تخضير الصورة لا تخضير المدينة

إن استضافة مصر لمؤتمر COP27، ثم اختيارها لاستضافة الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام 2028، يعكسان سعي الدولة إلى ترسيخ صورتها كفاعل رئيسي في قضايا البيئة والمناخ على المستوى الدولي. ويترافق ذلك مع الترويج لمبادرات واسعة النطاق لزراعة الأشجار، مثل مبادرة «100 مليون شجرة»، ومؤخرًا مبادرة «تخضير القاهرة».
ولكن هناك تناقض مهم بين هذا الخطاب والممارسات الفعلية على الأرض، وهو تناقض يستحق أن نتوقف عنده.
ففي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة عن برامج واسعة لزراعة الأشجار، تُقطع أشجار معمّرة في القاهرة وغيرها من المناطق الحضرية، غالبًا في إطار مشروعات توسيع الطرق والبنية التحتية. ففي الأيام الأخيرة، على سبيل المثال، أثيرت انتقادات بشأن قطع أشجار عمرها عقود في منطقة المهندسين بهدف توسيع حارات المرور. وهذه ليست حالة منفردة، فقد تكرر خلال السنوات الماضية قطع الأشجار في القاهرة في إطار مشروعات الطرق والكباري.
والمشكلة هنا لا تقتصر على مقارنة عدد الأشجار التي تُزرع بعدد الأشجار التي تُقطع. فالشجرة المعمّرة لا يمكن تعويضها ببساطة بشجرة صغيرة جديدة. فالأشجار الكبيرة توفر الظل، وتساعد على خفض درجات الحرارة في المدن، وتساهم في الحد من تلوث الهواء، وتخزن الكربون، كما توفر موائل للكائنات الحية وتشكل جزءًا من النسيج البيئي والاجتماعي للأحياء. ولا تستطيع شجرة صغيرة أداء هذه الوظائف بالدرجة نفسها، إذ تحتاج إلى عقود من النمو حتى تتمكن من ذلك.
لكن لفقدان الأشجار أيضًا أبعادًا اجتماعية غالبًا ما تُتجاهل. فالأشجار والمساحات الخضراء ليست مجرد عناصر جمالية، وإنما تشكل بنية تحتية اجتماعية تتيح للناس الالتقاء والتفاعل وقضاء الوقت في المجال العام. ومع ارتفاع درجات الحرارة وطول فترات الحر في القاهرة، تصبح المساحات المظللة مهمة بشكل خاص للأطفال الذين يحتاجون إلى أماكن آمنة للعب، وللعائلات والأصدقاء الذين يرغبون في الجلوس أو التنزه أو تناول الطعام في الهواء الطلق. وعندما تختفي هذه المساحات، لا نخسر الأشجار فقط، بل نخسر أيضًا فرصًا للقاء والتفاعل الاجتماعي في المدينة.
لذلك، نحتاج إلى طرح سؤال أكثر جوهرية: ما نوع السياسة البيئية التي تتبعها مصر، ولمن توفّر هذه السياسة بيئة أفضل؟
هل تقتصر حماية البيئة على زراعة عدد معين من الأشجار، وتجميل الشوارع، وإطلاق مبادرات يمكن عرضها باعتبارها إنجازات وطنية في المحافل الدولية؟ أم أن السياسة البيئية تشمل أيضًا حماية البنية التحتية البيئية والاجتماعية الموجودة بالفعل؟
وهذا السؤال مهم بشكل خاص في القاهرة، حيث أصبحت موجات الحر الشديد وتلوث الهواء وتأثير «الجزيرة الحرارية الحضرية» من القضايا المتزايدة الخطورة. فإذا استمر قطع الأشجار من أجل توسيع الطرق واستيعاب المزيد من السيارات، بينما تُزرع أشجار جديدة في أماكن أخرى، فنحن لا نكتفي بمعالجة مشكلة بيئية بشكل جزئي، بل نعيد إنتاج نموذج عمراني يساهم في خلق المشكلة من الأساس.
والأهم من ذلك أن الوصول إلى المساحات الخضراء نفسها أصبح مسألة مرتبطة بالطبقة الاجتماعية. ففي الوقت الذي تتقلص فيه المساحات العامة المظللة والمتاحة لسكان الأحياء، تتوسع المساحات الخضراء الخاصة داخل المجتمعات السكنية المغلقة والمجمعات السكنية الراقية. وبذلك لا يقتصر السؤال على: كم عدد الأشجار الموجودة في المدينة؟ بل يشمل أيضًا: من يستطيع الوصول إليها والاستفادة منها؟
وهنا تتحول قضية الأشجار إلى قضية عدالة بيئية واجتماعية. من يحصل على الظل والمساحات الخضراء والهواء الأقل تلوثًا؟ ومن يتحمل تكلفة فقدان هذه الموارد عندما تُقطع الأشجار؟ ومن يملك الحق في استخدام المجال العام وقضاء الوقت فيه؟ ومن الذي يحدد أولويات المدينة، بحيث تصبح الشجرة في بعض الحالات بنية تحتية بيئية واجتماعية يجب حمايتها، وفي حالات أخرى مجرد عائق أمام مشروعات الطرق والتطوير العقاري؟
ولمن يعملون في الشوارع، من عمال النظافة والتوصيل إلى الباعة، يرتبط الظل بشروط العمل نفسه. فمن يعتمد دخله على ساعات العمل أو عدد الطلبات قد يدفع ثمن الاحتماء من الحر من أجره. وكذلك يحتاج مستخدمو النقل العام إلى الظل في طريقهم إلى العمل وأثناء الانتظار. لذلك، فإن حماية الأشجار والمساحات العامة جزء من حماية صحة العمال ودخولهم، ويجب أن ترتبط بحقهم في الراحة والحماية من الحرارة دون خسارة الأجر.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمدى نجاح مصر في زراعة أشجار جديدة، وإنما بما تكشفه هذه السياسات عن أولويات الدولة. فمن ناحية، تُستخدم مشروعات التشجير والخطاب البيئي في تقديم مصر بوصفها فاعلًا دوليًا مسؤولًا في قضايا المناخ والتصحر، بما يفتح المجال أمام الشراكات والتمويل والاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر. ومن ناحية أخرى، تستمر سياسات عمرانية تؤدي إلى إزالة أشجار ومساحات خضراء قائمة بالفعل، بينما يتزايد الاعتماد على مساحات خضراء خاصة يرتبط الوصول إليها بالقدرة الاقتصادية.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال الأساسي هو: كم شجرة أعلنت الدولة أنها زرعت؟ بل: ماذا يحدث للبيئة التي يعيش فيها الناس بالفعل؟ ومن يستفيد من سياسات «التخضير» ومن يدفع ثمنها؟
فإذا كان «التخضير» لا يحافظ على الأشجار الموجودة، ولا يحمي المساحات العامة، ولا يخفف من تعرض سكان القاهرة للحرارة والتلوث، ولا يضمن وصولًا متساويًا إلى بيئة صحية، فعلينا أن نتساءل: هل نحن أمام سياسة لتحسين البيئة، أم أمام سياسة لإنتاج صورة خضراء للدولة؟
وفي هذه الحالة، يصبح «التخضير» أقل ارتباطًا بتحسين شروط الحياة في المدينة وأكثر ارتباطًا بإدارة صورة الدولة على المستوى الدولي.





