دم ولادنا للحرية مش لمصالح خليجية

بينما كانت إسرائيل ترتكب الإبادة الجماعية في غزة، كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يبرر امتناعه عن التدخل العسكري أو حتى إيصال المساعدات إلى غزة بالخوف على أرواح المصريين والحفاظ على الجيش، مؤكدا أن مهمة القوات المسلحة هي حماية حدود البلاد. لكن يبدو أن هذه الحسابات تتغير تماما عندما يتعلق الأمر بأمن النظام السعودي. فجأة، تصبح المغامرة بحياة الجنود المصريين خيارا مطروحا، ويصبح الدفاع عن المملكة جزءا من الأمن القومي المصري!
خلال احتفال تخرج الأكاديمية العسكرية، وفي مشهد مهين ومذل، طلب السيسي من الضباط الخريجين والقيادات الموجودة في المنصة أن تؤدي التحية العسكرية لدول الخليج، أعلن السيسي استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن السعودية «بناء على توجيهات» الملك سلمان وولي عهده، وطلب عقد جلسة برلمانية طارئة لبحث إرسال قوات إلى الخارج. وبالفعل، انعقد مجلس النواب في جلسة سرية يوم 18 أكتوبر، لمناقشة تفويض الجيش بالتدخل، بعدما أعلن مجلس الدفاع الوطني تضامنه الكامل مع الرياض واستعداده لتقديم الدعم العسكري وغيره من أشكال المساندة.
عندما كانت غزة تحترق، كان المطلوب الوقوف على الحدود في موقع المتفرج على المجزرة الإسرائيلية. أما عندما يتعرض النظام السعودي للخطر، فيصبح إرسال الجنود المصريين إلى خارج الحدود مسألة تستدعي اجتماعات عاجلة وتفويضا برلمانيا.
أي أمن قومي هذا الذي يجعل حماية العرش السعودي أولوية، بينما لا تستدعي إبادة الفلسطينيين على مرمى حجر من الحدود المصرية سوى بيانات الإدانة والوساطات الدبلوماسية؟ ولماذا يصبح الخوف على أرواح المجندين حجة قاطعة في الحالة الفلسطينية، ثم يتراجع أمام الالتزامات تجاه الحكام الخليجيين؟
الإجابة تكمن في طبيعة النظام نفسه. فمنذ انقلاب 2013، لعبت السعودية والإمارات دورا محوريا في تمويل سلطة السيسي ودعمها سياسيا. وقبل يوم واحد من إعلان استعداده للدفاع عن المملكة، كشفت «الشرق بلومبرغ» عن مفاوضات لتجديد ودائع سعودية بقيمة 5.3 مليار دولار حل موعد استحقاقها في أكتوبر، من إجمالي ودائع سعودية يبلغ 10.3 مليار دولار لدى البنك المركزي المصري.
لا تثبت هذه الأرقام وجود صفقة مباشرة بين المال والتدخل العسكري، لكنها تكشف حجم الارتهان المالي والسياسي الذي تتحرك في ظله السلطة. وهكذا تتحول مصالح الأنظمة الحليفة إلى التزامات عسكرية محتملة، يدفع ثمنها المجندون المصريون.
وإذا كانت القوات المسلحة مستعدة للتحرك دفاعا عن السيادة والأمن القومي، فلتبدأ بتيران وصنافير، الجزيرتين المصريتين اللتين تنازل عنهما السيسي للسعودية رغم المعارضة الشعبية والأحكام القضائية التي رفضت التنازل. فلتستعد مصر سيادتها عليهما بدلا من إرسال جنودها إلى باب المندب، وجر البلاد إلى حرب جديدة لا مصلحة للشعب المصري فيها.
إن تحويل الجيش إلى قوة لحماية الأنظمة الخليجية امتداد للسياسة نفسها التي جعلت السلطة المصرية شريكا في حصار غزة، وعاجزة عن اتخاذ موقف يوقف آلة القتل الإسرائيلية. وفي الحالتين، يجري تعريف الأمن القومي وفقا لمصالح الحكام وتحالفاتهم، بعيدا عن مصالح الشعوب.
يجب رفض أي تفويض بإرسال القوات المصرية إلى هذه الحرب، والمطالبة بكشف ما يدور في الجلسات البرلمانية السرية. فلا يملك السيسي حق المقامرة بأرواح المصريين دفاعا عن الكفيل السعودي، بينما يترك الفلسطينيين لمواجهة الإبادة على الجانب الآخر من الحدود.





