بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تضامنا مع “متصدقش” 8 منصات عربية تدقق بيانات “مؤتمر الانجازات”

أعلنت ثماني مؤسسات صحفية مصرية وعربية اليوم 18 أكتوبر، إطلاق غرفة أخبار مشتركة على مدى ستة أيام لتدقيق الحقائق المتعلقة ب ” مؤتمر الإنجازات ” الحكومي ، في تضامن مع الصحفيين الستة المحتجزين من منصة ” متصدقش” والذي منعتهم الدولة من ممارسة حقهم في العمل الصحفي الحر والمستقل، يحدث ذلك بالتزامن مع انعقاد ” منتدى مصر 2026 ” الذي كان قد دعا إليه السيسي ، والمقرر انعقاده من يوم الإثنين 19 أكتوبر ويمتد حتى السبت 24 أكتوبر، والذي كان شعاره الأساسي ” نظرة لليوم ..رؤية للغد “. تصف الدولة أهداف هذا المنتدى على الموقع الرسمي له وتقول : ينطلق المنتدى من قراءة موضوعية لما جرى تنفيذه، في مواجهة التحديات التي واجهت الدولة، من خلال استعراض أهم السياسات والإجراءات التي تم اتخاذها والمشروعات التي تم إطلاقها، وتحليل النتائج والآثار الفعلية على المواطن والاقتصاد والمجتمع. ولكن ينبغي لنا أن نسأل، هل تتعامل الدولة بالفعل مع كل قراءة موضوعية – حقيقية – لما تم اتخاذه من إجراءات أو ما تم تنفيذه من المشروعات بروح من التفاهم والإستماع وتقبل للنقد أم أن كل من تصور له نفسه أن يناقش أو يتساءل أو حتى يتحدث، يصبح فريسة لاتهامات الإرهاب ودعمه وتمويله؟
حبس صحفيي ” متصدقش ” هو أبلغ رد على هذا السؤال، حيث حُبس الصحفيين الستة بتهم تتعلق بالإرهاب، لمجرد أنهم دققوا المعلومات بشكل موضوعي ومحايد تماماً وقاموا بدور مهم كان ومازال سيسبب الكثير من المشاكل للدولة وأجهزتها عقب أن يقرأوا ويحللوا المنجزات التي ستعرض خلال المؤتمر بشكل حقيقي وبعيداً عن تدليس النخب وهز الرؤوس الإعلامي التي تقابل أي تصريح أو كلمة يدلي بها الرئيس في وصف ما تم إنجازه خلال مدة حكمه. ولكن تأتي مبادرة المؤسسات الصحفية المصرية والعربية لتستكمل ما كان سيقوم به زملائهم المحتجزين من منصة ” متصدقش “.

وتضم المبادرة التضامنية التي تأتي تحت شعار ” لحد ما يرجعوا .. التحقق مستمر “، مؤسسات ” المنصة ” و ” مدى مصر ” من مصر، و” ميجافون ” و ” درج ” و ” صفر ” من لبنان، و” نواة ” من تونس، و”الجمهورية” من سوريا.

وقالت المؤسسات إنها ستتولى العمل الصحفي الذي كان سيؤديه زملائهم المحتجزين، بما يشمل التحقق من المعلومات وتدقيق الحقائق ومساءلة الخطاب الرسمي، إلى حين عودتهم إلى عملهم.

وجاءت المبادرة بعدما ألقت السلطات الأمنية القبض على ستة صحفيين من منصة “متصدقش” يومي 28 و29 سبتمبر الماضي، عقب مداهمة منازل بعضهم. والصحفيون هم محمد أشرف، وإسلام بركات، وعبد الله قدري، ومحمد محمود، ومحمد عادل، وعمر هلال. وبعد خمسة أيام من الاحتجاز السري، ظهروا أمام نيابة أمن الدولة العليا، حيث أفاد بعضهم، وفق ما أوردته “المنصة”، بتعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك التغمية وتقييد الأيدي من الخلف والضرب والصعق بالكهرباء.

وفي 13 أكتوبر، قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس الصحفيين 15 يوماً على ذمة القضية رقم 8083 لسنة 2026، حصر أمن الدولة العليا، على خلفية اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة، واستخدام حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لها.

صدق أو ” متصدقش “…. وعد دستوري جديد
خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة التي عُقدت قبل أيام، قال السيسي أن للدولة دستوراً وافق عليه المواطنون، وأن أحداً لن يمسه، في إشارة إلى المخاوف من إجراء تعديلات دستورية تسمح بتمديد فترة رئاسته الحالية، التي يفترض أن تنتهي عام 2030. وكرر السيسي الموقف خلال كلمته في حفل تخريج أول دفعة من الأكاديمية العسكرية المصرية، مؤكداً أن ولايته ستنتهي في موعدها.

غير أن الشكوك في صدق هذا الوعد ومقابلته بكثير من التمني الممزوج بالتشكك الساخر لم يأتي من فراغ. سبق أن أكد السيسي التزامه بالحدود الدستورية للمدد الرئاسية، قبل أن تُقر تعديلات دستورية عام 2019 غيرت قواعد الولاية الرئاسية، ومددت مدتها من أربع إلى ست سنوات، ومنحت الرئيس القائم آنذاك استثناءً أتاح له البقاء في منصبه حتى عام 2030. ولذلك، فإن المشكلة لا تتعلق بمجرد وعد جديد، ولكن بسجل سابق يجعل اختبار الوعود مرتبطًا بما تنوي السلطة تنفيذه على الأرض فيما بعد الوعود، لا بما تعلنه في خطابها.

فبحسب مدى مصر، كرر السيسي وعوداً مشابهة من قبل لم يدخل أي وعد منها حيز التنفيذ، ولم يتعدى أي وعد منها كونه مجرد ” كلام على ورق “، فمثلاً في صيف 2013، نقلت مصادر مقربة من الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، عدم نيته الترشح للرئاسة، رافضاً ضغوط المقربين بعد “مليونية التفويض”. لكن النبرة تغيرت في يناير 2014، إذ قال السيسي خلال ندوة تثقيفية للقوات المسلحة إنه لن يترشح إلا بطلب من الشعب وتفويض من الجيش، وفي فبراير 2016، وفي حوار له مع مجلة ” جون أفريك ” الفرنسية قال السيسي : أن الشعب المصري لن يسمح له بتعديل الدستور للبقاء في الحكم أكثر من ثماني سنوات. ثم عاد في 2017 ليقول في مقابلة له مع شبكة ” CNBC” الأمريكية : ” أنا مع الالتزام بفترتين رئاسيتين مدة الواحدة منهما أربعة أعوام، ومع عدم تغييرهذا النظام “.

ثم جاءت التعديلات الدستورية في 2019 لتمد الولاية الرئاسية الثانية التي كان من المقرر لها أن تنتهي عام 2022 ، لتنتهي في عام 2024. وتمنحه فترة رئاسية ثالثة تنتهي أبريل 2030. لتظل وعود السيسي السابقة لهذه السنة مجرد وعود فارغة، لم يصدق أي منها سواء في مستوى معيشة المواطن الذي وعد بأن تتحسن حتى من قبل توليه الرئاسة، أو من حيث إلتزامه بالدستور، سواء من جانب مدة الحكم، أو من جانب احترام الحقوق والحريات.

في نفس الندوة التثقيفية، وضع السيسي قواعد ومعايير اختيار رئيس الجمهورية المقبل، حيث قال أنه سيعد برنامج مدته 30 شهراً يستهدف مجموعات من الحاصلين على الدكتوراه والماجستير من جامعات مصرية وأجنبية، مع تأهيلهم داخل الأكاديمية العسكرية، لتعريفهم بطبيعة الدولة وكيفية الحفاظ عليها، وإتاحة الفرصة أمام الناخبين للاختيار من بين المؤهلين لتولي المسؤولية. لا تكمن خطورة ما قاله السيسي فقط في الغموض المحيط بمعايير اختيار المرشحين، ولكن في كون ” المؤسسة العسكرية ” بوابة لإعداد المرشحين لأعلى منصب مدني في الدولة. خلال حكم السيسي صار إعداد كوادر الدولة يحدث من خلال المؤسسة العسكرية، من المدرسين إلى الشيوخ والقضاة، وأخيراً رؤساء الجمهورية، يخضعون جميعاً بالضرورة لعملية غسيل الدماغ التي تعيد تعريف معنى الوطن من خلال عقيدة المؤسسة العسكرية، متمثلة في السيسي بشخصه. لم يعد الجيش مجرد مؤسسة من المفترض أن تخضع للسلطة المدنية المنتخبة، ولكنها ستتحول تدريجياً إلى جهة تشارك في تحديد مواصفات من يتولى هذه السلطة أصلاً. إن عملية العسكرة المستمرة للدولة لم يكن من المتوقع أن يقف سقفها عند حدود بعض الوظائف، فقد تغلغلت في المجتمع حتى أصبحت هي المعيار لإختيار المسؤولين والوزراء، حتى وصلت إلى تحديد من سيحكم البلاد بناءً على استيفاء لشروط برنامجها، في عملية انتقاء من أعلى، تعيد انتاج النخبة القائمة، وتضمن استمرار نفوذها حتي مع تغير الأشخاص الذين يتولون المناصب.

من 2014 حتى الآن، احتكرت الدولة مساحات واسعة من المجال العام، وفرضت قيود على الصحافة والتنظيم السياسي، ولم تحترم الدستور، في نفس الوقت الذي يُطلب فيه من المواطنين الثقة في وعود الرئيس، وتُقدم فيه الإنجازات الرسمية باعتبارها دليلاً على نجاح السياسات القائمة، ويظل المجال العام مقيداً، والصحفيون الذين يحاولون التحقق من الروايات الرسمية خلف القضبان، بينما يُطرح إعداد المرشحين للحكم من داخل المؤسسة العسكرية باعتباره طريقاً نحو اختيار الأكفأ.
إن شرعية الحكم لا تختبر بما يقوله الحاكم عن نفسه، وإنما بقدرة الناس على مراقبته ومعارضته وتغييره. ومن دون ذلك، ستظل الوعود بالإصلاح وتداول السلطة تدور داخل منظومة تعيد إنتاج نفسها، بينما يبقى المواطنون بعيدين عن امتلاك القرار الذي يُتخذ باسمهم ويتحملون تبعاته. أي وعود بالالتزام بالدستور من عدمه ليس لها أي معنى ولا أي قيمة، بدون الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، الذين كانوا في الأساس يحاولون التحدث والتعبير عن غضبهم، مستخدمين حقوقهم ” الدستورية ” التي يدعي أكبر رأس في الدولة أنه يحترمها ولن يمسها.

لذلك يبقى السؤال، تصدق أم “متصدقش” ؟