مذبحة أشجار الدقي
آخر حلقة في مسلسل اقتلاع رئة العاصمة

دوّى صوت المناشير الآلية مجددًا في ظهيرة أغسطس اللاهبة من عام 2026، بينما كانت الوجوه المتعبة تلوذ بأي ظل يقيها وهج الشمس. ودوّى هذه المرة في قلب الجيزة، معلنًا فصلاً آخر من فصول استباحة المساحات الخضراء لصالح أيديولوجية تمجّد الأسمنت، واقتصاد خفي تحرّكه أرباح استغلال المساحات العامة.
وثّقت «صحيح مصر»، عبر تحليل صور الأقمار الصناعية، حجم «التطوير» في الجزيرة الوسطى لشارع «جامعة الدول العربية»، إذ أُزيل نحو 21 ألف متر مربع من الخضرة في الجانب الشمالي، و4500 متر مربع في الجانب الجنوبي، بإجمالي 25,500 مترًا مربعًا تبخّرت فجأة، على الرغم من خضوع الشارع نفسه لتطوير وتوسعة قبل عامين فقط، تزامنًا مع افتتاح محطات مترو الخط الثالث.
وامتدت يد التطوير خلال هذا الشهر لتطول شوارع الدقي التي طالما عُرفت بأشجارها الوارفة، مثل إيران ومصدق ونادي الصيد. وبرّرت محافظة الجيزة هذا الزحف في بيان رسمي بعبارة «السلامة العامة»، متخذة من حادثة سقوط شجرة في شارع مصدق، التي أودت بحياة شاب في ظروف مأساوية، ذريعة جاهزة لتقليم وإزالة ما سمّته «الأشجار الخطرة».
ما نراه اليوم هو امتداد لنهج عمراني تبلور بوضوح بين عامي 2017 و2020، حين انطلقت حمى «الاستغلال الأمثل لأصول الدولة». وكانت الضربة الأولى من نصيب شرق القاهرة، إذ كشفت التقارير العمرانية وما وثّقته منصة «زاوية ثالثة» عن قطع نحو 2500 شجرة معمّرة في حي مصر الجديدة وحده، بحجة توسعة الطرق وبناء الكباري. وهكذا فقد الحي العريق 397 ألف متر مربع من رئته الخضراء، بينما خسرت منطقة شرق مدينة نصر نحو 311 ألف متر مربع.
وأدى هذا الهوس بالأسمنت في النهاية، وفقًا لإحصاءات المرصد العمراني، إلى تدنّي نصيب الفرد من المساحات الخضراء في القاهرة ليصبح 0.74 مترًا مربعًا فقط، وهو رقم بائس يقل كثيرًا عن الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، وهو 9 أمتار مربعة.
ثم امتدت حمى «التسليع» لتطول الحدائق التاريخية، إذ رصدت صحيفة «اليوم السابع» كيف تحوّلت مساحات من حديقة الميريلاند إلى مجمع تجاري باسم «The Lake District»، وتكرر السيناريو نفسه في الحديقة الدولية وحديقة الطفل.
ولم تفلت جزيرة الزمالك من هذا الزحف؛ ففي أواخر عام 2024، كشفت «المنصة» عن تسريبات لمخططات تستهدف تطوير «حديقة الزهرية» التاريخية، التي تأسست عام 1868 وتضم أشجارًا نادرة. ورغم نفي وزارة الزراعة المتكرر، تصاعدت الأزمة مجددًا حين وثّقت صحيفة «المصري اليوم»، في أواخر عام 2025، شكاوى جهات بيئية تطالب بوقف المخططات التي تضمنت بناء فندق ومطاعم خرسانية داخل الحديقة. وتأكدت المخاوف في مايو 2026، حين رصدت تقارير «نافذة مصر» بدء أعمال تخطيط ميداني ووضع علامات بالجير داخل المساحات الخضراء، تمهيدًا لتنفيذ المشروع التجاري، ما أثار غضبًا واسعًا بين خبراء التخطيط والأهالي، الذين حذّروا من تدمير آخر المتنفسات الخضراء.
وطال المصير نفسه حدائق تراثية أخرى، إذ كشفت «متصدقش» عن تسليم إدارة حديقتي الأورمان والحيوان لتحالف تقوده شركة الإنتاج الحربي. وتبلغ مساحة الحديقتين 112 فدانًا، وتضمان أكثر من 3000 شجرة نادرة يتجاوز عمر بعضها قرنًا ونصف قرن. وكانت الحديقتان قد أُغلقتا في 2023 بحجة ربطهما بنفق وتطويرهما تجاريًا. ورغم بيانات النفي الصادرة عن وزارة الزراعة ومجلس الوزراء، في يناير 2023 وأكتوبر 2024، التي أكدت أن الأعمال مجرد «تهذيب»، ما زالت المخاوف قائمة بشأن مصير هذا الملاذ الأخضر.
تبدو المفارقة بارزة بين ما يحدث على الأسفلت وما يُقال في الخطابات الرسمية. ففي أروقة مؤتمر المناخ (COP27)، في نوفمبر 2022، أُطلقت مبادرة رئاسية ضخمة لزراعة «100 مليون شجرة» بميزانية تجاوزت 3 مليارات جنيه. لكن خبراء البيئة سرعان ما انتقدوها، لأنها ركّزت ببساطة على زراعة شتلات صغيرة وأشجار مثمرة كالزيتون والماهوجني في المدن الجديدة والطرق الصحراوية، بلا تعويض حقيقي للمظلات الشجرية الضخمة المقتلعة من قلوب الأحياء المكتظة.
وخلف ستار التصريحات الرسمية التي تتغنى بالتطوير والسلامة، تختبئ دوافع اقتصادية خفية تحوّل الفراغات العامة وجذوع الأشجار إلى أصول استثمارية. فتُقتلع الأشجار وتُزال المساحات الخضراء التراثية في قلب المدن تحت مظلة «تطوير البنية التحتية» و«الاستغلال الأمثل لأصول الدولة»، ليتم تأجير هذه الأراضي الاستراتيجية وتحويلها إلى مقاهٍ ومطاعم وساحات انتظار ومساحات إعلانية تدرّ عوائد مادية سريعة ومستمرة للمحليات، في عملية تسليع للفضاء العام. وهذه الرؤية، التي تتعامل مع الخضرة كعائق أو مساحة مهدورة تنتظر الأسمنت، تؤسس لنهج يعتبر إزالة الطبيعة ضريبة حتمية للتحديث.
ولا يتوقف الاستثمار عند حدود تأجير الأراضي المفرغة، بل يمتد إلى تجارة تدرّ ملايين الدولارات وتعتمد على بيع الأشجار المقطوعة ذاتها بوصفها «ذهبًا أسود». فقد كشفت بيانات التصدير لعام 2023 عن قفزة بنسبة 75 بالمئة في صادرات مصر من الفحم والأخشاب، لتصل قيمتها إلى 42 مليون دولار.
وتقف المدن المصرية اليوم أمام تحوّل هيكلي يبدّل ملامحها العمرانية، فنحن نشهد تنازلاً عن جودة الحياة اليومية وتاريخ الشوارع لصالح اقتصاد الأسمنت. وما تحتاج إليه مدننا هو إدراك أن التطوير الحقيقي لا يُشيَّد على أنقاض الطبيعة، وأن العاصمة التي تضحي برئتيها من أجل مساحات تجارية وشوارع أوسع قد تنجح في تيسير حركة السيارات، لكنها تفقد قدرتها على التنفس.





