أثناء بناء برج سكني، سقطوا من السماء ليتحطموا على مذبح انعدام معايير السلامة والصحة المهنية. تكشف هذه المآسي المعايير المتردية وأزمة وعمالة الأطفال. هذا الطفل الذي توفي، هو امتداد طبيعي لأطفال الإسماعيلية الذين طحنتهم الشاحنات الأسبوع الماضي، وامتداد لسقالات أخرى انهارت بالعمال في طريق الإسكندرية الصحراوي في يوليو الماضي. تختلف الأسباب، لكن القاتل المنهجي واحد.
أمام هذا النزيف اليومي تقتصر استجابة الدولة على تنظيف مسرح الجريمة. كل ما تفعله هو الدفع بسيارات الإسعاف لجمع الأشلاء، ومسح الجثث والدماء من على الأسفلت لفتح الطريق سريعاً أمام عجلة الإنتاج وقوافل المستثمرين. الدولة التي تُنفق المليارات لتمهيد المحاور المرورية الفاخرة للسيارات الملاكي، تترك طرق العمال كساحات إعدام مفتوحة. وفي محاضر الشرطة، يُكتب السيناريو المعتاد: يُلقى اللوم على السائق المقهور أو يُتهم القدر، بينما يتم تجهيل اسم صاحب العمل الذي كدّس العمال في سيارة ربع نقل، أو الذي صعد بطفل إلى سقالة بلا حزام أمان. يُحمى رأس المال بلا هوادة، وتُقيد دماء العمال ضد مجهول، لضمان استمرار تدفق العمالة الرخيصة.
إن دماء عمال المنوفية وبني سويف التي سالت اليوم تؤكد أن حملة “لقمة عيش تمنها حياة”، التي أطلقتها مؤخراً دار الخدمات النقابية والعمالية في 17 أغسطس 2026، ضرورة بقاء ومعركة هيكلية يومية. تتجاوز المطالب حدود الحزن والاستنكار، لتكون سلاح في وجه مستغلي العمال تدفع الحملة بنقل النقاش إلى جذور المسؤولية، متسائلة بوضوح عمن تعاقد مع السائق، ومن سمح بتشغيل الأطفال في بيئات مميتة. لتشمل المطالب تجريم المقاولين وأصحاب العمل بدلاً من تحميل السائقين وحدهم المسؤولية، بالاضافة الى إقرار تعديلات تشريعية تعتبر توفير وسائل النقل الآمنة للعمال التزاماً قانونياً يقع على عاتق صاحب العمل ضمن اشتراطات السلامة المهنية. وتدعو الحملة إلى تفتيش استباقي على مواقع العمل ومحاسبة من يمتص دماء الطفولة بثمن بخس، بدلاً من معاقبة أسرهم التي طحنها الفقر. إن دماء المنوفية اليوم تصرخ في وجه الجميع: أرواح العمال ليست وقوداً رخيصاً، وتطهير الأسفلت من الدماء لا يعني مطلقاً أن الجريمة قد مُحيت.





