الوراق.. تفاوض تحت الحصار و«تطوير» لا مكان فيه للأهالي

تجددت الاشتباكات بين الأمن وأهالي جزيرة الوراق، ظهر الإثنين 14 سبتمبر، قرب معدية القللي، وفقاً لموقع المنصة، بعد اعتراض عدد من الشباب على تضييق مسار المرور إلى المعدية بالحواجز الأمنية. تطورت المشادة سريعًا من احتكاك مع أمناء شرطة إلى استخدام الهراوات، ثم تراشق بالحجارة، وأسفرت عن إصابات واحتجاز عدد من الشباب، قبل أن تخرج تظاهرة محدودة داخل الجزيرة احتجاجًا على الاعتداءات.
جاءت الواقعة خلال ساعات الذروة مع عودة التلاميذ من المدارس، وهي جزء من حصار يومي على جزيرة الوراق، حيث تحولت المعابر التي يستخدمها الأهالي للذهاب إلى العمل والمدارس والمستشفيات إلى نقاط تفتيش، وصار منع دخول مواد البناء أداة لشل حياة السكان ودفعهم، ببطء وبالقوة، إلى مغادرة أرضهم.
والأهم أن اشتباكات الأيام الأخيرة جاءت بعد اجتماع ضم ممثلين عن «حملة باقون في جزيرة الوراق» ومسؤولين أمنيين، في 11 سبتمبر، بدا في ظاهره كأنه بداية انفراجة. لكن الوقائع على الأرض تقول أن بينما تفاوض الدولة الأهالي على «خيارات» بقائهم، تستمر في معاقبتهم بالحصار والتضييق والقبضة الأمنية.
ليس مطلب أهالي الوراق رفضًا أعمى للتطوير، ولا تمسكًا جامدًا ببناء عشوائي أو واقع غير قابل للتغيير كما تحاول الرواية الرسمية أحيانًا تصويره. فالمطلب الذي طرحته الحملة مرارًا، وعادت لتقدمه في اجتماع الخميس الماضي، واضح ومحدد، وهو أن يبقى الناس في الجزيرة، وأن تُخصص داخلها أرض مخططة ومرفقة للراغبين في البقاء، وفق مبدأ «بيت مقابل بيت» و«أرض مقابل أرض».
يقترح الأهالي أن يسلّم من يقع منزله داخل مناطق التطوير أرضه للدولة بعد الاتفاق على قيمتها، وأن يحصل بالمقابل على قطعة أرض رسمية داخل الجزيرة نفسها، مرفقة ومرقمة بعقد ملكية واضح، ليبني عليها منزلًا بديلًا وفق اشتراطات التخطيط والتراخيص. كما يقترحون ألا يُخلى البيت القديم إلا بعد بناء البديل وانتقال الأسرة إليه، مع تعويض عادل عن المبنى القائم.
وهذا ليس طرحًا مستحيلًا من الناحية العملية. فالتصور الذي قدمه الأهالي يتضمن نحو 300 فدان للكتلة السكنية، وتقسيمًا إلى 4059 قطعة أرض بمساحات مختلفة، يقدّرون أنها تستوعب قرابة 20 ألف نسمة، مع مرافق وطرق ومدارس وخدمات ومساحات عامة. أي أن السكان لا يطالبون بوقف أي تغيير في الجزيرة، بل يرفضون أن يُنفذ التغيير باعتباره عملية اقتلاع جماعي، وأن تتحول التنمية إلى اسم آخر للتهجير.
لكن الاستجابة الرسمية للمطلب لا تزال في إطار الوعود العامة. فمسؤولو الملف أبدوا استعدادًا لمناقشة المقترح والرد عليه، وفق موقع زاوية ثالثة، وتحدثوا عن ألف وحدة سكنية في المرحلة العاجلة قد تُستكمل خدماتها بين نهاية سبتمبر ومنتصف أكتوبر. غير أن هذه الوحدات لا تمثل حلًا شاملًا، خصوصًا مع حديث المسؤولين عن استبعاد ما يسمونه «المتغيرات»، أي الإضافات أو المساكن المنشأة في فترات لاحقة، من نطاق الاستحقاق.
هنا تكمن المشكلة الأساسية. لا يحتاج أهالي الوراق إلى تصريحات جديدة عن «تعويضات عادلة»، بل إلى ضمانات مكتوبة ومحددة: من يحق له البقاء؟ أين الأرض البديلة؟ متى تُسلّم؟ ما مساحة المنزل أو الأرض البديلة؟ ومن يتحمل كلفة البناء؟ وماذا يحدث لمن يعتمد رزقه على زراعة الجزيرة أو الصيد أو العمل اليومي فيها؟
لكن بدل أن يبدأ النظام من هذه الأسئلة، يستمر في إدارة الملف باعتباره قضية أمنية. فمعدية القللي، التي تعد منفذًا رئيسيًا لسكان الجزيرة، تخضع لإجراءات تفتيش مشددة لمنع دخول مواد البناء، وفي بعض الأحيان، القبض على تجار تلك المواد دون أي تهمة قانونية.
إن التفاوض الذي يجري تحت التهديد لا يصنع حلًا عادلًا. إنه محاولة للحصول على قبول الأهالي بشروط أضعف، بعد إنهاكهم ماديًا ونفسيًا، ثم تصوير النتيجة لاحقًا باعتبارها «اختيارًا طوعيًا» للانتقال أو التعويض.
منذ الإعلان الأول عن خطة تطوير الوراق عام 2017، كان واضحًا أن المسألة لا تتعلق فقط بـ«تحسين خدمات سكان الجزيرة». فالخطة تتصل بمشروع أكبر لتحويل الوراق إلى مركز تجاري وسياحي واستثماري على النيل. وتعرض خرائط منسوبة إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة منطقة استثمارية واسعة باسم «مدينة حورس»، تضم أبراجًا سكنية وفنادق ومنطقة أعمال، بينما تتحدث بيانات رسمية عن مركز تجاري عالمي، ومناطق استثمارية، ومارينا، وكورنيش سياحي، وإسكان متميز.
ليست المشكلة في وجود فندق أو ممشى أو خدمة جديدة بحد ذاتها. المشكلة هي السؤال الذي يسبق كل ذلك: لمن تُبنى المدينة؟ ومن يملك الحق في تقرير مصير الأرض التي ستقام فوقها؟ فعندما تُصاغ الجزيرة بوصفها فرصة استثمارية ضخمة، يصبح وجود الفلاح والصياد والعامل وصاحب البيت القديم عائقًا في حسابات قيمة الأرض، لا جزءًا من مجتمع ينبغي أن يستفيد أولًا من أي تطوير.
تبلغ مساحة الجزيرة، بحسب الرواية الرسمية، نحو 1500 فدان، بينها مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية عالية الجودة، فيما تشير دراسة للجامعة الأمريكية إلى أن عدد سكانها يقترب من 120 ألف نسمة، يعتمد كثير منهم على الزراعة والصيد. وهذه ليست أرضًا صحراوية خالية تنتظر المستثمر، بل مجتمع قائم، له إنتاجه وعلاقاته وذاكرته وحقه في البقاء.
ولهذا فإن عرض شقة بديلة، حتى لو كانت المساحة متقاربة، لا يساوي بالضرورة تعويضًا عادلًا. فالشقة قد تعوض سقفًا فوق الرأس، لكنها لا تعوض أرضًا، ولا مصدر رزق، ولا قربًا من العمل، ولا شبكة الجيران والعائلة، ولا نمط حياة كاملًا تشكل حول النهر والزراعة والصيد. كما أن حساب التعويض بالمتروك من المباني وحدها، من دون الاعتراف بحق السكان في الأرض أو في البقاء داخل الجزيرة، يحول الناس إلى مجرد مستأجرين مؤقتين في المكان الذي عاشوا فيه أجيالًا.
تكشف الوراق بوضوح منطقًا يتكرر في مناطق كثيرة: الدولة تعلن مشروعًا باسم «التطوير»، وتقدم وعودًا بالتعويض، ثم تستخدم الشرطة والقرارات الإدارية والحصار اليومي لإجبار السكان على التنازل عن شروطهم. في المقابل، يُمنح المستثمرين والمقاولين وشركات العقار حق تصور المكان كما يريدون، قبل أن يُمنح سكانه حق معرفة ما سيحدث لهم.
لكن تطويرًا حقيقيًا يبدأ من حق الناس في البقاء، لا من إخراجهم. يبدأ من تحسين المدارس والمستشفيات والمواصلات والصرف والخدمات، ومن تنظيم البناء وتوفير مرافقه، ومن ضمان ملكية السكان وحمايتهم من الاستغلال، لا من إفراغ الجزيرة كي تصبح مناسبة للأبراج والفنادق والمراسي السياحية.
مطلب أهالي الوراق بـ«بيت مقابل بيت» و«أرض مقابل أرض» ليس مطلب تفاوضيًا يمكن تأجيله أو التحايل عليه. إنه الحد الأدنى لرفض التهجير المقنع، ورفض فكرة أن الدولة تستطيع انتزاع أرض باسم المنفعة العامة ثم تحويلها إلى أصل استثماري يحقق المنفعة الخاصة لرأس المال.
المطلوب الآن هو وقف الاعتداءات الأمنية والاحتجازات، ورفع القيود العقابية عن حركة الأهالي ومعابر الجزيرة، ووقف منع مواد البناء بما يسمح للناس بصيانة بيوتهم والعيش بكرامة. كما يتطلب الأمر إعلانًا رسميًا وعلنيًا عن مخطط التطوير الكامل، ومساحات الاستثمار والسكن والخدمات، وشروط التعويض، والجهات التي ستتولى التنفيذ أو الانتفاع.
والأهم هو قبول حق سكان الوراق في البقاء داخل جزيرتهم، عبر عقود ملكية واضحة، وأرض بديلة داخل الجزيرة لمن تتأثر مساكنهم، وتعويض كامل عن المنشآت ومصادر الرزق، من دون إخلاء قبل توفير البديل الفعلي. لا وعود شفهية، ولا شقق تُفرض على الناس خارج مجتمعهم، ولا تفاوض يجري خلف أبواب أمنية مغلقة.
أهالي الوراق لا يقفون ضد تطوير الجزيرة، بل ضد تطويرها من دونهم وضدهم. وبينما تتصاعد المواجهات على المعدية، يتأكد أن من يريد «مدينة عالمية» فوق أنقاض مجتمع كامل سيجد في مقاومة الناس دفاعًا مشروعًا عن البيوت والأرض والحق في الحياة.





