بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عبد الغفار شكر: إذا لم يعاد تأسيس التجمع على أوضاع ديمقراطية ونضالية سيبرز حزب جديد لليسار

جاءت نتيجة الانتخابات البرلمانية لتكشف بوضوح لا لبس فيه أزمة اليسار المصري وبعده عن الجماهير. فحزب التجمع المصري ذو التاريخ الطويل لم يستطع الحصول سوى على مقعدين فقط. وفي المقابل أكدت الانتخابات على المساحة الكبيرة التي يشغلها الإخوان المسلمون في الساحة السياسية المصرية. دينا جميل حاورت عبد الغفار شكر القيادي في حزب التجمع حول أزمة اليسار وإمكانيات المستقبل.

*كيف يمكن تفسير النتائج شديدة الضعف التي حققها حزب التجمع في الانتخابات البرلمانية؟

**نتائج التجمع في الانتخابات هي محصله لوضعه في السنوات الأخيرة، وليس فقط ما جرى أثناء المعركة الانتخابية. فالحزب لم يسعى للوصول إلى عضوية جديدة، وتوقف عن ممارسة نشاط جماهيري فعال، وضعفت علاقته بالقوى الاجتماعية التي يمثلها وخاصة الطبقة العاملة، والطبقة الوسطى والشباب والنساء، وتوقف عن تطوير قيادات جديدة، وتبنى خطاً سياسياً متذبذباً لم يكن واضحاً فيه معارضته الفعلية، وليس اللفظية لنظام الحكم.

وبدا في السنوات الأخيرة أن التجمع يضخم خلافه مع الإخوان المسلمين لحساب الحكم، مما أدى إلى حالة من التراخي في صفوفه، وافتقاد الصلة الحقيقية بالجماهير. فضلاً عن تأثير العوامل الخارجية المتمثلة في التشريعات والقوانين المعادية للنشاط السياسي وضعف الإمكانيات المادية، بالإضافة إلى ما أظهرته الانتخابات من أوضاع جديدة كالتوسع في استخدام العنف والمال.

*ولكن مرشحي حزب التجمع المعارض تحالفوا في بعض الدوائر مع مرشحي الحزب الوطني الحاكم في مواجهة مرشحي الإخوان. ألم يؤدي هذا إلى أن يصوت الناخبون تصويتاً عقابياً ضد مرشحي التجمع؟

**الانتخابات في مصر تتم بالنظام الفردي لذا فلها تكتيكاتها المحلية. أثناء المعركة الانتخابية لم يكن هناك خط عام لمرشحي التجمع يقضي بالتوافق مع الحزب الوطني ضد الإخوان المسلمين، ولكن كل دائرة فرضت تحالفاتها. فمثلاً محمد تليمة فاز بالتحالف مع مرشح الإخوان. وفي دوائر أخرى لم يكن هناك تعارض بين مرشحي التجمع والإخوان. أما التوافق مع الحزب الوطني والذي تم في بعض الأحيان فهو تحالف انتخابي وليس سياسي، أي أن هدفه تبادل الأصوات والحصول على أكبر عدد ممكن منها. وفي النهاية نستطيع أن نقول أن خوض الانتخابات لم يحدث على موقف انتخابي ثابت وموحد في جميع الدوائر التي خاض فيه التجمع المعركة.

*ما هي أصداء نتائج الانتخابات داخل حزب التجمع. وهل هناك محاولات للإصلاح؟

**تقييم أداء التجمع في الانتخابات بدأ بالفعل في المكتب السياسي وسيستكمل في الأمانة العامة واللجنة المركزية. وهناك توجه واضح في هذا التقييم يتبناه د. إبراهيم العيسوي، ود. جودة عبد الخالق، وأنا، يطرح ضرورة إعادة تأسيس حزب التجمع ليكون بيتاً لليسار المصري الواسع، وأن تشمل عملية إعادة التأسيس الاعتراف بتعدد التوجهات داخل الحزب، وأن تكون العلاقات داخله أكثر ديموقراطية، وأن يتجه الحزب بشكل حاسم للنضال الجماهيري مع قواعد اليسار ويبلور رؤية سياسية يكون الحكم فيها هو الخصم الأساسي لهذا الحزب. وقد طالبت شخصياً في هذه المناقشات بفتح حوار علني حول مستقبل اليسار والتجمع على صفحات جريدة الأهالي باعتبار أن عملية تقييم الانتخابات إعادة التأسيس ليست مسألة داخلية خاصة بالتجمع، بل تخص شركائنا وهم قواعد الحزب وأقسام اليسار المصري الأخرى، والمثقفين التقدميين والرأي العام المصري.

كما طالبت بتشكيل لجنة لإدارة الحوار مع كل أقسام اليسار خارج التجمع لمناقشة مستقبل اليسار وكيفية الوصول لصيغة توحيدية له. وفي اعتقادي الشخصي أنه إذا لم ننجح في أن يعود التجمع بيتاً لليسار المصري، وأن يعاد تأسيسه على أوضاع أكثر ديموقراطية ونضالية فسوف يبرز حزب سياسي يساري جديد يحقق هذه الحاجة الموضوعية لوحدة اليسار لكي يكون طرفاً أساسياً وفاعلاً في الصراع الدائر حول مستقبل مصر. عندها ربما يشارك عدد من قيادات وأعضاء التجمع في هذه العملية خارج التجمع.

*وهل تتوقع النجاح لخطة إعادة التأسيس هذه؟

**ألاحظ أن عدم الرضا عن أداء الحزب في السنوات الأخيرة وأدائه في الانتخابات يتزايد في صفوف التجمع سواء بين القيادات أو الأعضاء. وهناك الآن حالة غضب ومطالبة بتدارك الأمر والعودة إلى الطابع النضالي الذي ميز التجمع عند نشأته. ومع ذلك فإن إعادة التأسيس على النحو المطلوب هي عملية صعبة للغاية لأننا أمام كيان استقر على أوضاع محددة ويمتلك النفوذ فيه شخصيات محددة لن تفرط بسهولة في مواقعها أو توجهاتها السياسية التي مارست دورها القيادي على أساسها وبالتالي فهناك احتمال كبير لفشل عملية إعادة التأسيس هذه.

*على مدار الفترة الماضية كانت هناك العديد من المحاولات لتوحيد اليسار في تكوينات نضالية، ولكنها باءت بالفشل. فكيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟

**قد يكون التركيز على اليسار المجتمعي هو الحل لمواجهة الميل الانقسامي للمجموعات اليسارية القائمة في مصر سواء كانت ماركسية أو ناصرية. والمقصود باليسار المجتمعي أن نركز علي الطبقات الاجتماعية صاحبة المصلحة في بناء الاشتراكية أي الطبقة العاملة والفلاحين والفئات الدنيا من الطبقة الوسطى والنساء والشباب باعتبارهم أكثر الفئات تضرراً من الأوضاع الحالية. أي أن القاعدة لهذا الحزب اليساري الجديد الذي نتحدث عنه يمكن أن تكون كل فرد أو جماعة اجتماعية تحقق العدالة الاجتماعية مصالحها، ومن خلال النضال السياسي يمكن أن يتثقف هؤلاء حول الاشتراكية ويحصلوا على وعيهم السياسي الناضج من خلال المعارك التي يدخلها هذا الحزب المناضل الذي يعتمد علي النضالات وليس مجرد القناعات الأيديولوجية.

*كيف نستطيع تفسير المشاكل المزمنة لليسار المصري والتي منعته من أن يكون له اتصال حقيقي بالجماهير وتواجد فاعل في السياسة المصرية؟

**هناك ثلاث عوامل تقف وراء مشاكل اليسار المصري. أولها افتقاده للتراكم. ففي كل مرحلة تاريخية يبدأ من جديد في قطيعة مع خبرات المرحلة السابقة. حدث ذلك في الانتقال من الثلاثينات للأربعينات ومن الستينات إلى السبعينات، ويكاد هذا يتكرر الآن. فعدم تراكم الخبرة واستخلاص الدروس من تجربة كل مرحلة أدى إلى بدايات جديدة في الغالب تعبير ذاتي عن الأشخاص القائمين عليه.

ثاني هذه العوامل هو الضحالة الفكرية التي اتسمت بها التنظيمات الماركسية في مصر وعدم اهتمامها بالتثقيف السياسي الجدي لتكوين أعضائها وفق رؤية سياسية متعمقة تطرح مشاكل المجتمع وتحدد الحلول لهذه المشاكل. ومن الملفت للنظر أن مفكري اليسار المشهورين تشكلوا فكرياً خارج هذه التنظيمات وليس خلال نشاطها الفكري، أي تشكلوا كأساتذة جامعات درسوا في الخارج أو في الداخل وقد صدرت أهم أعمالهم الفكرية بعد أن انقطعت صلاتهم بتنظيماتهم اليسارية، فأهم انتاج فكري لليسار ظهر من خلال الدراسات الجامعية أو الأعمال الفكرية بجهد شخصي. كذلك فإن اعتماد اليسار المصري على الفكر الماركسي كما تمت صياغته في الاتحاد السوفيتي ساهم في هذه الضحالة الفكرية.

آخر العوامل التي تسببت في أزمة اليسار هو أن الذين تصدوا لقيادة التنظيمات كانوا من عناصر البرجوازية الصغيرة، أصحاب النفس القصير الذين يتعجلون النتائج دون ارتباط حقيقي بالمجتمع وما يتطلبه من مواكبة لحركته التي يمكن أن تستغرق وقتاً أطول من استعدادهم.

محصلة كل ما سبق تجسدت في فقدان اليسار المصري استقلاليته واندماجه في مشروعات أخرى غير ماركسية مثل المشروع الناصري.

*السنة الماضية والتي انتهت بالانتخابات البرلمانية أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك أن الإخوان هم القوة المعارضة الأقوى في مصر، فكيف نفسر هذا؟

**في اعتقادي أن تغييب السياسة عن المجتمع والقيود الشديدة المفروضة على ممارسة الشباب لنشاط سياسي أو تثقيفهم واحتكار الحزب الحاكم للإعلام، وتجريم النشاط السياسي الجماهيري، كل هذا أدى إلى تصاعد نشاط الإخوان المسلمين وتأثيرهم في المجتمع. مع الوضع في الاعتبار أن الأزمة الاقتصادية وعدم وجود سبل للخلاص منها أمام المواطنين تؤدي إلي أنهم يلوذون بالدين كملجأ للخلاص من هذه الأزمة. وقد ساعد على ذلك عوامل خاصة بالإخوان وأخرى خاصة بالقوى السياسية الأخرى.

فيما يخص الإخوان هناك التنظيم الجيد والقدرة على استخدام العمل الخدمي للوصول إلى قطاعات واسعة من الناس واستخدام الدين كمدخل لتكوين علاقة مع قطاعات جماهيرية واسعة. أما ما يخص القوى السياسية الأخرى فقد أدى استسلامها للقيود المفروضة على حركتها وعدم استخدام الهامش الديموقراطي المتاح لها إلى غيابها عن ساحة الصراع السياسي. وسوف يكون من الخطأ أن نجري مقارنة مجردة بين الإخوان المسلمين والقوى السياسية المدنية، لأن أحد مصادر قوة الإخوان أنها جماعة تمارس الدعوة الدينية بالإضافة إلى النشاط السياسي.

*ما هي توقعاتك حول أداء الإخوان المسلمين في البرلمان الجديد؟

**الإخوان أمام تحدي كبير واختبار حقيقي يتمثل في كيفية قيامهم بدورهم البرلماني. هل سيطرحون قضايا المجتمع الكبرى أم سيكتفون بمسائل ذات طابع أخلاقي؟ هناك أكثر من تصريح لقيادات إخوانية تقول بأنهم يتبنون برنامج الإصلاح السياسي الذي صاغته الجبهة الوطنية للتغيير. وقد طالبناهم في أكثر من ندوة أن يعطوا اهتماماً مماثلاً للقضايا الاقتصادية والاجتماعية مثل البطالة والفقر والفساد. والأمر الآن يتوقف عليهم، وفي اعتقادي الشخصي أنهم منتبهون لهذا التحدي، وأنهم سيحاولون تقديم أنفسهم للشعب المصري من خلال أدائهم البرلماني كقوة مدافعة عن مشاكلهم الحادة. ولكن اليسار المصري يجب أن ينتبه إلى أن فوز الحزب الحاكم بأغلبية الثلثين في المجلس يجعل الحكم متحكماً في عملية الإصلاح السياسي وقادراً على تحديد مضمون هذه العملية وسرعتها، حيث يستطيع أن ينفرد بتقرير التعديلات الدستورية وتوقيتات هذه التعديلات مما لا يعطي المعارضة داخل مجلس الشعب تأثيراً كبيراً في مسألة الإصلاح السياسي. كذلك فالإخوان المسلمين لا يختلفون اقتصادياً واجتماعياً عن توجهات الحزب الحاكم، فهم يوافقون على التحول إلى الرأسمالية والاعتماد بشكل كامل على آليات السوق وإطلاق حرية الملكية الفردية دون قيود والاندماج في الاقتصاد العالمي وعدم تقييد الصادرات والواردات، ويوافقون على الفوارق الطبقية مما يعني في النهاية أن الخاسر الأكبر من سيطرة الحكم على مجلس الشعب وانفراد الإخوان بالجزء الأكبر من المعارضة، هي الفئات الكادحة وذوي الدخل المحدود من العمال وفقراء الفلاحين والفئات الوسطى الدنيا.

من هنا فإن اليسار المصري يتحمل مسؤولية تعويض هذا الوضع ببناء حركة جماهيرية منظمة للضغط على الحكم وعلى الإخوان المسلمين من أجل ضمان مصالحهم في التشريعات الجديدة وفي الإجراءات الحكومية.

شرط أساسي لاكتشاف الناس هذه الحقيقة هو أن يقوم اليسار بإلقاء الضوء على ممارسات الإخوان داخل المجلس وكشف حقيقة أنهم مع الاقتصاد الرأسمالي.

*على مدار السنوات الماضية كان لليسار موقف معادي للإخوان المسلمين وللجماعات الإسلامية، يضع العداء لهم قبل العداء مع الدولة. وربما يكون حزب التجمع هو الممثل الأوضح لهذا الاتجاه، فهل سيستمر هذا الموقف سائداً في الفترة القادمة؟

**في رأيي أن الموقف الحقيقي لحزب التجمع من الإخوان المسلمين ليس هو ما يطرحه رفعت السعيد في الصحافة ووسائل الإعلام. فموقف التجمع من الإخوان كما هو موجود في وثائق التجمع وممارساته خلال العشرين سنة الأخيرة يعتمد على ثلاثة محاور:

أولاً أننا نختلف معهم فكرياً وأيديولوجياً. في هذا المجال هناك صراع مع أفكارهم يجب أن يستمر ولا مساومة فيه.

ثانياً: حق تيار الإسلام السياسي في أن يكون أحزابه السياسية المعترف بها قانوناً بشرط أن تكون أحزاب سياسية مدنية لا مجال فيها للدعوة الدينية، وأن تكون مفتوحة لكل المصريين بلا استثناء تقبل بالمنافسة الديموقراطية والدولة المدنية وتطرح برنامج سياسي هو اجتهاد بشري وتقبل أن تصدر القوانين من سلطة شعبية منتخبة دون العودة إلى أية مرجعية دينية.

ثالثاً: التنسيق السياسي مع الإخوان المسلمين في القضايا موضع الاتفاق مثل قضايا الإصلاح السياسي ومواجهة الهيمنة الأجنبية ومحاربة الفساد. وقد طبق التجمع هذا الموقف بجوانبه الثلاثة وكانت هناك لجنة التنسيق بين الأحزاب والقوى السياسية في نهاية الثمانينات ومعظم التسعينات تضم التجمع والوفد والناصري والعمل والأحرار والإخوان المسلمين والشيوعيين. وقامت هذه اللجنة بأنشطة متعددة حول قضايا التطور الديموقراطي وقدمت مذكرات مشتركة لرئيس الجمهورية موقع عليها منا جميعاًَ. كما صاغت مشروعات قوانين لتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون الأحزاب وغيرها. ومارست نشاطاً مشتركاً حول قضية فلسطين وفي مواجهة الهيمنة الأمريكية. وفي اعتقادي أن هذا الموقف من الإخوان بأركانه الثلاثة يجب أن يستمر في المرحلة القادمة.