دولة الخوف تصادر الحقيقة
الحرية لصحفيي “متصدقش”

مرة أخرى، تكشر آلة القمع الأمنية عن أنيابها لتثبت أن الكلمة الحرة والبحث عن الحقيقة هما أشد ما يثير رعب السلطة الحاكمة في مصر. شنت الأجهزة الأمنية حملة هوجاء بدأت مساء الإثنين 28 سبتمبر، واستمرت لـ 24 ساعة، استهدفت خلالها فريق عمل منصة “متصدقش” الإخبارية بالكامل. ستة صحفيين تم اختطافهم وإخفاؤهم قسرياً، في رسالة واضحة: لا صوت يعلو فوق صوت الرواية الرسمية الكاذبة.
بدأت الجريمة بمداهمة منزلي الصحفيين محمد أشرف أبو عميرة وعبد الله قدري، ثم امتدت لتطال إسلام بركات وعمر هلال من منزليهما في الغربية وبورسعيد، وصولاً إلى اختطاف محمد محمود ومحمد عادل من شوارع القاهرة. ومارست السلطة إرهابها المعتاد بترويع الأسر، ومصادرة الأجهزة الإلكترونية لجميع المقيمين معهم، رافضة إبراز أي إذن نيابي بالضبط والتفتيش، ليختفي الصحفيين الستة في مقار الاحتجاز المجهولة، بعيداً عن أي تواصل مع ذويهم أو محاميهم.
في دولة تتنفس الروايات المضللة، يُصبح كشف الحقائق وتفنيد الشائعات جريمة أمن دولة. دأب هؤلاء الصحفيون على تعرية الرواية الرسمية وتفكيك دعاية النظام. كانوا يكتبون عن الواقع الذي تحاول السلطة إخفاءه تحت ركام التصريحات الوردية، دققوا في الأرقام الاقتصادية الكارثية التي تعلنها الحكومة، فضحوا التناقضات في وعود المسؤولين حول الأسعار والتضخم وتراكم الديون، وكشفوا زيف الإنجازات الوهمية التي يُراد للجماهير أن تبتلعها صامتة. لم ينسَ النظام للمنصة تغطيتها الجريئة وفضحها لشبكات الفساد والتهريب، والتي كان أبرزها كشف تفاصيل فضيحة “طائرة زامبيا” في أغسطس 2023، وهي التغطية التي أدت حينها لاختطاف أحد محرري المنصة. كل ذلك لعلمهم بأن قمع وعي الشعب، هو سلاحهم الأكثر فعالية.
هذه الاعتقالات لا تستهدف ستة صحفيين فقط، ولكن تستهدف بالأساس “حق الشعب في المعرفة”. النظام الحاكم يدرك أن احتكار السلطة واحتكار الثروة يتطلبان بالضرورة احتكاراً موازياً للحقيقة. بمجرد أن يمتلك المواطن المعلومة الصحيحة، تنهار سردية السلطة وتسقط شرعية سياساتها التي تفقر الملايين لصالح حفنة من المنتفعين. لذا، فقمع الصحفيين المستقلين وإخفاؤهم هو محاولة يائسة لسلب الجماهير حقها في الرؤية بوضوح، وفرض تعتيم شامل يسمح للسلطة بتمرير سياساتها دون حسيب أو رقيب.
بهذا التنكيل بهؤلاء الصحفيين العاملين في منصة استقصائية مستقلة تعمل منذ عام 2018 بمهنية ودقة، ارتفع عدد الصحفيين القابعين في سجون النظام إلى أكثر من 20 صحفياً لمجرد أنهم أدوا عملهم. هذا الرقم دليل إدانة لنظام لا يستطيع البقاء إلا في الظلام، ويعتبر أي محاولة لإنارة العقول تهديداً للأمن القومي، الذي هو في حقيقته “أمن النظام”.
نحن في حركة الاشتراكيين الثوريين، نضم صوتنا إلى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ونحمل النيابة العامة، التي طالما غضت الطرف عن جرائم الداخلية، المسؤولية الكاملة عن حياة وأمن وسلامة الصحفيين الستة المختطفين. ونطالب بالكشف الفوري عن مكان احتجازهم والإفراج الفوري عنهم وعن كافة معتقلي الرأي والصحفيين في السجون المصرية.
إن مصادرة الحق في المعرفة والترهيب والاعتقال لن يزيد الرواية الرسمية إلا هشاشة.
فإن الحقيقة لا تعتقل..





