بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بهية.. وفي مقولة أخرى وداد

من المدهش كم الناس الذين يمكن أن يمروا في الحياة دون لفت الأنظار ودون أن يثيروا ضجة، بالرغم من تأثيرهم الكبير على جميع من حولهم. من هؤلاء وداد متري. أجيال من النساء تعرف وداد متري، أجيال من النشطاء السياسيين والمثقفين يعرفون منزلها، حيث اكتشفوا أنفسهم، ومصر أخرى غير التي عرفوها من قبل. لكن أعدادا كبيرة من الناس، بالتوازي، لا تعرفها. لا يعرفون المرأة الوحيدة التي انتخبت في اتحاد الطلبة في عام 1951، في الوقت الذي لم تنتظم فيه غالبية النساء في الجامعة.

ولكن لندع جانبا الترشيح والفوز في اتحاد الطلبة، فنضال وداد متري ممتد وطويل ومتعدد الزوايا.

نضال مختلف من أجل تحرر المرأة

إذا، كيف أعرفها؟ مناضلة من أجل تحرر المرأة، بالحركة النسوية؟ نعم، بالطبع، وأحد الرواد في هذه القضية، ومن مؤسسي حركة أنصار السلام في عام 1950. مع النسوية الشهيرة سيزا النبراوي والناشطة اليسارية والفنانة إنجي أفلاطون. ناضلت وداد بلا هوادة من أجل حق المرأة في الاقتراع ومساواتها في الحقوق القانونية والسياسية. لكن بخلاف الكثير من المناضلات النسويات، كانت تعرف أن تحرر المرأة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن سائر نضالات المصريين –الرجال والنساء– من أجل العدل والحرية. وفي إحدى المرات النادرة التي أجريت معها فيها حوارات قالت معبرة عن وجهة النظر هذه: “عندما يتعلق الأمر بالمرأة تحديدا يجب أن نأخذ في الحسبان صعوبة الحياة. أعتقد أن تحرك النساء في الدفاع عن حقوقهن يتطلب تحركهن ضمن إطار أشمل” ( أهرام ويكلي، 1999).

لهذا السبب، في نفس العام الذي أسست فيه أنصار السلام، انضمت وداد إلى اللجنة النسائية للمقاومة الشعبية (مع الناشطة النسوية سيزا النبراوي) للعمل على مساندة الميليشيات التي تحارب الإنجليز في قناة السويس. واستمرت جهودها المناهضة للاحتلال حتى بعد خروج الإنجليز. ومع تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، حولت وداد المدرسة التي كانت تعمل فيها كمدرسة إلى مركز خدمة اجتماعية، بمساعدة إحدى طالباتها حينذاك -ومن ثم المناضلة من أجل حقوق الفلاحين- شاهندة مقلد. عملت وداد متري على تعبئة نساء مدينة شبين الكوم لبذل الجهود المتعلقة بالحرب: خياطة الملابس للجنود وتدريبات للتمريض وحملات للتبرع بالدم وحتى التدريب على السلاح.

ضد الاستعمار في كل مكان

كمناضلة من أجل الحرية، كانت وداد تعرف أن جميع النضالات الإنسانية مرتبطة وأن مقاومة الاحتلال والنضال ضد الإمبريالية هما نفس الشيء، سواء كان ذلك على أرض مصرية أو في فلسطين والجزائر. بالتالي، انخرطت بقوة في التعبئة من أجل الثورة الجزائرية والمقاومة الفلسطينية من خلال تنظيم طالباتها في ميليشيات غير مسلحة. كما دأبت وداد على تنظيم حملات التبرع بالدم، فضلا عن العمل على خلق الموارد المالية اللازمة للتسليح في الحالتين. ووصل انخراطها في التضامن مع القضيتين إلى الحد الذي جعلها تنظم تظاهرات تضامنية، في الوقت الذي احتكر فيه النظام الناصري التنسيق للمظاهرات والمسيرات. وبالقطع كان لابد أن تدفع ثمن النضال، والذي كان، في حالتها، السجن دون محاكمة وفقدان وظيفتها التي كانت شديدة الاعتزاز بها.

وداد النقابية

وعلى الرغم مما سبق، إلا أنه سيكون من الخطأ أن نصنف وداد كمناضلة نسوية أو حتى قومية، لأن في ذلك إخفاق في الإلمام بتجربتها الحياتية كنقابية ناضلت من أجل حقوق العمال. فبعد إطلاق سراحها من السجن– بسبب نضالها العلني وبسبب تنظيمها لطالباتها في القضايا السياسية– في بداية عام1960 تم نقل وداد من موقعها التعليمي إلى وظيفة إدارية في وزارة التعليم. لكن بدلا من أن تقوم تلك النقلة بهزيمتها، خاصة بالنظر إلى ولعها بالتدريس، كانت بداية لمرحلة جديدة من النضال. بدأت هذه المرحلة بإصدار مجلة للموظفين، مجلة مكتملة الجوانب بدأت بالظهور أسبوعيا ليتم توزيعها بسائر المحافظات وصولا إلى أسوان. ناقشت المجلة القضايا العامة فضلا عن مشاكل المدرسين وعمال الوزارة. باختصار، كانت مجلة تمنح القدرة على التواصل لمن كانوا بلا صوت يسمع. في تلك الآونة نشطت وداد أيضا وبشكل متزايد في نقابة المعلمين، حيث قامت بتنظيم محاضرات أسبوعية بالنقابة في عام 1966دعت فيها مقاومين من الجزائر وفلسطين. لكن، كما هي العادة لم يدوم هذا النشاط طويلا. فبعد عدد من المحاضرات وحملة تبرعات بالمدارس من أجل القضية الفلسطينية، أوقف النظام أنشطتها. ومع ذلك، خاضت انتخابات مجلس نقابة المعلمين في عام 1970. فازت وداد في هذه الانتخابات، نظرا لسجلها النضالي في الدفاع عن حقوق المعلمين والطلبة، إذا لم يكن بسبب سجلها النضالي الأوسع.

وداد التي أحبها الجميع

لكن، حتى إذا تمكنا من تسجيل لقطات من إنجازاتها وتعقب سجل جميع النضالات الإنسانية التي مرت بها، لا أعتقد أن ذلك سيفسر لمن لم يعرفوها سر تميزها الشديد. فلماذا، يمكن لإسلامية حادة مثل صافيناز كاظم أن تبكيها بصدق إلى جانب شاهندة مقلد، صاحبة الاعتناق الشيوعي مدى الحياة، بالإضافة إلى نساء ورجال في العشرينات و الثلاثينات من عمرهم شاعرين بأسى لفقدان “طنط وداد”؟ كيف يمكن لذات المرأة المسيحية والقومية واليسارية والنسوية أن تصادق كل هؤلاء -من الشيخ إمام إلى عادل حسين، ومن صديقات ابنتها إلى أبناء وبنات صديقاتها؟ لماذا يمكن لأمي، أكثر النساء المصريات العاديات ابتعادا عن السياسة، أن تهتز لفقدانها بنفس القدر الذي يشعر به النشطاء السياسيون المنتمون إلى عالم آخر؟ الإجابة في قلبي وعقلي هي أنها كانت تجسيداً لبهية، صورة مصر التي رسمها أحمد فؤاد نجم في أشهر قصائده. بضفيرتها الطويلة وقدرتها التي لا تلين على العطاء وروحها التي لا تقبل التنازل، أصبحت وداد متري هي مصر التي تطلعت إليها أمي وجيلها وتلك التي لا يزال جيلي يتوق لبنائها.